فرص وأفاق

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


د. ‏نزار الصياد :أستاذ التخطيط العمرانى وتاريخ المدن بجامعة كاليفورنيا بركلى

لاشك أن المتحف المصرى الكبير، الذى يقع على مقربة من أهرامات الجيزة، سيعتبر واحدًا من أهم المشاريع الثقافية فى العالم فى القرن الحادى والعشرين. ‏وفقًا لموقع المتحف على الإنترنت، ‏فالغرض منه ليس فقط عرض كنوز الحضارة المصرية القديمة، بل يسعى ليكون مركزًا عالميًا للبحث والتعليم والتبادل الثقافي. وفى ذات الوقت ‏يجب أن يكون المتحف مكانًا حيويًا يخدم المجتمع المحلى ويشرك أفراده فى حوار مستمر مع تراثهم ولكى يؤدى المتحف هذا الدور المزدوج - محليًا وعالميًا - فإنه بحاجة إلى تبنى ‏استراتيجية ووسائل مبتكرة تواكب روح العصر، وتستلهم من التجارب العالمية الناجحة وقد تشمل هذه الاستراتيجية: تفعيل الدور المحلى للمتحف من خلال إشراك المجتمع، ‏استغلال المتحف من خلال الانفتاح على العالم بوسائل رقمية وثقافية، استخدام المتحف كمنصة للبحث والابتكار، توظيف المتحف للترويج الثقافى والدبلوماسية الناعمة، ‏والتركيز على الصيانة الدائمة للمتحف لضمان استدامته.
 

منصة للبحث والابتكار

أولاً، يستطيع المتحف أن يلعب دورًا محوريًا فى التعليم ‏النظامى فى المرحلة الابتدائية والإعدادية ‏من خلال تنسيق زيارات للفصول الدراسية المختلفة أثناء دراسة التاريخ. كما يستطيع المتحف أن يلعب نفس الدور فى التعليم غير النظامى من خلال تطوير برامج تعليمية تشاركية تستهدف المدارس ‏الثانوية والجامعات والمجتمع المحلى وقد تتضمن هذه البرامج ورش عمل تفاعلية للأطفال، ومحاضرات مبسطة للبالغين، ومسابقات فنية وتاريخية تعزز من فهم التراث وتذوقه.

ومن المفيد هنا أن يستفيد المشرفين على المتحف من تجربة متحف اللوفر فى باريس الذى يقدم برامج تعليمية مخصصة للأطفال والأسر بطرق تفاعلية تعتمد على القصص واللعب.

ولا ينبغى أن يكون المتحف مجرد صالة عرض للقطع الأثرية، بل يمكن أن يكون مركزًا حيًا للأنشطة الثقافية والاجتماعية يمكن تنظيم أمسيات موسيقية فى باحاته المفتوحة، أو معارض لفنانين محليين مستلهمين من التراث المصري، أو عروض مسرحية تعليمية تستلهم من الأساطير المصرية القديمة.

هذه الفعاليات تخلق علاقة وجدانية بين الناس والمكان وتكسر الحاجز النفسى بين العامة والمتحف. وبهذا يتحول المتحف إلى منصة لتعزيز شعور الانتماء لدى المجتمع ولدعم التعليم والاقتصاد المحلي.

ثانيًا، يمكن استغلال المتحف من خلال الانفتاح على العالم بالوسائل الرقمية وتجربة الواقع الافتراضى لإتاحة الوصول للمتحف عن بُعد وهى من ‏الوسائل التى أصبحت فعالة لتوسيع دور المتاحف عالميًا.

فيمكن مثلاً تقديم جولات افتراضية ثلاثية الأبعاد للزوار من حول العالم، وتوفير محتوى تفاعلى يشرح القطع الأثرية بلغات متعددة. فهنا قد تكون تجربة متحف التاريخ الطبيعى فى لندن مثالا ملهما، حيث يوفر تجارب واقع افتراضى تسمح للزائر «بالسفر عبر الزمن» ورؤية الديناصورات بحجمها الحقيقي.

