حين تتحول الأسطورة إلى ذاكرة حية

إحدى التماثيل الموجودة بالمتحف المصرى الكبير
إحدى التماثيل الموجودة بالمتحف المصرى الكبير


د. عمرو عبد العزيز منير  : أستاذ التاريخ والتراث بجامعة قناة السويس 

 يشكّل افتتاح المتحف المصري الكبير نقطة تحوّل في الوعي الثقافي المصري، لا بوصفه إنجازًا هندسيًا أو متحفيًا فحسب، بل باعتباره بيانًا حضاريًا يعلن ولادة علاقة جديدة بين مصر وماضيها لم تعد الآثار تُعرَض بوصفها بقايا زمنٍ مضى، بل باعتبارها لغة حية تتكلم بلسان الحاضر، وتدعو إلى قراءة التاريخ كطاقةٍ للمستقبل. المتحف بهذا المعنى ليس بناءً من حجر، بل مشروع فكرٍ ورؤيةٍ يسعيان إلى أن يجعلا من الذاكرة الوطنية مختبرًا للمعرفة، ومن التراث أداة لتجديد الهوية المصرية في عالمٍ متغيّر وفي زمنٍ تتنازع فيه الأمم على الرموز والمعاني، ينهض المتحف ليقول بوضوح إن ذاكرة مصر ليست ملكًا للماضي بل زادًا للمستقبل، وإنّ الأثر المصري ليس حجرًا في متحف بل نصًّا مفتوحًا للإنسانية جمعاء؛ هنا يلتقي التاريخ بالأسطورة، والعلم بالخيال، والدين بالفن، في تآلفٍ يجعل من مصر ساحةً دائمة للحوار بين العصور والثقافات.


منذ أقدم العصور كان سؤال الأثر في مصر أعمق من المادة التي تشكّله: كيف نتعامل مع ذاكرةٍ تمتد إلى فجر الإنسانية؟ هل نُقصيها بدعوى الوثنية أم نقرأها باعتبارها لغةً كونية للتعلّم والتأمل؟ المتحف المصري الكبير يقدّم إجابته العملية حين يختار طريق الانفتاح ويعيد ترتيب الذاكرة في قاعات مشرعة للإنسانية، فيحوّل الماضي إلى خطاب ثقافي يرى في الأثر منجم معرفة لا خصمًا للإيمان. ومصر لا تُقاس بطول تاريخها، بل بقدرتها الفريدة على تحويل الوافد إلى جزءٍ من نسيجها: تمصّر البطالمة، واستوعبت الرومان، واستردّت بالعربية روحها مع الإسلام؛ لم تبنِ مجدها على الغلبة، بل على الاستيعاب. ولذا لا يبدو المتحف معبدًا للآثار، بل مرآةً لهذه القدرة التاريخية على الامتصاص وإعادة الصياغة.

لقد حمى الوجدان الشعبي آثار مصر بأسطورته الخاصة؛ فحكايات الرصد والطلسم ولعنة الفراعنة كانت أخلاقياتٍ رمزية للردع: لا تعبث بميراث الأجداد، ولا تمسّ حرمة المدفونين وعندما تعطّل مفتاح اللغة القديمة فُسّرت الأهرام بالروح: إدريس يحفظ العلوم قبل الطوفان، ويوسف يدير الغلال في زمن القحط، وأبو الهول طلسم يحرس النيل من زحف الرمال. ثم جاء العلم ليؤكد أن الأسطورة ليست نقيضًا للحقيقة، بل قنطرة تمهّد لها: الأسطورة تحرس، والعقل يفسّر، والدين يمنح الذاكرة معناها الأخلاقي. وهكذا يغدو المتحف تجسيدًا حديثًا لوحدة الوجدان والعلم والإيمان.

