عن الصورة ووصفى الخيّاط وألفيس برسلى

وصفى الخياط و ألفيس برسلى
وصفى الخياط و ألفيس برسلى


لؤى حمزة عبّاس

يُحس انجذاباً نحو الفوتوغراف منذ طفولته، تشغله الصور بأسئلة وهواجس عن الناس والعالم وعن نفسه أيضاً، سيلتقط صوراً فى مناسبات كثيرة وفى أماكن مختلفة، داخل البصرة وخارجها، وبعد أن يوغل فى العمر ويكبر ستكون له صور ليست بالقليلة داخل العراق وخارجه، يُنجز بعضَها مصورون محترفون يتفنّنون فى اختيار الزوايا المناسبة والمسافات الدقيقة واقتناص درجات الضوء، لتحقيق لقطات بانطباعات فريدة تتأبد على الورق، لكن صورة دفتر الخدمة العسكرية التى حفظتها صفحة اللاصق الشفّاف، تبقى أجمل صوره الفوتوغرافية وأعزّها على قلبه، صورة استديو (أنوار المعقل) بالأبيض والأسود، يبدو فيها شعره وقد طال ونزل، للمرّة الأولى والأخيرة، على جبهته وغطّى أعلى أذنه اليسرى، يسأل نفسه كلّما أعاد تأمل الصورة كيف وصل شعره إلى هذا الطول وهو الذى اعتاد حلاقته الخفيفة وحرص عليها منذ صباه، يُقلقه الشعر الطويل ويُربك ثقته بمظهره واطمئنانه لهندامه، والأمر نفسه مع أظفاره التى اعتاد قصَّها وتنعيمها منذ غادر عادة قضمها مع انقضاء دراسته الابتدائية، شاربه خفيف فى الصورة كأنه خُطَّ سريعاً بالقلم الرصاص، شخطات متتالية تحت أنف كامل الاستقامة، أعلى شفتين مطبقتين كما لو كان يقبض على هواجسه قبل أن تتحوّل إلى كلمات، مرتدياً سترة البدلة البُنيّة، أول بدلة فى حياته، فصّلها وصفى خيّاط سوق جامع الأبلّة الأنيق ذو الشعر اللامع السرح، بياقتها العريضة واسعة الفتحة، موديل السبعينيات الذى شغف به طويلاً، والقميص الشَكَرى، يبدو أبيض فى الصورة، بياقته العريضة هى الأخرى، وربطة العنق الرشيقة ذات الخطوط الأفقيّة المائلة التى اختارها من بين معروضات محال شارع الوطن التى قضى وقتاً ليس بالقصير أمام زجاج واجهاتها، ملمس خام الربطة المقصّب على أطراف أصابعه، يتذكّره ويحنّ إليه.

كان الوقت بعد الظهر بقليل حينما قرّر أبوه أن يفارق عادته فى جلسة شاى ما بعد نومة الظهر ليمضيا معاً إلى سوق الجامع حيث محل وصفى، الخياط طويل السالفين عريضهما مثل سالفى الفيس بريسلى، ملك موسيقى الروك آند رول، كان الفتى يتعمّد المرّور من أمام المحل بدراجته الهوائية أو على قدميه كلما وجد نفسه فى سوق الجامع، لكى يرى صورة الفيس الكبيرة من وراء الزجاج بسالفيه الغريبين وبدلته البيضاء ذات الياقة العالية بنجومها الفضيّة اللامعة يسير جنب والده وقد حمل كيساً ورقيّاً بداخله قطعة القماش البوليستر البُنيّة التى تسلّمها الأب هدية من رئيس المهندسين محمّد راغب، أبى ولاء، مدير قسم خدمات الماء والكهرباء، بعد عودته من دورة تدريبية فى برمنغهام، أحبَّ الأب أن يحتفل بالقطعة الإنكليزية على نحو يليق بها بأن يفصّلها بدلةً من ثلاث قطع لولده. 

