زيّاح

اللوحات للفنان: أشرف رضا
اللوحات للفنان: أشرف رضا


منير الحايك

1916
لم تدرك زوجة عطا الطرّاش فداحة الأمر الذى اقترفته، فأن تقول إنه عوّاد، حتى لو لم يكن هو المحرّض الفعلى، لمرّ الأمر كما لو أنه خبر من الأخبار المعتادة، أخبار اعتادها البيك والدرك والناس عن عوّاد، ولما اهتمّ أحد البتّة بأن يلاحقه بشكل مباشر وقوى، ولكانت الدنيا بخير.

عرف عوّاد بأمر الأستاذ فؤاد وبما حلّ به صبيحة اليوم التالى، وكاد يهمّ بمغادرة جُحره كما وصفه جدّه مرّةً والتصقت الصفة بالمكان، وكانت أخته تنتظره عند مدخله حاملة ما تيسّر من زوّداة تكفيه عدة أيام؛ بعض الطبيخ البائت وبعض الخبز اليابس، يبلله بالماء أحيانًا، ويرميه أحيانًا أخرى عندما يوفّقه الله ببعض أعشاب الخبّيزة أو غيرها من الأعشاب التى تؤكَل بحسب مواسمها، يرضى بها على مضض لأنها كانت تثير فى نفسه شعورًا بالدونية لم يكن يعرف أسبابه، أو أحيانًا بجرذ أو أفعى يشويها عندما يشعر بأنه يستطيع إشعال نار، أو بدجاجة تائهة، والدجاجة يختارها دائمًا تائهة من قنّ واحد ممن يعرفهم، من الأعيان.

لم يتحمّل ما حلّ بالرجل، وقد قصّت عليه أخته ما شاهده الناس فى السوق قبيل دخول المسكين من باب المخفر، أما ما حصل فى الداخل، فقد سمعوا بعض الصراخ، الذى اختفى بعد نصف ساعة أو أقلّ، ولم يعرف أحد ما حصل هل رأفوا بحاله؟ هل غاب عن الوعى من شدة الألم؟ هل أسكتوه مرغمًا وبدأوا بتحقيقاتهم الجدية، أم أن مَصابًا أخطر من ذلك حصل؟ لا سمح الله!

ظلّت الأسئلة تتزاحم فى باله، وتأنيب الضمير والغصة فى الحلق والخفقان الذى كاد يودى بعظمات الصدر إلى أن تتكسر فيخرج منها ذلك الخافق زاحفًا أمام رجلى الأستاذ المحترم يطلب صفحه وعفوه، ويطلب منه أن يدوسه فتتطاير الدماء وتتوقف عضلاته عن الخفقان، فيرتاح صاحب القلب قبل راحة الأستاذ، ولكن الأمانى تبقى أمانى تذروها الرياح كحبات الرمل مع أول نسمة، ما لم تصبح تلك الأمانى خطة فمشروعًا يسعى إلى تنفيذه وتحقيق أهدافه وقد قرر عوّاد أن يُمَشرِعَ أمانيه، وألّا يسكت عن الظلم الذى حلّ بالأستاذ، خصوصًا وأنه حمّل نفسه كامل المسؤولية، وهى حقًّا كذلك، قالت له أخته.

مرّ يومان قبل قراره بأن يقوم بزيارة خاطفة للضيعة، اختار وقت الظهيرة وكان يوم أحد، بعد صلاة الظهر وعظة الأحد، وهو الوقت الذى يفرغ فيه السوق من الأرجل ومن الأصوات والمنادين والشارين والبائعين.

صحيح أنه سيكون مكشوفًا إن كانت الدورية، من الضابطية أو من رجال البيك، تحوم فى الأحياء، إلا أنه يعرفهم، ويعرف تحركاتهم، فهم من الناس ومثلهم، سينامون قيلولة طويلة بعد الغداء إن كانوا مفطرين، فالأحد مخصص بعد الكنيسة للغداء وشرب العرق، وبما أن الطعام قليل، فسيكون للعرق المكانة الأولى على طاولة السُّفرة وفى المعدة، وسيكون للسُّكر والنوم الطويل من بعده الحصة الأساس أما الصائمون، فستكون قيلولتهم بعد صلاة الظهر كأنها نوم ليلٍ، إلى أن يحلّ موعد الإفطار.

لم يعرف لماذا سيأتى إلى الضيعة، ولم يحدد وجهته ولا الغاية، أو من وماذا سيراقب، ولكنه لم يكن يستطيع الانتظار أكثر صحيح أن جلوسه فى مغارته يريحه ويبعده عن المشاكل وعن عيون ملاحقيه، إلا أنه ملاحق لسبب، ويعيش تلك العيشة لسبب، ذلك السبب أنه لم يرضَ بالذلّ والخضوع، ولا يعرف أن يقول نعم إن لم يكن مقتنعًا، فكيف يظلّ ساكتًا الآن، والأمر يخصّه شخصيًّا.

