مشروع القرن

إحدى التماثيل الموجودة بالمتحف المصرى الكبير
إحدى التماثيل الموجودة بالمتحف المصرى الكبير


عمرو عصام :خبير عمرانى وباحث بجامعة هيوستن الأمريكية


يعد المتحف المصرى الكبير الوعاء الأضخم للإنجاز الحضارى الأعظم فى التاريخ المصرى (الحضارة المصرية القديمة) فى تلك البقعة على أطراف المدينة يقف هذا الصرح الضخم كشاهد على ماضِ ولىَ - طرحت فيه المشروعات الكبرى والمبانى العامة ضمن مسابقات عالمية لانتقاء الأفضل بغض النظر عن أفضلية المشروع الإيطالى على المشروع الأيرلندي، وبغض النظر عن العقبات والإشكاليات التى واجهت الأخير وقوضت من فرص تنفيذ التصميم الأصلي على أى حال، نحن على موعد للاحتفال بأحد أهم المشروعات الثقافية فى القرن الحادى والعشرين بلا أدنى مبالغة  سواء من حيث الأهمية المعمارية للمتحف كمبنى أو للمجموعات الأثرية المعروضة، ولكن ماذا عن المدينة والسياق والمجتمع؟

سياق حضري

تاريخياً تطورت المتاحف من الناحية المعمارية والتصميمية شأنها فى ذلك شأن جميع المبانى والمنشآت العامة الأطوار الأولى للمتاحف لم تتجاوز كونها قاعات عرض (ڤاترينات) لمجموعة من القطع الأثرية المختلفة دون وجود أدنى علاقة أو روابط بينهما. بمرور الوقت أخذت سيناريوهات العرض المتحفى أشكالاً وأساليباً مختلفة وتغيرت تماماً الوظيفة التقليدية للمتاحف من مجرد قاعات وصالات عرض كبرى للآثار والفنون إلى مؤسسات ثقافية متكاملة هدفها الرئيسى نشر الثقافة وتنمية المجتمع.

هذا الدور بالتأكيد مؤهل له المتحف الجديد بدرجة كبيرة، فالمتحف فى موقعه الحالى بمنطقة الرماية بمدينة الجيزة يقع ضمن سياق شبه حضرى بين ثلاثة محاور حركة إقليمية (الطريق الدائرى – طريق الفيوم – طريق الإسكندرية الصحراوي) وعلى الرغم من الدور الهام الذى تلعبه تلك المحاور فى سهولة الوصول للمتحف بوسائل التنقل الخاصة وتعزيز اتصاليته بمحافظات ومدن الدلتا والصعيد، إلا أننى أتمنى النظر فى المستقبل لشبكة الطرق السريعة الموجودة فى المنطقة، والتى تحتاج لإعادة نظر كونها تشكل حداً بين المتحف والمجتمع - لاحظ مثلاً العلاقة السلسة بين المتحف المصرى القديم بميدان التحرير وبين النسيج العمرانى الحيوى لمنطقة وسط القاهرة من حيث سهولة تنقل ووصول الناس - سواء سيراً على الأقدام عبر شبكة الشوارع المحيطة أو بواسطة وسائل النقل العام والجماعى المتوافرة بكثافة فى محيط ميدان التحرير. السياق إذن له دور محورى مثله مثل المبنى ومحتوياته، والهدف ليس المفاضلة بين المتحف القديم والجديد. 

تجاوز المركزية

للمتحف - أى متحف متطلبات من الناحية العمرانية أهمها حيوية وتماسك النسيج الحضرى المحيط - لذا اقترنت المتاحف بالمدن وباتت على مدار عقود طويلة جزءاً أصيلاً من التجربة الحضرية للمدينة. هضبة الأهرام وكفر غطاطى بالإضافة إلى حى حدائق الأهرام وبعض المجمعات السكنية والفندقية المغلقة هما النسيج العمرانى القائم والمحيط بالمتحف الجديد وهو نسيج يحتاج فى المستقبل مقومات أساسية تمكنه من خلق علاقة جيدة بين المتحف والمجتمع.

 للموقع الحالى منطقه وأسبابه الوجيهة أيضاً - أهمها مواجهة هضبة الأهرام وسهولة الاتصال بشبكة الطرق والمواصلات، كما أن توفير مواقع بهذا الحجم داخل المدن القديمة من المستحيل فى حالة القاهرة كمدينة السياحة - كصناعة لها متطلبات هى الأخرى، فى السياق المصرى تأخذ السياحة أشكالاً مختلفة وفقاً للسياق المكانى والجغرافي. فى القاهرة يأتى التحكم والحماية وسهولة الوصول عبر وسائل النقل الخاصة مع ساحات الانتظار المجهزة فى مقدمة أولويات ومحددات تلك الصناعة.

