محمد ميلود غرافى
كانت قصيدة النثر ملاذا لهذه الأصوات الجديدة، رغم أنها بدأت خجولة وغير واضحة المعالم وهامشية فى خضم الصراع الذى كان دائرا بين مناصرى القصيدة العمودية ومناصرى ما يسمى بالشعر الحر أو قصيدة التفعيلة لكنها ما لبثت أن فرضت بأشكال متعددة نمطا جديدا من الكتابة الشعرية
عندما يثار مفهوم الشعر تثار بالضرورة حوله أسئلة التلقى مثل: ما حصة الشعر اليوم من القراءة فى العالم العربى؟ وما الذى جعل هذا الجنس الأدبى الأكثر حضورا وشيوعا لدى المتلقى العربى على مر العصور يفقد شيئا فشيئا صيته؟ هل عجز الشعر العربى على اختراق ذائقة المتلقى العربى التقليدية ليؤسس لذائقة جديدة؟ هل تُشكّل التحولات الجديدة فى الممارسة الشعرية قفزة نوعية فى تاريخ الشعر العربى أم أزمةً فى ضبابية الرؤية الشعرية اقترانا بأزمة المجتمعات العربية وضبابية المستقبل فيها؟
هذه الأسئلة تحمل فى ذاتها إشكاليات تلخص مختلف الهواجس التى تشغل بال الشاعر العربى والناقد العربى منذ فترة غير قصيرة لكن المؤكد أن جميع هذه الإشكاليات تندرج ضمن السؤال المركزى المتعلق بفمهوم الرؤية الشعرية.
يعرف جل المهتمين بالشعر العربى القضايا التى أثيرت قديما عن ماهية الشعر وأن الذى غلب فى الشعرية العربية القديمة فى نظرتها إلى الشعر هو جانب الشكل خاصة، وحين تدخّل المعنى كشرط من شروطه أثيرت قضايا لا تقل أهمية عن نقاشنا اليوم هو مفهوم القصدية واللاقصدية ومفهوم الوضوح والغموض والغريب... يضاف إلى ذلك مفهوم الغرض فى القصيدة العمودية وإحاطة الشعر بدور أخلاقى واجتماعى أو دينى سياسى كما حدث فى فترة النبوة خاصة، مما جعل الأصمعى ينتبه إلى ارتباط عضويّ للشعر بـــــِ "الشر" قائلا : "الشعر نكدٌ بابُه الشّر فإذا دخل فى طريق الخير لانَ" كلُّ ذلك أحاط الشعر بدور وظيفى فى المجتمع تبنّاه الخيال الجمعى للعرب فى الجاهلية والإسلام عندما وجدوا فى الشعر طريقا للذّود عن قيمهم ونزعتهم القبلية أو الدينية ومفاخرهم وعصبيتهم.
ظل هذا التصور التقليدى للشعر حاضرا إلى حدود عصر النهضة وما صاحبها من تساؤلات المثقف العربى عن الذات والآخر وعن الماضى والحاضر والمستقبل لتخفت نسبيّا سلطة التقليدية فى الشعر وتفسح المجال لبناء رؤية شعرية جديدة تدعو إلى التحرر من المعيارية والنموذجية الشعرية القديمة وتفتح المجال لتجارب جديدة (الشعر المنثور أو النثر الشعرى مثلا) وقصيدة التفعيلة فى ما بعد ثم ما يسمى بقصيدة النثر بعدهما.

انطلقت هذه التجارب الأخيرة غالبا من رؤية تفاؤلية للمستقبل وتعلق أصحابها بالأمل فى غد أفضل وأحاط بعضهم الشعر بدور ريادى فى التغيير لكن ربط الرؤية الشعرية بالأمل لم يدم كثيرا بسبب ما تلا تلك الأحلام من خيبات وانهزامات وتصدعات وأيضا بسبب أنّ اقتران الرؤية الشعرية بالأمل دائما يحمل فى ذاته نوعا من الطوباوية التى تكون نتائجها خطيرة على الذات والجماعة عندما تصطدم هذه الأمانى بصخرة الواقع.