فى المحل خلبت رائحة القماش الجديد لبَّ الفتى على الرغم من رائحة دخان السجائر التى ضمّخت الجوَّ، لتسكن الرائحة المركّبة عميقاً فى روحه وفى ذاكرته، يعاوده الآن وهو يستعيد المشهد حنينٌ لأقدم رغباته غير المتحققة فى تعلّم الخياطة، إلى جوار مهن قليلة أخرى يخالطها الفن ويرتقى بها، من أجل أن يُجيد تحويل القماش الغُفل إلى ملابس فاخرة، تسمو بالجسم البشرى الجميل وتمنحه فرصة التحليق فى سماوات الحلم والخيلاء، مثلما خلبت لبّه من قبل صورة الملك الكبيرة المعلّقة على الجدار التى يراها لأول مرّة من داخل المحل، وهى المناسبة التى اكتشف فيها تطابق سالفى وصفى الخيّاط مع سالفى المغنى الأمريكى الذى لم تمرّ سنوات كثيرة على رحيله لم تنحسر فيها أصداء صوته المتنوع الغنى فى نفوس محبيه، من تلك اللحظة استقرَّ فى ذهنه أن الخيّاط يقاوم موت الملك الشاب، كان عمر الفيس بريسلى عند رحيله أثنين وأربعين عاماً، وهو العمر الذى قدّره للخياط، بتمسّكه بسالفيه الطويلين وبصورته التى تملأ الجدار، ومنذ ذلك الوقت بدأ يفكّر فى معنى أن يواجه أحدنا الموت ويواصل مقاومته باستعادة الصور والأصوات حتى يموت وها هو الفتى وقد أخذته السنوات، يستعيد صورته الشخصيّة المؤطّرة التى حفظها دفتر الخدمة العسكريّة، وقد ثُقّبت جهتها اليمنى بالرقم الانكليزى ومسَّ أسفل حاشيتها البيضاء المحزَّزة توقيع المقدّم حسين ياسين العوّاد، ضابط تجنيد المعقل، إنها الصفحة الثالثة من الدفتر وقد طُبع أعلاها بخط نسخ ليّن جميل، تصوير حامل دفتر الخدمة العسكريّة، الصورة التى بادل احدى نسخها مع صورة صديقته البغداديّة التى خبأها فى محفظته على امتداد السنوات الأولى لخدمته، فتاة فى زهرة العمر، بشعر فرنسى قصير، وشفتين مائلتين قليلاً إلى الجهة اليسرى، ميلة أضاءت خيالاته أياماً طويلةً ولياليَ زهرة عمره الفريدة التى سيطول به الوعد حتى يتذوّق عسلها بعد أكثر من عشر سنوات على تبادل الصورتين، بعد أن يشبَّ ويكتوى ويحنَّ طويلاً ويذوب.

لا يتذكّر حديثاً لأبيه عن وصفى الخيّاط بعيداً عن البدلة التى عاش معها أوقاتاً لا توصف، فى البيت، أمام مرآة خزانة الثياب القديمة فى غرفة والديه، وفى الشارع والمدرسة التى جرّب فيها لأول مرّة فى حياته الشعور بأن يكون الوحيد بين أقرانه الذى يلبس بدلةً مفصّلةً بصدريّة لها جيبان عرضيان، لكن أباه بادره ضحى إحدى الجُمع، فى جو أقرب إلى سكون الخريف،  بالحديث عن رقود وصفى منذ ليلتين فى مستشفى الموانئ بعد أن ضربته جلطة قلبيّة، حضرت فى ذهنه على الفور صورة الملك الكبيرة كأن الفيس برسلى وجه آخر لوصفى الخيّاط فى حضوره وغيابه وفى حيويته واعتلال صحته، وتذكّر رائحة السجائر المختلطة بعبق القماش التى لم تغادر ذاكرته منذ دخوله المحل، يوم فصّل البدلة، واستغرب لوالده وقد خصّه بخبر وصفى كأنه يحدّثه عن أحد أصدقائه الفتيان. 

فى المستشفى كانا يسيران فى ممرات طويلة واطئة السقف واهنة الأضواء هواؤها مشبع بروائح المعقمات، لا ينتهى أحدها حتى يبدأ آخر، عبرا بعدها باباً عريضاً من الفورمايكا البيضاء، إلى ردهة الأمراض الصدرية، سمع أباه يردّد رقم الغرفة كما لو كان يذكّر نفسه به، وأمام باب مفتوح وقفا قليلاً، من مكانه رأى وصفى إلى جوار الجدار، ممدّداً على السرير عارى الصدر يغطى أنفه وفمه قناع شفاف بأنبوب بلاستيكى رفيع، أذهلته رؤية رأسه الملقى بصلعة كاملة على وسادة باهتة الزرقة، فى الغرفة وقف الأب إلى جوار السرير، مدَّ يده وأمسك كف وصفى ذات الأصابع الرشيقة، متحدّثاً معه بصوت خفيض، لم يبد على الرجل أنه يعى شيئاً مما حوله، لم يدر رأسه لينظر نحوهما، ولم يحرّك عينيه المحدقتين فى سقف الغرفة، فى تلك اللحظة فكّر بما يبلغه وصفى من العمر، قال فى نفسه لابد أن يكون فى الثانية والأربعين، وتصوره رقماً بعيداً يصعب عليه أن يمدَّ يده ويمسك به بعد أيام على زيارة المستشفى مرّ بدرّاجته الهوائية من أمام محل الخياطة وكان ما يزال مغلقاً، وفى الليل سمع الأولاد فى جلستهم المسائية يذكرون فى خبر عارض لم يشغل أحداً منهم خبر وفاة الخيّاط، تملّكه شعور غريب وأحسَّ على الفور ثقلاً معدنياً فى صدره وتصوّر عينى وصفى تُغلقان على مهل كأنهما تسدلان على حياته الستار، عاد إلى البيت ومن دون أن يحدّث أحداً توجّه إلى سريره وفى ذهنه تتداخل صورتا الفيس برسلى الكبيرة التى تملأ جدار المحل وصورة وصفى مغمض العينين على سرير المستشفى.