شعبان يوسف
يتميز الكاتب والأديب والصحفي رؤوف مسعد الذي رحل عن عالمنا مؤخرًا، بآنه يشكّل حالة خاصة، وتكاد تكون نادرة بين الكتّاب، وهي الكتابة بلا أقنعة، كتابة تصل إلى حد الاعتراف الفاضح، والفاضح هنا لا تعود على الآخرين فقط، بل تعود عليه كذلك، هو لا يخشى أن يعبّر عن طموحاته، ولا أن يعبر عن خططه للإيقاع بفتاة ما لكي يقيم معها علاقة جسدية، قال ذلك كثيرًا في كتاباته وشهاداته وإبداعه السردي بشكل خاص، ووضح ذلك بقوة في روايته الأولى «بيضة النعامة»، والتي كتبها ونشرها بعد أن تجاوز الخامسة والخمسين من عمره، وصدرت طبعتها الأولى عام 1994 حيث باح واعترف وصرّح بما لا يستطيع كاتب آخر أن يبوح به، ولم يخش أن يعلن في الرواية تلك العلاقة الجسدية التي قامت بينه وبين الطباخ الذي كان يعمل في بيتهم، ومن قرأ روايتيّ «بيضة النعامة»، و«مزاج التماسيح»، سيدرك قدر ما كان رؤوف يبوح به، للدرجة التي تلحق به الأذى من الآخرين، ولكنه في الوقت ذاته كان يدرك بأن ذلك البوح سيحدث رواجًا لما يكتبه، وذلك ما حدث فعلًا، رغم أن «بيضة النعامة» لا تحمل التقاليد والثيمات المتعارف عليها في كتابة الرواية.
هذه سمة سادت في كل أو أغلب كتابات رؤوف مسعد، وإن كانت وضحت أكثر في أعماله السردية الروائية على وجه الخصوص، ولكنها ظهرت أيضًا في كتاباته التي تعبر أو تسرد وقائع أخرى حدثت له في حياته، وتجلّت تلك السمة في تجربتين له: الأولى عندما كان يعمل صحفيًا في لبنان منذ عام 1979، بعدما خرج من بغداد مضطرًا أو خائفًا من بطش صدام حسين الذي لم يكن يمزح في قسوته على الناس، من ثم وجد رؤوف نفسه يذهب إلى بيروت (واحة المثقفين العرب) وهناك عمل في عدد من الصحف والمجلات، واستقر به الحال في جريدة «بيروت المساء»، وظلّ هناك وعاصر كافة الأحداث المأساوية التي حدثت في لبنان، ورغم تلك المأساوية، إلا أنها كانت المدينة الأفضل للكتّاب والمثقفين والساسة والفنانين العرب الذي هجروا بلادهم وعاشوا هناك، ومارسوا حيواتهم الفنية والأدبية والصحافية بكل قوة.
ظلّ رؤوف في بيروت حتى احتدم الأمر منذ بدايات يونيو 1982، حيث هاجمت قوات الجيش الإسرائيلي بيروت بكل بشاعة للإجهاز على كل أشكال المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وبعد إجبار المقاومة الفلسطينية، والفلسطينيين بشكل عام على الخروج بين شهر سبتمبر وأكتوبر عام 1982، كان رؤوف قد خرج قبل ذلك الميعاد عائدًا إلى القاهرة، وكتب تجربة تلك الحرب البشعة في عمله «صباح الخير ياوطن”، والذي صدر عن مطبوعات القاهرة عام 1983، أي بعد انتهاء تلك الحملة الإجرامية بشهور قليلة، كتبها والدماء مازالت تنزف من جسد اللبنانيين والفلسطيين قهرًا، والأسى كان يغمر كل من عاش وعمل وخرج من بيروت تحت تهديد سلاح وجبروت العدو وأعوانه.
التجربة الأخرى سجلها في كتابه “في انتظار المخلص.. رحلة إلى الأرض المحرمة”، وهو تسجيل لرحلة عمل كان قد قام بها إلى دولة إسرائيل، وكانت ضمن وفد للتلفزيون الهولندي الذي عمل به رؤوف في عام 1999، وفي هذه السطور لسنا مشغولين بالكتاب لكننا نشير إليه لأنه يقع تحت قوس أشكال الصدام التي كان يطرحها رؤوف في كتاباته الإبداعية والتقريرية، ورغم سمة البوح المطلق في الكتابين إلا أنهما يبدوان من حيث الشكل وكأنهما متناقضان، ولكنهما في الجوهر كما رأى رؤوف نفسه متماسان، لأن الكتابين يعملان على القضية الفلسطينية.