لذلك ينبّه الناقد والشاعر الفرنسى إيف بونفوا أن اقتران الرؤية الشعرية بالأمل قد ينتج عنه فى اللحظات المأساوية انسلاخ عن العالم ونسيان الموت. سيكون الشعر آنذاك لغة غريبة غير قادرة على الانتصار على الشر لأن الموت ليس بالضرورة نفيا للفكرة وإنما "مظهر عميق لحضور الكائنات، وبشكل أدق، واقعيتِها الوحيدة" (بونفوا)
وهذا ما جعل الشعر فى أوروبا فى أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، حتى فى رومانسيته أحيانا، يبحث عن الجمال من داخل القبح والشر والأرض الخراب والعنف والحروب التى ميزت هذه المرحلة لذلك فصَل بودلير بين الأخلاق والشعر وأحدث ثورة صاعقة فى الممارسة الشعرية عندما خرج عن المعيارية والنموذجية السائدة شكلا ومضمونا، قبل أن يتبعه فى ذلك رامبو فى رحلته المجازفة على متن مركبه السكران منتشيا بكتابة لا تجهّز المعنى وإنما تجرى خلفه فى بحث موازٍ عن طرق جديدة للكتابة لا تستقرّ على نموذج. لذلك كانت السودواية هى نتاج هذه الرؤية أو هى الرؤية نفسها فى عالم على أهبة التشظى والانفلات من قبضة الإنسان.
ولا شك أنه على هذا الحال حاولت الشعرية العربية فى بداية النصف الثانى من القرن العشرين خاصة أن تجد لنفسها نماذج جديدة للكتابة.
ولذلك كان السياب فى شعره الذاتى تعبيرا عن نفس هذه المشاعر التى هزت وجدانه وهو يفقد شيئا فشيئا ثقته فى الآمال المنشودة بعد أن كان قد جرب هو أيضا الربط بين رؤية الشاعر ورؤياه البروميثيسية والعنقائية والتموزية وحلول الألوهية/المعجزة فى الإنسان عن طريق صورة المسيح المصلوب.

وهو النموذج الذى تبناه إلى جانب السياب شعراء آخرون وإنْ بطرق متفاوتة كيوسف الخال وأدونيس وخليل حاوى وجبرا إبراهيم جبرا الذى أطلق على هذه النخبة عبارة «الشعراء التموزيون» عندما رأى فى أشعارهم نقطة مشتركة هى فكرة الانبعاث والقيامة والخصب بعد الجدب.
وعندما دخل العالم العربى فى دوامة الضياع بعد خيبة أمل شعوبه التى تلت فترات الاستقلال وبعد احتلال فلسطين وهزيمة 1967 خاصة، لم تعد فكرة الانبعاث والخصب قادرة على استيعاب مشاعر الهزيمة والضياع، فارتدّ الشعر العربيّ إلى الذات ومثلما لم يعد الفكر الموروث قادرا على تحديات الواقع العربى المؤلم، لم يعد النموذج المعيارى فى عموديته وتفعيليته لدى الكثير من الشعراء قادرا على استيعاب مشاعرهم سواء الذين مارسوا هذا النموذج وتخلوا عنه كأدونيس مثلا أو أصواتا جديدة انبثقت مباشرة من مجلة "شعر" خاصة.
فاتخذت الرؤية الشعرية منحى آخر مثلما حدث فى الشعر الفرنسي، بحيث شهدنا عن طريق العودة إلى الذات عودة لا إلى الرومانسية وإنّما إلى "الواقع العميق" على حد تعبير بونفوا من خلال توظيف اليومى والمحسوس فى النص والاهتمام باللغة والصورة أكثر من الاهتمام بالوزن والإيقاع. فكانت قصيدة النثر ملاذا لهذه الأصوات الجديدة، رغم أنها بدأت خجولة وغير واضحة المعالم وهامشية فى خضم الصراع الذى كان دائرا بين مناصرى القصيدة العمودية ومناصرى ما يسمى بالشعر الحر أو قصيدة التفعيلة.
لكنها ما لبثت أن فرضت بأشكال متعددة نمطا جديدا من الكتابة الشعرية انخرطت فيها بشكل واسع إضافة إلى الرواد أقلام جديدة فتحت أعينها لأول وهلة على قصيدة النثر ومارستها فى قطيعة شبه مطلقة مع المقروء التراثى الشعرى العربى القديم والحديث، مع ما يكتنف هذه المغامرة/القطيعة من مزالق وضعف فى كتابة قصيدة النثر.