وما تزال الذاكرة الشعبية المصرية تحمل تصوّرًا خاصًا لقدرة الآثار على الشفاء وجلب البركة؛ فالناس حتى اليوم يلمسون حجارة المعابد القديمة وهمسهم بالدعاء لا يختلف كثيرًا عن طقوس الأجداد في معابدهم في الوعي الشعبي، هناك طاقةٌ رمزية تنبعث من المكان، ويُعتقد أنّ النقوش القديمة تشفي من العقم أو تردّ السحر أو تفتح أبواب الرزق هذه المعتقدات، وإن بدت أسطورية، تعبّر عن إيمانٍ شعبيٍّ عميق بأن الأثر ليس جمادًا بل حاملٌ للبركة، وأنّ الحجارة لا تنفصل عن الأرواح التي شيّدتها. والمتحف المصري الكبير يمكن أن يحتضن هذا البعد الروحي بطريقةٍ علمية، عبر معارض وأنشطة تربط بين طقوس الماضي وعلم النفس الحديث، لتقدّم للزائر تجربةً شاملة تدمج بين الوعي الحسي والوجداني، وتجعل من التراث الشعبي موردًا للتنمية الثقافية والسياحية معًا فبدل أن يُهمَّش هذا الإيمان الشعبي، يمكن تحويله إلى جسرٍ للتعليم والسياحة العلاجية والثقافة الروحية، في إطار يحترم العلم ويحتفي بالخيال معًا.



ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، شرعت مصر في إعادة بناء ذاكرتها المادية والمعنوية عبر مشروع المتحف المصري الكبير، ليكون الجسر بين الماضي والمستقبل.

وبعد أكثر من عقدين من العمل، يقف المتحف اليوم على أعتاب افتتاحه، كأكبر متحف أثري مغطى في العالم ومركزٍ للبحث والحفظ والتعليم نُقل إليه أكثر من مئة ألف قطعة أثرية، ورُمِّم معظمها داخل معامل حديثة، من بينها مشروع مركب خوفو الثانية ومجموعة توت عنخ آمون الكاملة التي تُعرض لأول مرة في مكان واحد. وعلى الدرج العظيم تتجاور القطع الضخمة كشاهدٍ على عبقرية النحت والهندسة المصرية، في رحلةٍ تصعد بالزائر من عمق التاريخ إلى أفق المعرفة.

ومع أنّ متاحف كبرى كالبريطاني واللوفر وبرلين تضم مجموعاتٍ مصرية ضخمة، فإن المتحف المصري الكبير يمتاز بفضيلةٍ لا تُقلَّد: الأثر في موطنه الأصلي. فهناك تُعرض القطع المصرية بوصفها جزءًا من ذاكرةٍ استعمارية جمعت العالم لتؤكد مركزية الغرب، أما هنا فتعود الذاكرة إلى بيتها الأول، تُروى بلغتها الأصلية لا بترجمةٍ بعيدة. ليست القضية في الحجم أو الثراء، بل في الفلسفة: فالمتحف المصري الكبير لا يعرض الغنيمة بل يصون العهد، ويقدّم الذاكرة فعلَ شفاءٍ تاريخيٍّ يعيد التوازن إلى ضمير العالم بعد قرونٍ من النهب والنسيان.

إنتاج المعرفة 

غير أنّ المتاحف العظيمة لا تُقاس بجمال عروضها فحسب، بل بقدرتها على التحوّل إلى مؤسساتٍ منتجة للمعرفة. وهنا يطلّ المتحف المصري الكبير باعتباره بيت خبرة وطنيًا ودوليًا، يجمع علوم الآثار واللغات القديمة والتاريخ والاقتصاد والثقافة، ويضيف إليها علوم التصميم، والتوثيق الرقمي، والإدارة المتحفية. ليست المسألة في اتساع القاعات، بل في توسيع الوظائف: من عرض الأثر إلى صناعة المعنى، ومن حفظ القطعة إلى ابتكار منظوماتٍ للبحث والتعليم والصناعات الإبداعية. لذلك، فإنّ تأسيس مجلسٍ علميٍّ متعدّد التخصّصات داخل المتحف، يضمّ علماء آثار ومؤرخين ومهندسين ومبدعين بصريين وفولكلوريين، سيحوّله إلى عقلٍ جمعيٍّ يجمع بين المعرفة التقنية والخيال الشعبي، ويعيد صياغة العلاقة بين العلم والذاكرة، فيصوغ من الجيزة سياساتٍ ثقافية ومعيارية تُقدَّم إلى العالم كنموذجٍ مصريٍّ متوازنٍ بين الحداثة والجذور.

على خط موازٍ، لا بد من استخدام التكنولوجيا الحديثة بحكمة. فالمتحف يستطيع أن يطوّر أدوات رقمية بسيطة للزائر العادي، وأن يتيح جولاتٍ افتراضية ثلاثية الأبعاد للمدارس، لكن دون أن يقع في فخ التقنية الباردة التي تُبهِر ولا تُعلّم. فالتكنولوجيا هنا وسيلة لإعادة الوعي، لا غاية للعرض. يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في مشروعات محددة: قراءة النقوش، ترميم الألوان، أو ربط القطع عبر قاعدة بيانات ذكية؛ لكن الجوهر الحقيقي للمتحف يظل في اللمسة الإنسانية التي تجعل الأثر يتنفس ويُحدّث الزائر بلغته الخاصة.

