ترجمة: أسماء يس
قبل عقدين من الزمن، اكتشف الروائى الأيرلندى كولين توبلين الكاتب المجرى لاسلو كرسناهوركاي، وكان متحمسًا للألعاب النارية اللفظية التى يؤديها بها راوى القصص كاسر القواعد.
كان ذلك منذ ما يقارب عشرين عامًا؛ عدتُ من أمريكا ومعى أخبار جيدة كان صديقى دانيال ميدين قد أوصانى بقراءة كتابين للروائى المجرى لاسلو كراسناهوركاي: أحدهما بعنوان (حرب وحرب)، والآخر بعنوان (كآبة المقاومة) كنا أيضًا قد شاهدنا بعض أفلام بيلا تار، التى كتب كراسناهوركاى سيناريوهاتها ذلك الإحساس البطيء، والتوتر الخفي، فى فيلم تناغمات فيركمايستر، المقتبس من كآبة المقاومة، وغياب التفسير النفسى المباشر والدوافع الواضحة فى الفيلم، وحركة الكاميرا التى تشبه حركة قط، جعلت التجربة مثيرة، لكنها لم تكن بقدر إثارة الروايتين نفسيهما.
لاحظتُ أن كراسناهور كاى مولع بالجمل الملتوية المتعرجة، بتلك المغامرات اللغوية التى تشبه السير على حبل مشدود، وبذلك الهلع الخفيف الذى يقود نحو خوف مرتجف تشعر به شخصياته، يتبعه، فى جملة تلو الأخرى، وميضُ إدراكات متقطعة، ومزيد من الأسباب للحزن أو الذعر، ثم، بفاصلة واحدة فقط، تأتى ردود ساخرة (وأحيانًا كوميدية) على ما يخطر بعد ذلك فى الذهن. وقد ترجم الشاعر جورج سيرتس هذه الجمل المدهشة على بطاقة إيقاعية ملحوظة.
كراسناهوركاي، الذى نال هذا العام جائزة نوبل فى الأدب، مشغول بالحدود؛ بما يمكن أن يحدث حين تُدفَع اللغة إلى ما وراء قواعدها المألوفة، إذ صور الوعى ذاته على أنه لانهائى فى طرائقه وآلياته الداخلية، قادر على أن يلتف على نفسه ويتغذى منها قبل أن يتقدم من جديد أو بما يمكن أن يحدث حين تصبح أمور مثل المعرفة، أو الفعل، أو الذاكرة، أو الصوت، غير قابلة لللترويض بسهولة فى السرد لهذا فهو، بوصفه راويًا، مفتوناً بالنهايات القصوى، وباحتمال وقوع نهاية العالم.
ومن الخطأ أن يُقرَأ التوتر فى أعماله بوصفه سياسيًّا أو قادما من العدم؛ إذ يتغذى خياله على الخوف الحقيقى والعنف الحقيقي. لكنه يمتلك طريقة تجعل الخوف والعنف أكثر واقعيةً وحضورًا، وذلك بأن ينزعهما من سياقهما المألوف. إنه يضعهما فى عتمة من صنعه هو. وبهذا المعنى، هو أقرب إلى كافكا منه إلى بيكيت، غير أنه لا يشبه أيًّا منهما فى اهتمامه وولعه بالألعاب اللغوية المتوهجة.
فى عام 2006، عندما عدت إلى الوطن متحمسًا جدًا لأعماله، لم يكن له ناشر فى المملكة المتحدة بعد. كنت قد قرأت كتبه فى الطبعات الأمريكية التى نشرتها دار نشر نيو دايركشنز. وكان الرأى السائد عنه فى لندن أنه كاتب صعب؛ ولا يمكن لأى ناشر أن يخاطر بنشر كتبه ردًا على ذلك، وبالتعاون مع الوكيل الأدبى بيتر شتراوس، أسست دار نشر توسكار روك، التى تتعاون مع دار نشر بروفايل بوكس كناشر رئيسي، وتهدف إلى نشر أعمال الكُتَّاب الذين تجاهلتهم دور النشر البريطانية الأخرى.
بمجرد حصولنا على حقوق كتب كراسناهوركاي، وضعنا على عاتقنا مهمة التعريف بها بشكل أفضل وعندما ظهر فى مهرجان إدنبرة للكتاب عام 2011، رأيت أننا نفتح بابًا مفتوحًا. كان جمهور المهرجان يضم قراءً شبابًا جادين، معجبين بأفلام تار، ومطلعين بالفعل على هذه الروايات. كل ما كان علينا فعله هو العثور على المزيد منها.
شخصيًّا، كراسناهوركاى شخص عميق التفكير، أقرب للخجل، لطيف الكلام، ومهذب دائمًا، ليس ثرثارًا ولا منفتحًا. لذلك، عندما انتويت مقابلته فى مكتبة لندن ريڤيو عام 2012 تساءلتُ كيف سيجيب على أسئلة حول خلفيته وجذور إلهامه. لم يتفاعل جيدًا، أو ربما كان الخطأ فى الأسئلة نفسها.
الآن، بالنظر إلى الماضي، أستطيع أن أرى أنه قال بعض الأشياء المثيرة للاهتمام. على سبيل المثال، قال عن روايته (تانجو الشيطان): «اضطررت لكتابة هذا الكتاب فقط لا غير.. تحاول كتابة كتاب واحد فقط، وتضع كل ما تريد قوله فى كتاب واحد».
وقال كذلك «قبل عام 1989 كان المجر بلدًا غير واقعي، مجنونًا تمامًا. غريبًا، لا يُطاق.. وبعد عام 1989 أصبح عاديًا، ولا يُطاق». فى ما أسماه «المجر القديمة»، كان هناك «بؤس شديد، كان المزاج حزينًا ويائسًا للغاية» ولم يكن قلقًا بشأن العثور على قراء «معظمنا يحتاج إلى 10 قراء فقط، وربما 6 فى يوم سيىء».
ثم ظهرت المشكلة عندما سألته عن الله، وماذا يعنى كتابة رواية تتجاوز الدنيوي، وتتجاوز اليومى العادى أو المحدود، وتصل إلى فضاء أكبر. قال: «هممم» ثم كرر: «هممم». جاء رده الساخر فى التوقيت المثالي. ثم نظر إلى بأسى وقال: «السؤال رائع، لكننى لا أستطيع الإجابة عليه. إنه سؤال صعب للغاية بالنسبة لي. لست ذكيًّا إلى هذه الدرجة».
استدعى الأمر من سيرتس، الذى انضم إليه على المنصة، التعامل مع المسألة: «أعرف هذا العالم أكثر، لكنه عالم خيالي، عالم خيالى يبحث عن النظام. الشخصيات لا تبحث عن الله، بل تبحث عن مكانها».
وعندما حان وقت أسئلة الجمهور، بدا كراسناهوركاى مرتاحًا ثم ضم يديه ونظر إلى السقف، كنصف ساحر روحانى ونصف مؤدى استعراض خجول، كأنه يصلى سعيًا للخلاص، وقال إنه سعيد بالإجابة على الأسئلة ثم أضاف «لكن أرجوكم، لا شيء عن الله».
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







