تقشير بيضة الذات من دون مراوغة

الكاتب والأديب والصحفي رؤوف مسعد
الكاتب والأديب والصحفي رؤوف مسعد


خليل صويلح

أن تقرأ نصوص رءوف مسعد، أنت على موعد مع وليمة دسمة من الاعترافات وتعرية الذات والايروتيكية الخشنة، وقراءة عميقة فى مكابدات الجسد وسلطة الحواس ذاكرة متدفقة بلا ضفاف عن هشاشة الكائن وشجاعته فى هتك أسرار الصندوق الأسود واقتحام حقول الألغام الأكثر مناعةً.

هكذا اخترع نصّاً هجيناً ومراوغاً وصادماً، وضعه فى منطقة الشّك لا قفص اليقين سيطارده طيف سعاد حسنى فى «إيثاكا»، كما لن يكتفى بالجزء العائم من الجليد فى نصوصه الأخرى، إنما يحفر عميقاً فى اضطرابات الجسد وأسباب الغواية وتقشير خلايا ما تحت الجلد، فى نبذ صريح للأعراف والمحرّمات.

يقول ملخّصاً تجربته فى الكتابة «مش عاوز أمشى عالسطر»، وهو بهذا المعنى يشير إلى أن الكتابة لحظة حرية مطلقة بلا قيود أو البوح بحالته القصوى من دون اكتراث بالقواعد وهندسة السرد، وإذا باللغة تعمل فى منطقة الافتراس من دون حياء، وتبعاً لمتطلبات دهاليز الذات فى الخروج من نفق العيب.

فى مذكراته «لمّا البحر ينعس» يعيد رءوف مسعد بعض شخصيات روايته إلى شجرة نسبها الأصلية، من دون زخرفة أو تزويق، متوغلّاً فى تفاصيلها الحياتية التى ألهمته سردياً، ما يمنح المتلقى جرعة كثيفة عن كيفية استثمار الواقع فى عمل المخيّلة لا مناطق معتمةً فى سرديات رءوف مسعد، إذ «تنجلى غمامة البصيرة تدريجاً، وأرى ما كنت لا أراه سابقاً، وهو موجود بمتناول اليد، لكنى إما أحجمت عن رؤيته أو رفضت رؤيته بقصد ورعونة».

ههنا تتناوب الوقائع الخشنة مع الرقة، سير النساء المهجورات ومن يمنحن الطمأنينة والألفة، التجوال فى أماكن المتعة، وقسوة أيام المعتقل، الشيوعى المتمرّد، والقديس الذى يعيش عزلته الروحانية. حمّى المكاشفة من دون ضوابط، كما لو أننا حيال دريئة مكشوفة لا تخشى سهام الآخرين. مع ذلك، يعترف بأنّ لا سيرة ذاتية عارية نهائياً، لكنه يعوّل على الصدق فى المقام الأول، تبعاً لتدفقات الذاكرة وجسارتها فى تقشير بيضة الذات من أسرارها المخبوءة والقصيّة.

كأن الكتابة بالنسبة إليه محاولة فى انتهاك البياض وتلطيخه بالأثم الذاتى الذى يعافه الآخرون أو يخشون مقاربته، وهو بذلك يقف عند حافة الهاوية أو الكتابة بلا بنج، فما كان يجرى فى غرفة العمليات هناك ما يوازيه فى غرفة الكتابة أو ما يسمى الكتابة باللحم الحى من دون أن يخشى الصدام مع قائمة طويلة من المحرمات من جهة، وخشية المخيال العربى من فتح الصندوق الأسود على الملأ كى لا يكون صاحبه ضحية فردية فى ساحة الرجم.  

بصحبة رءوف مسعد سنستعيد مقولة النفّرى «إذا رأيت النار فقع فيها ولا تهرب فإنك إن وقعت فيها انطفت وإن هربت منها طلبتك وأحرقتك». ففى هذا الطراز من الكتابة لا لجوء إلى حقنة مسكّنة، وإنما سرد مكشوف لا يكترث بحجم فواتير الخسارة تحت بند الطهارة الزائفة أو «الحلى المستعارة». هكذا عمل هذا الروائى المفرد على تأصيل نصوصٍ مضادة، كما لو أننا إزاء عملية رفع بصمات، فى تحديد هوية هذا النصّ عن سواه، وقابليته للإقامة لا الزوال.