ومن أجل جعل هذا التحوّل ملموسًا، يحتاج المتحف إلى مخططٍ صناعي – ثقافي متكامل يجاور قاعاته: مدينة إبداعية صغيرة تتخصص في الصناعات المتحفية وفق معايير الجودة الدولية. هذه المدينة يمكنها أن تنتج نسخًا دقيقة من القطع، وألعابًا تعليمية، وأدوات حرفية مستلهمة من تقنيات المصريين القدماء ولكن بموادّ معاصرة آمنة. هنا يُخلق اقتصاد ثقافي حقيقي: بحثٌ، ثم تصميم، ثم منتج، ثم سوق. ويجب أن تحمل كل قطعة ختمًا رسميًا «Licensed by the Grand Egyptian Museum»  يضمن أصلها ومواصفاتها. وبذلك تصبح المنتجات الثقافية المصرية بديلًا راقيًا عن السلع المقلّدة، وتستعيد مصر ريادتها في تصدير المعنى بدلًا من استيراد الشكل. ليست الغاية منافسة المصانع الأجنبية في الكلفة، بل في القيمة التعليمية والجمالية، وفي إحياء الصناعة الوطنية القائمة على المعرفة والإبداع.

ولأن الخيال هو الشريك السري للتاريخ، فإن المتحف مدعوّ إلى احتضان «حكاياته» الجديدة. فالمتاحف العظيمة تكسب خلودها حين تتحول إلى فضاءٍ روائيٍّ وسينمائيٍّ يُلهم الكتّاب والمبدعين يمكن للمتحف المصري الكبير أن يطلق جائزةً سنوية للقصة والرواية والسيناريو بعنوان «حكايات المتحف»، تُشجع الأدب والدراما المستوحاة من الحضارة المصرية لا بوصفها ماضياً غابرًا، بل كعالمٍ من الرموز القابلة للتأويل والإبداع. كما يمكنه احتضان مختبرٍ للسرد البصري يتيح للشباب تحويل الأساطير المصرية إلى قصص أنيمي وكوميكس وأفلام قصيرة، لتتحول رموز مثل إيزيس وأوزوريس وحتحور، وتحوت إلى أيقونات عالمية في الثقافة البصرية الحديثة.

بذلك لا يبقى المتحف بيتًا للحجر فقط، بل بيتًا للحكاية، حيث تتجاور الدراسة الأكاديمية مع الفنّ الشعبي، ويجد الجيل الجديد في التاريخ مادةً للخيال لا عبئًا من الماضي. 

إدارة الذاكرة 

ولكي يستمرّ هذا الزخم، لا بد من ذراعٍ تعليمية متخصصة تمنح الكيان نفسًا طويلًا. إن إنشاء «كلية المتحف المصري الكبير لعلوم المتاحف والصناعات الثقافية» سيشكّل بنيةً معرفيةً جديدة تجمع بين الآثار وإدارة المتاحف والترميم وعلوم البيانات والتصميم وريادة الأعمال الثقافية تتحول الكلية إلى معبرٍ مؤسسي يخرّج أجيالًا قادرة على إدارة الذاكرة بأسلوبٍ حديث، وتمنح التعليم المصري أول نموذجٍ أكاديمي يدمج بين التراث والاقتصاد الإبداعي.

وفي بيئةٍ كهذه، تصبح الورش والتدريب جزءًا من نبض المتحف اليومي: ورش للأطفال في النحت والرسم والخط، وورش للشباب في تصميم الألعاب التعليمية، ودورات للمعلمين في توظيف موادّ المتحف داخل المناهج، إلى جانب معسكراتٍ صيفية للطلاب العرب والأفارقة تُعنى بتاريخ التقنيات والحِرَف المصرية القديمة وكيفية ترجمتها إلى حلولٍ بيئية ومعمارية معاصرة. كل ذلك يجعل المتحف مدرسة حياة، يتعلم فيها الزائر الفضول المنظّم لا الانبهار الفارغ، ويتعلّم أن الماضي ليس عبئًا، بل مدرسةً للتفكير المستقبلي.