ورغم أن التجربة سجلها أيضًا الشعراء محمود درويش في كتابه «ذاكرة النسيان»، وحلمي سالم في «ثقافتنا تحت الحصار»، وسعدي يوسف في سلسلة مقالات كتبها تحت قصف المدافع والطائرات، إلا أن كتاب رؤوف مسعد جاء مختلفًا، لأنه لم ينطلق من زاوية الشعارات والهتاف التي انطلق منها كل من كتب عن بيروت أثناء وجوده تحت القصف، أو بعد الخروج.
لماذا كان كتاب رؤوف_إذن_مختلفاً؟ الإجابة بسيطة، لأن رؤوف أراد أن يعرض نفسه لكل ملابسات الحدث الذي مر به، في البداية تحدث عن القلق العسكري والحربي الذي داهم بيروت الغربية التي كان يسكن في إحدى بناياتها، وبالتحديد في الدور السابع، في حي صغير يدعى «كاراكاس»، وفي منطقة الفاكهاني التي عانت طويلًا من الاستهداف الإسرائيلي من قبل، أما في 4 يونيو 1982، جاءت ضربات تمهيدية، وكانت المجلة التي يعمل بها تستعد للحديث عن هزيمة 1967 بمناسبة الذكرى الخامسة عشر.
جاءت تلك الضربات وكأنها تكرّس للهزيمة، وتدافعت الأمور بشكل مكثف، ويقول رؤوف بأن الحرب تكشف كثيرًا عما يخفيه الإنسان من خوف وهلع وربما جبن، كان رؤوف يكتب دون أي حسابات، فالحرب قد وضعت أوزارها، وها هو قد خرج من بيروت، ولا ينقصه سوى التعبير والبوح بصدق عن أحداث تلك الحرب القبيحة، لم يدع بطولة زائفة، ولم يخف مشاعر تتسم بالهلع والخوف والتفكير في الانسحاب هربًا من تلك الأجواء المرعبة، لم يعط أذنه لمن سيقول عنه بأنه جبن وترك رفاقه وهم في قلب الأزمة، وإن كان ذلك الانسحاب لم يكن متوفرًا، فالمطارات كانت مغلقة، ولبنان يحاصره الخطر العسكري، الخطر من زاوية الجيش الصهيوني، ومن زاوية الكتائبيين الذين يتعاونون مع الصهاينة.
يستعرض رؤوف بشكل دقيق، ومن زاوية قناعاته المناخ الصحفي في ذلك الوقت، ويشيد بجريدة “السفير” التي تابعت الأحداث في أجلى صورها، كما أنه يشيد بجريدة “النهار” التي عرضت للأوضاع من وجهة نظر وطنية، رغم ميلها الواضح إلى الكتائب، كما أنه أثني على صحف وإذاعة «المرابطين»، وهم ناصريو لبنان، الذين قدموا وعيّا عاليًا من ناحية دقة المعلومات وذلك في مواجهة الإشاعات التي كان يروجها العدو الإسرائيلي. وكأن الأمور تعيد نفسها بشكل شبه ممل في التاريخ، محاولات تجويع، وانقطاع كهرباء متعمد، وحصار من كافة الجهات، ولكن رغم ذلك فالمقاومة باسلة، مصممة على بذل كل الجهود المتاحة لردع العدو وإلحاق الخسائر به، هنا يفتح رؤوف قوسًا على الأثر الفني والإعلامي المصري الذي كان ينتشر في الإذاعات اللبنانية، فكانت الأغنيات المصرية شبه مقررة على المقاومة هناك، وكان المصريون محل تقدير عال، وعندما تعرض المصريون لبعض الأذى وحاولوا العودة إلى مصر، وذهبوا إلى المطار وجدوه مغلقًا، فناموا على الأرصفة، وهنا تدخل أبو عمار قائلًا: “أنا مصري الهوى والروح، ولا أسمح بأن يلحق الأذى بأي مصري هنا، أو في أي مكان يكون فيه».
هنا يرسم رؤوف صورة أسطورية لياسر عرفات الذي كان يتحرك في ثقة غير معتادة، إن قوة عبقرية تقود الرجل تحت القتال والحصار فيما كان رأسه مطلوبًا للجيش الإسرائيلي، وكان إيريل شارون لا يترك أي ثغرة لكي ينال منه حيًّا أو ميتًا، ولكن «أبو عمار» كان يفلت من الفخاخ التي تنصب له دون القدرة على الإمساك به وكأنه بخار يتسرب.
رؤوف هنا يستعرض نفسه بكل وضوح وبوح.. صورة أبيض وأسود خالية من أي ألوان خادعة.
دخل الربيع يضحك..رباعية سينمائية تستحق الاحتفاء
كفه عليها... وبين الاسمين تتفرد تلك المنطقة بسحرها الخاص؛ حيث تمتزج الروحانية بجمال
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة:







