طالب الرفاعى
خلال مسيرة البشر، ما كان من وعاءٍ يحفظ حكاياتهم بحوادث بيئاتهم كما السرد، «فالحدث لا يتحول إلى واقعة فى التاريخ إلا عندما يُروى.. فعن طريق السرد تتحول التجربة اليومية إلى كلمات» (1) والسرد إذ يحفظ تلك الحوادث فإنه يمنحها عمرًا أطول بكثير من عمر رواتها ولهذا تبقى حوادث أعمارنا مُبعثرة لحين يلمّها سردٌ مُخلص، فتتشيّأ ولحظتها نتمكّن من النظر إليها. وحينها يصبح لدروب أعمارنا معنى ومن هنا فإن أى طبيب نفسى لا يمكنه معالجة مرضاه إلا عبر السرد والبوح يجلس المريض فاتحًا خزانة أسرار حياته، يُضىء ظلماتها عن طريق الحكى/السرد فيساعده الطب والطبيب على إيجاد تفسيرٍ لما مضى من حوادث عمره، ويعينه على فهم لحظته الراهنة، وبه يسير نحو غدٍ أهدأ وأجمل.
منذ صغرى كنتُ مغرمًا بالحكايات، ولهذا تقرّبت من حضن عمتى الضريرة "أنيسة" يرحمها الله، كما كان والدى، إمام المسجد، يرحمه الله، يحرص على جمعنا: أمى وأنا وأخوتى، نجلس من حوله أيام المناسبات الدينية فينطلق صوته بالحكايا فى تلك اللحظات كنتُ أسافر على بساط حكايات أبى، وحينها ربما لم يكن يدور فى ذهنه أنه يزرع فى عقل ولده الصغير نبتة ولع الحكايات، ولا تصوّرتُ أنا أننى سأصبح حكّاءً عبر السرد، وأننى سأكتب روايات "سير ذاتية" تحفظ تفاصيل حياة: عبدالرزاق البصير، وإسماعيل فهد إسماعيل، وعلى النجدى، وعبدالعزيز حسين، وعوض دوخى، مثلما حفظتُ الكثير من سيرتى الذاتية الحقيقية، بأسماء بشرها وأماكنها الواقعية عبر العديد من رواياتى، ومن خلال كتابة "التخييل الذاتى"، منذ بدأت الكتابة برواية "ظل الشمس"، التى حفظت مسيرتى كمهندس إلى جانب العمال والفنيين فى المواقع الإنشائية، ثم رواية "سمر كلمات"، و"الثوب"، و"فى الهُنا".
باكرًا فى طفولتى تسرّب ولعى بالمطرب عوض دوخى، وكانت أول إشكالاتى معه، بأنى كنتُ أراه إنسانًا كباقى البشر يمرّ من أمام باب بيتنا، لكنه سرعان ما يتحول لصورة تتحرك داخل صندوق التليفزيون بالأسود والأبيض، وهذا ما جعلنى أتساءل: كيف للفن/السحر أن ينتقل بالبشر، بصورهم وهيئاتهم من تربة الواقع إلى سماءات الخيال والصور والغناء!
تجدد عشقى لدوخى فى المرحلة الجامعية، وجلسات سمر أصدقائى الشباب بغناء فن الصوت العذب، وأسال غناء عوض "للنهمة" دموعى حين تغرّبت فى دراستى فى أمريكا وإنجلترا أنا المريض بما يُسمى "مرض الوطن-Home Sick"، وحينها اتخذتُ قرارى بأن أكتب رواية عن عوض الإنسان والمطرب، وأن أنتقل بعوض من سيرة عيشه الواقعية القصيرة إلى سيرة الفن الباقية!
قرابة السنة استغرقنى البحث فى تفاصيل حياة عوض دوخى، الإنسان والفنان، مرورًا بأكثر من مرحلة، وانتهاءً عند تواصلى مع ولده باسم والسؤال عن كل ما كان يبدر عن عوض بين أفراد أسرته وأهله وأصدقائه، وكيف كان يمارس يومه بسروره وغضبه ومرضه.
اللحظة الأصعب والأكثر تشوّيشًا، بالنسبة لى، تأتى دائمًا حين تكتمل مادة الرواية لدىَّ، ويبرز السؤال: كيف سأكتب الرواية؟ ولأننى حين درست علوم الكتابة الإبداعية الحديثة، صار واضحًا بالنسبة لى أن الإنسان يعيش فى كل لحظة بين زمنين، زمنه الآنى/اللحظى وزمن حكاياته التى تسكن رأسه، وأنه طوال يومه يتنقّل، بقصد أو دون قصد، بين عيش أحداث لحظته العابرة وعيش ذكرياته وتخيّلاته بهواجسه!