إنّ تسويق هذه المنظومة لا يقلّ أهمية عن إنشائها. فالمتحف يستطيع صياغة هوية بصرية موحّدة لمنتجاته وبرامجه، وأن يخلق شبكة تواصلٍ ذكية تتحدث بلغةٍ قريبة من الناس، بعيدًا عن الخطاب الرسمي الجاف. كما يجب أن تُصان حقوق الملكية الفكرية لكل منتجٍ أو تصميم أو قصة تُولَد داخل المؤسسة، لتتحول الصناعة الثقافية إلى مجالٍ مستدام يعود نفعه على التعليم والبحث والابتكار.

أما على مستوى البحث والتوثيق، فالمتحف المصري الكبير قادر على أن يكون مجمعًا رقميًا مفتوحًا يُتيح للباحثين حول العالم الوصول إلى بياناتٍ وصورٍ ثلاثية الأبعاد ومراحل الترميم والعرض. هذا الانفتاح العلمي يصنع ثقة دولية ويجعل من مصر مركزًا مرجعيًا في إفريقيا والشرق الأوسط. ويمكن أن تصدر عن المتحف سلسلة كتبٍ ومجلات علمية ومصوّرات للأطفال، لتكتمل حلقته بين العرض والتعليم والنشر.

ولا تكتمل الرؤية من دون سياسةٍ ثقافية تؤمن بأن المتحف ليس ملكًا للنخبة، بل فضاء عامٌّ تربوي. لذلك ينبغي دمجه في النظام التعليمي رسميًا، عبر زياراتٍ مبرمجة للمدارس، ودروسٍ رقمية تبثّ من قاعاته إلى الفصول، ومسابقاتٍ لطلاب الجامعات حول توظيف التراث في التصميم والإعلام والبرمجة بهذا تصبح القاعة المتحفية فصلًا دراسيًا ممتدًا، ويصبح الطفل شريكًا في صناعة المعنى لا متفرجًا عليه.

وعلى هذه الأرض التي مرّ بها إبراهيم، ونشأ فيها موسى، ولجأت إليها العائلة المقدسة، واستقر فيها الإسلام وبنى الأزهر، واهتدى فيها الإنسان إلى فكرة الرهبنة التي أهدتها مصر إلى العالم، يصبح المتحف أكثر من معبدٍ لحضارة مصر القديمة؛ إنه متحف الإنسان المصري عبر عصور الأديان والمعنى ففي قاعاته تتجاور رموز الإيمان والعلم، والتماثيل التي صُنعت للعبادة صارت اليوم شواهد على رحلة الإنسان في سعيه للمعرفة والجمال هنا يلتقي المؤمن والملحد، والشرقي والغربي، أمام حقيقةٍ واحدة: أن الإنسان في كل زمانٍ كان يبحث عن الخلود والمعنى.

بهذا المعنى، يصبح المتحف مدرسةً للتسامح، حيث تتبدّد السجالات العقيمة بين الوثن والوثيقة، ويُرى الحجر بوصفه وثيقة إذا قرأناه بالعقل، وآية إذا قرأناه بالقلب، وجسرًا إلى المستقبل إذا وضعناه في سياقه الصحيح.

وحين تُضاء قاعات المتحف في نوفمبر، سيشعر الداخلون أنهم لا يدخلون صرحًا أثريًا بل بيتًا للدهشة وللعلم معًا. سيكون المتحف المصري الكبير نموذجًا جديدًا لمفهوم الذاكرة المنتجة، ذاكرة تصنع الأخلاق والجمال والعلم، لا مجرد ماضٍ محفوظ في واجهات العرض. وربما سيأتي يوم تُدرّس فيه الجامعات الكبرى تجربة المتحف المصري الكبير بوصفها نموذجًا لإدارة الذاكرة في القرن الحادي والعشرين، حيث تتجاور الأسطورة مع التقنية، ويصبح التراث قاعدةً لصناعة المستقبل.

تلك هي مصر التي نريد أن نخاطب بها العالم: مصر التي لا تخاف من ماضيها بل تحمله على كتفها نحو الغد، مصر التي تعلّم الناس أن السلام ليس هدنة بين حربين، بل طريقة نظر، ومصر التي تقول للعالم بلسان المتحف المصري الكبير: تعالوا نرى، ثم نتعلّم، ثم نعيش معًا.