لقد أحسّ عندما عرف بأمر الأستاذ فؤاد بألم فى المعدة رافقه حتى لحظة استعداده ونزوله من المغارة. لم يعرف إن كان جوعًا أم كان خوفًا أم كان غضبًا ما جعل معدته تنكمش إلى هذا الحدّ، وهو الذى احترف التعامل مع الجوع والعطش، واحترف تجاوز لحظات الخوف، فما عاد للكلمة وجود فى قاموس حياته.

رجلٌ يعيش مع الكلاب و«الواويّة»، يصطاد أفعى أحيانًا ويسلخها ويشويها، وما عادت نفسه تعوف لحم الفئران، بل باتت له طريقته الخاصة فى ذبحها وتنظيفها وشيّها الغضبُ العارم الذى لم يستطع التعبير عنه بالصراخ أو بضرب أحدهم، ولأنه لن يكتب أو يرسم أو يفرّغ ذلك الغضب فى فلاحة الأرض وحراثتها ككل الفلاحين من أبناء الضيعة، فهو الملاحَق دومًا، كان للألم الطريق الأسهل ليكون هو المعبر للظهور.

لم يضع كوفية على رأسه وكان مشهورًا بلفّها بطريقة أبناء السهل التقليدية، يغطّى أذنيه ومنتصف جبهته ويعقدها فوق رأسه، يربطها من الخلف، ويظلّ منها ما يشبه الذَّيل العريض يغطّى رقبته، كانت الكوفية البيضاء والسوداء هى الأكثر استخدامًا، وفى بعض الأحيان عندما يغسلها كان يستخدم السوداء الكاملة لديه واحدة حمراء وبيضاء، تلك كان يتركها لمناسبة ما، ولكنها بقيت منتظرة تلك المناسبة إلى الأبد.

نزل المنحدر دون أن يغطّى رأسه، على الرغم من شمس تموز اللاهبة، فمن يراه يحتاج أن يدقق النظر ليعرفه إن كان من دون الكوفية، غريب أمره، كان ظهور وجهه كاملًا هو الطريقة المثلى لتنكّره، هذه حال كل من يريد أن يقاوم الظلم، عليه أن يصبح غير مألوف، غير معروف، قد يظهر منه القليل، نظرة من عين ثاقبة أو عَبسة من وجه احترف الجدّيّة ونسى نفسه، أو لا يظهر أبدًا. أطفال الضيعة وفتيانها ومراهقوها يسمعون عنه فقط، ويحيكون الكثير من الأخبار، ويلعبون لعبته فى التخفى والزعرنة، ولكن آباءهم كانوا يخبرونهم، أنها ليست زعرنة، بل بطولة.

نزلَ المنحدرَ وتوجّه نحو السوق الداخلية، مشى تحت النهر. فوق النهر يكمن المخفر، يعرف أن الأستاذ ما زال هناك، ولكن مهاجمته للمخفر محفوفة بمخاطر الفشل والموت، هو لم يعد يهتمّ، يموت أو يبقى على قيد الحياة، لا فرق، ولكن عليه أن يحمى الأستاذ من مصير محتوم.

لمحَ شخصًا يجلس على حجر كبير، كأنه صخرة من صخور الجامع، تلك المنتشرة أمامه، والتى يعرف بأنها بقايا عامود رومانى أو آشورى، لا يعرف تحديدًا، يعرف أنه عامود قديم منذ آلاف السنوات، خاف وحاول النظر فى الاتجاه المعاكس ظنًّا منه بأنه أحد رجال الدرك، غافل ذكاءه فلم ينم أو يحتمى من قيظ الحرّ التموزى، ولكنه لمح سحنة يعرفها، رجل يعرفه، رجل فى الخمسينيات على أكثر تقدير، لم يميّزه فى البداية، ولكن جلوسه غريب عن المكان، والصخرة غريبة عن المكان أيضًا، هو رجل وليس امرأة هذا أكيد، ولكنه كان يضع كوفيًّة بيضاء، أو حجابًا أبيض لو أنه أخطأ وكانت امرأة. يتوسّد يديه، يغطّى بهما كامل وجهه، ركبتاه تحملان يديه ورأسه، ينظر إلى الأرض كأنه فى شرود أزلى، تركه ولم يكلّمه، ولكنه عندما اطمأنّ إلى أنه ليس دركيًّا، وأنّ ما يجلس عليه ليس كرسيًّا خشبيًّا، أبطأ فى مشيته، أراد أن يرى، أن يشاهد أمامه ما حلّ بالأستاذ، نقّل نظره بين المخفر والطريق والركّة بينهما، حاول كتمان دمعته، وهو المعروف بجبروته، ولكنها غافلته وبللت لحيته الكثّة. عندها ركض مسابقًا الريح كعادته، ولكنه كان يهرب من نفسه، كان يهرب من ضعفه، فلو رآه أحدهم والدمعة فى صِدام مع إرادته، دمعته التى فازت وانهمرت، تلك لحظة قد تجعل نظرة الناس إليه تتبدل، وهذا ما يخشاه.