وبإمكان المتحف أن يوقع شراكات مع متاحف عالمية مثل المتروبوليتان فى نيويورك، أو متحف برلين المصري، لتنظيم معارض مشتركة، أو تبادل مقتنيات مؤقتة، أو تنفيذ برامج بحثية وتعليمية مشتركة. هذا النوع من التعاون يرسّخ مكانة المتحف كمؤسسة دولية فاعلة فى المشهد الثقافى العالمي. ‏وهو ما كان يحدث للمتحف الحالي، ولكن بصفة غير دورية. وأتمنى أن يوفر المتحف الشرح والبرامج بلغات متعددة، و ليس فقط العربية والإنجليزية والفرنسية، فالانفتاح اللغوى لا يسهل فقط استقبال الزوار الأجانب، بل يمنح الحضارة المصرية القديمة صوتًا فى النقاشات العالمية حول التراث والهوية.

ثالثاً، يجب استخدام المتحف كمنصة للبحث والابتكار والعرض فالمتحف، بما يملكه من مقتنيات ليس لها مثيل فى أى متحف آخر فى العالم، يستطيع أن يكون مركزًا عالميًا للأبحاث فى علم الآثار، وحفظ التراث، والأنثروبولوجيا.

يمكنه أن يستضيف مؤتمرات دولية، ويوفر زمالات بحثية للعلماء من مختلف أنحاء العالم، كما فعل متحف جيتى فى لوس أنجلوس الذى أصبح مرجعًا علميًا عالميًا فى مجال ترميم اللوحات والفنون القديمة. ‏ومن المهم هنا أن يخصص بعض دخل المتحف لهذه المجالات البحثية ولا ينظر لها على أنها دخيلة على مهمته فى إظهار الآثار فقط.

وإضافة إلى العرض الكلاسيكى الثابت، يمكن تطوير عروض ديناميكية تستخدم الإضاءة والصوت والتفاعل الإلكترونى لخلق تجربة حسية متعددة الأبعاد.

مثلما فعل متحف اللوفر أبو ظبي الذى دمج بين التكنولوجيا الحديثة والسرد القصصى لعرض القطع فى سياق شمولى يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، ‏أو حتى متحف قناة السويس فى الإسماعيلية الذى قام بإخراج مسرحيتان باستخدام الهولوجرام ‏لعرض أحداث تاريخية معينة وربطها بأشخاص وأماكن معنية. وأعتقد أن مثل هذه التجارب مخطط لها فى المتحف.

ترويج ثقافي

رابعاً، يجب توظيف المتحف للترويج الثقافى خارج مصر، فيمكن للمتحف أن يكون أداة فعالة للدبلوماسية الناعمة من خلال تنظيم معارض متنقلة حول العالم تُبرز جوانب متميزة من الحضارة المصرية. كما يمكن أن يساهم فى تقديم صورة عصرية لمصر كدولة تسعى للحوار والتبادل الثقافى مع العالم.

و من الضرورى أن يمتلك المتحف حضورًا قويًا على وسائل التواصل الاجتماعي، باستخدام منصات مثل إنستغرام وتيك توك لنشر محتوى بصرى جذاب ومبسط، يلائم الأجيال الشابة هذا يساعد فى خلق علاقة مستدامة مع جمهور عالمى واسع، يتجاوز حدود الزمان والمكان.

واخيراً آمل أن ‏تتجنب الإدارة الجديدة للمتحف السقوط فى الإجراءات البيروقراطية المصرية المعتادة ‏ولا تولى الاهتمام اللازم والواجب تجاه صيانة جميع مرافق المتحف ‏وهو أمر فى غاية الأهمية لمستقبل هذا الصرح العظيم.

كما يجب أيضا ألا تتجه إلى التوسع المفاجئ أو غير المدروس لبعض أقسام المتحف وبالتالى زيادة عدد العاملين عما هو مطلوب ‏أو تعيين الأقارب.

إن المتحف المصرى الكبير ليس مجرد مشروع ثقافى ضخم، بل هو فرصة تاريخية لتجديد علاقة مصر بتراثها وبالعالم. لذلك أتمنى أن تتبنى إدارة المتحف الجديدة رؤية شاملة، جريئة ومبتكرة، تجعل من المتحف منصة نابضة بالحياة، تتحدث بلغة الماضى والمستقبل معًا.