الموقع الحالى يحقق تلك المتطلبات وأكثر بدرجة كبيرة حيث سهولة تنقل الأفواج بين الفنادق والمزارات دون التعرض بدرجة كبيرة لتجربة وقسوة المدينة - الأمر يشبه المجمعات الاستهلاكية وأماكن التسوق الضخمة على أطراف المدن التى يذهب لها الناس للتسوق والترفيه هروباً وبديلاً عن الشارع التجارى التقليدى الذى لم تنجح منظومة الإدارة المحلية فى ضبطه والتعامل معه على مدار عقود طويلة - الهروب من المركز إلى الأطراف أحد الملامح الرئيسية فى التجربة العمرانية المصرية فى العقود الخمسة الماضية. المساحة الضخمة للمتحف والهدف من تأسيسه فرضت نفسها هى الأخرى على متاحفنا الإقليمية، والتى خضعت مقتنياتها ومجموعاتها الأثرية المحدودة للمفاضلة بين البقاء أو الانتقال للفوز فى مارثون تمثيل الأقاليم فى العُرس الكبير.

المتحف الآن هو المحطة الأخيرة والأبدية لمجموعات أثرية من عدة متاحف مصرية – يمكنه أن يكون نواة لعملية تنمية ثقافية وتراثية متكاملة داخل كل مدينة – إذا ما توافرت القدرة والإدارة وتجاوزنا مركزية المدن الكبرى. 

استدامة المشروع

المشروعات الاستثنائية دائماً تتطلب نظم إدارة استثنائية هى الأخرى، والمتحف الكبير أحد أهم المشروعات الكبرى والاستثنائية فى تاريخ مصر المعاصر، ولا شك ان استدامة المشروع وحماية أهم متحف للآثار المصرية فى العالم هدف لنا جميعاً.

كما أتمنى أيضاً إصلاح المنظومة الحالية لإدارة وتمويل المتاحف المصرية وهو بالمناسبة ليس بالأمر الهين، والاختيار الأسهل دوماً فى تشكيل منظومة إدارة وتمويل مستقلة لتلافى المعوقات والعقبات الإدارية والهيكلية القائمة.

بحكم القانون - المتحف الكبير الآن هيئة اقتصادية مستقلة، ومن المتوقع أن تصل إيراداته السنوية لأرقام كبيرة للغاية، والتى بلا شك سوف يكون لها دوراً رئيسياً فى استدامة المشروع عبر تمويل تكاليف التشغيل بصورة فعالة، ولكن أرجو أن يتم النظر أيضا للمتحف المصرى القديم والمتاحف الأخرى بالأقاليم.

المتحف الجديد هو مشروع القرن فى مصر بلا أدنى مبالغة، وهذه الأهمية ترجع بالأساس إلى مقتنياته ومحتواه بعيداً عن موقعه أو مبناه. مقتنيات المتحف هى حصيلة متاحف مصر أجمع ومن الضرورى التفكير بجدية فى مشاركة عوائد المتحف وأرباحه مع المتاحف الأخرى بهدف تنمية المدن الإقليمية بالارتكاز إلى متاحفها وتراثها كنواة لتنمية اقتصادية واجتماعية متكاملة. المتاحف كانت ولا تزال جزءاً من المدينة وبدون التفكير فى العلاقة المتبادلة بين المتحف والمجتمع لن تتحقق عملية التنمية الثقافية والاقتصادية المتكاملة ولن يجنى المجتمع الثمر.

بالارتكاز إلى العوائد والإيرادات الضخمة المتوقعة، أتمنى أن يندمج المتحف الكبير ضمن شبكة المتاحف الإقليمية المصرية من خلال قيادة مشروع رائد للتنمية المتكاملة داخل المدن المصرية بالاستناد إلى التراث كركيزة أساسية للتنمية، كما أتمنى فى القريب العاجل أن أرى المتحف الجديد جزءاً من نسيج حضرى حيوى ومتنوع، وبالأخص أن محطة المترو المقترحة ضمن الخط الرابع لمشروع مترو أنفاق القاهرة الكبرى سوف تحقق اتصالية جيدة للمتحف بشبكة التنقل والمواصلات وتعزز من وصول الجميع بسهولة وبدون تكاليف مبالغ فيها، مثلما أتمنى أن أشاهد تجربة سياحية مختلفة فى بلادنا حيث يتجول الجميع بحرية وهو أمر لن يتحقق إلا من خلال دمج المجتمع ضمن عملية التنمية السياحية ومشاركة العوائد والفوائد معه بحيث يتحول الجميع لأصحاب مصلحة حقيقيين وفاعلين.