من واقع عيش الإنسان، فإن زمن القص، الزمن الذى يحتله الراوى، هو دائمًا يستوعب أزمان الحكاية، مهما صغر زمن القص، ومهما اتسعت أزمان الحكاية، لذا سبق فى روايتى "النجدى" أن استوعبتْ اثنى عشرة ساعة، كامل عمر النوخذة على ناصر النجدى بسبعين سنة.
وهذا ما خامرنى قبل بداية كتابتى لرواية "دوخى.. تقاسيم الصَبا" بأن أُحدد زمنًا لحظيًا يستوعب عمر المطرب عوض دوخى، وكان أن اخترت ثلاث ساعات ونصف ليلة وفاته 17 ديسمبر 1979، لتكون الزمن اللحظى الذى سوف يتسع لذكريات عمر عوض بأكمله بسبعٍ وأربعين سنة.
أرى، أن أى رواية إنما تستند فى جذر حكايتها للواقع الذى يعيشه الروائى، وأبدًا تنهض كتابتها على الخيال، مهما كانت صلتها بالواقع، وحتى لو كانت سيرة ذاتية تعتمد مئة بالمائة على الوثيقة الحقيقية! إن الحياة التى نحيا، إنما تتمرجح بين لحظات عمرٍ صعبة نعيشها، وبين لحظات مستهامة نتمنى عبرها لو تحقق لنا شىء من تمنّياتنا ومن خلال الحكايات التى نسارر بها أنفسنا أو نقصّها على الأخر، الصديق والزوجة وطلبة الفصل، ترتسم هذه التمنّيات عبر الكلمات/السرد، لتأخذ هيئتها، ومن تكرار سردها تصبح جزءًا منا، ونصبح نحن جزءًا منها. وهكذا نعيش أعمارنا عبر حوادث الواقع وعبر استيهامات تخيّلاتنا.
"غاية المؤرخ البحث عن الحقيقة فيما حدث، بينما غاية روائى السير الذاتية، إنما تنهض على تأويل ما حدث فى الماضى، من أجل فهم الذات فى الحاضر" (2)، إن وظيفة الروائى الحقيقية إنما تكمن فى تمكّنه من كتابة وقائع حدثت فعلًا، فى وقتٍ سابق، إلى جانب أخرى مُتخيَّلة، ومن ثم ترتيبها فى حبكة تبدو مُنضبطة ومشوّقة وقادرة على إيهام القارئ بأنه يقرأ حوادث حياة حقيقية وفق تسلسلها فى الرواية.
وهذا ما فعلت فى رواية "دوخى.. تقاسيم الصَبا" كتبت بخيال جامح حوادث حياة المطرب والملحّن عوض دوخى، ليس وفق تسلسلها فى الواقع الذى حدثت به ماضيًا، لكن وفق هيئات صوّرتها لى مُخيّلتى، ووفق حبكة روائية أردتُ إيصالها للقارئ كى أقدّم من خلالها سيرة حياة عوض دوخى الفنية.
إن كتابة رواية سير ذاتية، إنما تعتمد على تشرّب الكاتب الروائى بسيرة من يريد الكتابة عنه، وذلك عبر البحث والتقصّى، واختيار حوادث بعينها، صغُرت أو كبُرت، لتكون مداميك يُبنى عليها روايته، بينما يأتى ذلك محمولًا على خياله ووعيه ومفردات لغته وأسلوب كتابته، مع ضرورة التنويه إلى أن ما نكتبه من سير ذاتية لأُناس عاشوا فى الواقع إنما هى أعمال فنيه تقول بالضرورة: إن عيش الإنسان يستند لقوانين الواقع الصلبة، وأن هذا العيش حين ينتقل إلى فن الرواية فإنه إنما يستند إلى أسس الفن الروائى التى لا يحدّها حدٌ، ولا يقف بوجه رغباتها قانون اجتماعى أو رادع، ومن هنا يأتى تعلق القراء بالروايات، فهى تصوّر لهم البشر عبر السرد، بهيئات أبطالٍ يعشقونهم، ويتناقلون حكاياهم جيلا بعد جيل.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