فالكثير دخلها مبتهجا فى اعتقادٍ منه أنّ التحرر من الوزن يمنحه المشروعية لدخول الشعر من باب واسع، فنتج عن ذلك استسهال وتسيّب فى الكتابة أدى إلى نفور القارئ العربى من جنس الشعر عامة لينتصر فى نهاية المطاف لجنس الرواية أكثر.

هذه الرؤية الجديدة فى الشعر العربى المعاصر ليست وليدة الاحتكاك فقط بالمنجز الشعرى فى الغرب ولا لتجربة قصيدة النثر كما نظرت لها سوزان برنار، لكن أيضا وأساسا وليدة طبيعية للتحولات التى يشهدها ما يسمى بالعالم العربى التى تتسم أكثر من أى وقت مضى بتراكم النكسات والخيبات وانسداد الأفق النهضوى والحروب ، أهلية أو امبريالية ، وانحسار المد الحداثوى مقابل التوسع الإيديولوجى للفكر الظلامى مما جعل المثقف العربى والشاعر العربى الذى ينشد التحرر والتغيير والانفلات من قبضة التقليدية والمعيارية يعيد النظر فى كل ما هو نمطى بما فى ذلك الكتابة الأدبية، فكان من نتائج ذلك ارتكان الشاعر إلى الذات قبل الجماعة متحررا من سلطة المعيارية واليقينية والزخرفة البلاغية.
ولعل هذه الذاتية التى نجمت أيضا عن طغيان المد الليبرالى فى العالم بأسره وعما أسفر عنه المجتمع الاستهلاكى من قيم جديدة منحازة للفرد لا للجماعة، ساهمت ، ورُبّ ضارّة نافعة، فى زعزعة الفكر الأحادى من جهة وفى مدّ الكتابة الشعرية العربية المعاصرة بدم جديد من ميزاته :
ــ التفكير من داخل اللغة وليس من خارجها، أى هدم المسافة التى كانت تفصل اللغة عن شكل القصيدة أو تجعلها تابعة له.
ــ تشظى المعنى أو على الأقل انفلاتُه من قبضة التفسير الوحيد الأوحد لدى القارئ. فالمعنى فى القصيدة المعاصرة زئبقي، هارب، متعدد الوجوه والأبعاد. وهذا ما يعطى للشعر خصوصيته ومشروعيته الجمالية ويمنح المعنى هو أيضا هامشا من الحرية والمرونة كى يكون لوضعية القارئ معنى، بحيث يصبح فاعلا وليس منفعلا، منخرطا فى تشكيل المعنى وليس مستهلكا سلبيا له.
ـ توسيع رقعة الخطاب الشعرى من محلية الرؤية إلى كونيتها. هذه القفزة النوعية فى تشكل القصيدة العربية المعاصرة لا تقتصر فقط على قصيدة النثر، وإنما على قصيدة التفعيلة أيضا كما مارسها محمود درويش فى دواوينه الأخيرة.
ــ انخراط الشعر فى التحديات الوجودية التى يتعرض لها الإنسان فى الشعر العربى ثمة حاجة ماسة إلى أن تكون للشعر رؤية وجودية تحتفى بالهامشى والمحظور واللايقين إلا يقين الكلمة وهى تدوى كالعاصفة. هذا ما أدركه سركون بولص مثلا وهو يشبه الكلمة بحانة "يشرب فيها الشعراء بالدّيْن فودْكا مع الليمون، وشيئا من المرارة" مضيفا :
«كلماتى اليومَ تهاجمُنى كأنَّها معادنُ زرقاءُ وبليدةٌ / والغبيُّ لا يفهمُ أنَّها العاصِفة / يخرجُ واثقًا ويفكُّ مرساةَ يَقينى»
وهذا ما أدركه أدونيس أيضا وهو يضع فى جوهر انشغالاته وتساؤلاته الوجودية الكائن البشرى مثيرا إشكالية القلق تجاه مصيره، حتى أنه يكاد يجزم بأن الإنسان كما يجب أن يكون لم يوجد بعد: «متى يبدأ الغد الذى يُسمّى الإنسان؟» مضيفا فى ما يشبه الضياع : «نحنُ الأشباح الآدمية التى تدبُّ على هذه الأرض بقدمين اثنتَيْن / لم نعُدْ نعرفُ من أين نأتى أو من أين أتَينا وإلى أين نمضى» وأيضا : " ومتى ستُطلُّ علينا السماء؟ وكيف؟ (قصيدة : السماء الآن هى نفسها الموت).
هذه الرؤية الوجودية ليست اختيارا إنها نابعة من صلب الواقع المرّ، من اقتفاء الشاعر لأثر الجراح والبؤس والخيبة والصدمات جماعية كانت أو فردية فجاءت القصيدة أكثر من صدى لهذا الواقع المرّ هى ليست انعكاسا له ،فليس لها وللأدب أن يكون انعكاسا، بل هى تَمثّل، وتفكيك وإعادة تشكيل له داخل لغة تراهن على المحسوس وتستجمع فى أحيان كثيرة قوى الذاكرة كملاذ للشاعر وكأداة فى الوقت نفسه للرقيّ بهذا التمثل إلى مصاف الشعر يقول أمجد ناصر الذى حول البداوة لغة ووقائع وأمكنة إلى حياةٍ فى سردية متقطعة: "الذاكرة والحواس هنا هى آلات عقاب أشدّ لؤما من الخوازيق" (مملكة آدم)
هذه الرؤية الوجودية التى تحمل من الألم والتشاؤم والتحسر الشيء الكثير تعبير عن الإحساس بالضياع فى عالم يسوده الظلم وتسلط القويّ على الضعيف. لذلك ليس نشازا أن يلتقى قلق أدونيس السالف الذكر بالرؤية السوداوية لإبراهيم نصر الله فى قصيدته الأخيرة مريم غزة : "السلام على الأرض ليس لنا"، " أهذى السماءُ التى فوقَنا لا ترانا؟"
ليس غريبا ولا مصادفة إذن أن تأتى قصيدة نثر وقصيدة تفعيلة كأنهما نص واحد من حيث اشتراكهما فى سماء لا ترحم وخراب يهدّ العالم. وليس غريبا أن تخرج القصيدتان معا إلى القارئ فى الشهر نفسه: كانون الثانى/يناير 2024.

ما الرؤية الشعرية إذن؟
إنها بكل بساطة موقف فكرى أولا والتزام بهذا الموقف ثانيا، وانخراط للشاعر فى ممارسة شعرية ملائمة ومواكِبة للموقف ذاك. إن الرؤية الشعرية التى أخرجت الشعر العربى من المعيارية والتقليدية هى نفسها الرؤية التى تبناها شعراء نشأوا على هامش الفكر السائد رافضين له منشدين فكرا نهضويا وحداثيا.
حصل هذا على مرّ تاريخ الشعر العربى عندما سلك شعراءٌ مسلكا آخر غير الذى كان سائدا فكريا أو على مستوى شكل القصيدة: الشعراء الصعاليك، أبو نواس، أبو تمام، بشار بن برد، المعرى، المتنبى، الحلاج، وغيرهم.
ولو لم يكن الشعر رؤية قبل كل شىء والإلهام فيه أقرب ما يكون رؤيا تُنافس النبوّة فى وحيها، لما أفرد له النص القرآنى والحديث حيزا واسعا يعبر عن مدى حضوره كقوة فكرية وإيديولوجية وبلاغية فى المخيال الجمعى آنذاك ولو لم يكن الشعر رؤية إلى العالم لما بحث شعراء الحداثة منذ عصر النهضة عن طرق وأساليب جديدة تكرّس ممارسة للشعر فى تماه مع قضايا العصر.

غير أن الرؤية بهذا المفهوم لا يجب أن تُحوّل الشعر إلى خطاب دعائى أو شعاراتى أو تقلّده أدواراً تتجاوز وظيفته الروحية والفكرية والجمالية خاصة. عندما تم تحرير القصيدة العربية من مفهوم «الغرض»، كان ذلك بداية الوعى بوظيفة الشعر الجوهرية ألا وهى الرقيّ بذائقة القارئ إلى تخوم اللذة والدهشة كحصيلة لتماهى اللغة بالواقع والتجربة والأشياء.
عبد الله إبراهيم فى مواجهة «المركزية الغربية»
سمير عبد الباقى .. فى آخر حوار قبل الرحيل:
بعد احتلال قلعة الشقيف الأثرية بجنوب لبنان: الإنسانية تفقد تراثها






