أن تدشن مكتبة: نحو عالم أكثر رحابة

مكتبة
مكتبة


محمد الرزاز

إذا سلّمنا بأن الكتابة قد ظهرت للمرة الأولى فى التاريخ كمنجز حضارى لشرق المتوسط وبلاد الرافدين، فلا بد أن القراءة كذلك قد صارت فعلًا إنسانيًا نبيلًا بفضل شعوب حوض المتوسط وما جاورها من مجتمعات أرست دعائم حضارات فتية وأسست لثقافات تحتل فيها الكلمة، مكتوبة أو مقروءة، موضعًا هو والمقدّس سواء، بل وصارت مكتبات العالم القديم والكلاسيكى فى هذه المنطقة مرادفًا للتنوير وقِبلة لكل من شغف بالمعارف وتعلق وجدانه بسحر العالم.

وبينما أتأمل الكتب التى اقتنيتها على مدار سنوات طويلة وصارت عماد مكتبتى الشخصية، داعبت مخيلتى فكرة تدشين مكتبة مخصصة لأدب حوض المتوسط الذى يضم ما يربو على عشرين دولة، واصطخبت فى ذاكرتى رؤى متشابكة اختلطت فيها أروقة مكتبة الإسكندرية بأرفف مخطوطات برجامون، والأبجدية الفينيقية بمقاطع إغريقية من سوفوكليس وأرسطوفانيس.

كان لابد من مقاربة برغماتية للاستقرار على نقطة البداية، وبدت الإجابة سهلة آنذاك: أنا أعمل فى منظمة الاتحاد من أجل المتوسط التى تعنى بالتعاون الإقليمى والتنمية البشرية والمستدامة، ولكى يكون لى ولزملاء العمل السبعين مكتبة متوسطية، يجب أن تضم تلك المكتبة أعمالًا أدبية من جميع دول المنطقة التى أعرفها جيدًا وزرتها للعمل أو للبحث (أعمل أيضًا كأستاذ لتراث حوض المتوسط فى جامعة كاتالونيا ببرشلونة) أو للسياحة (فشغفى بالمتوسط لا يكل).

بعد الجغرافيا الطبيعية جاءت نظيرتها البشرية، فالمتوسط متعدد الأعراق والأجناس والثقافات، ولا بد من حضور لأدب الأمازيغ والأرمن والأكراد والروما وغيرهم، لا بد من بحث وتمحيص للموروث الأدبى، لا مناص من التحدث إلى الزملاء والزميلات كى تكون المكتبة تعبيرًا حقيقيًا عن التنوع الذى تنفرد به هذه المنطقة العجائبية من العالم، وتجسيدًا لطرز ومدارس وأشكال أدبية مختلفة. لا بد من روائع محفوظ وإرنو وكازانتزاكيس وكاداريه وآسيا جبار، دون إغفال الأصوات الجديدة والمعاصرة والمهمشة، ويجب التعرف على الرحيق الأدبى لبلدان مثل الجبل الأسود أو مالطة، لم أقرأ عملًا لأدباءها من قبل.

بدا المشروع برمته صعبًا، وكنت مشفقًا على نفسى من مشقة البحث وتكاليف شراء كتب جديدة، أو لعلى كنت آملًا فى علامة أو إشارة تلهمنى للمضى قدمًا، وهو ما حدث ذات يوم حين سألتنى ابنتى الصغيرة عن سبب احتفاظى بمئات الكتب التى قرأتها بالفعل، وتحمسَت كثيرًا حين شرحت لها فكرة إنشاء مكتبة تضم بعض كتبى للغير، بل وتحدّثَت إلى شقيقتها التوأم (ثمان سنوات) قبل أن يعرضن على المساعدة فى نقل الكتب إلى مقر عملى فى المنظمة أهناك ما هو أكثر رمزية من مشاركة الأطفال فى غرس البذور؟ أهناك ذكرى أروع من تلك أمنّى النفس أن يحتفظ بها الأطفال من أجل مستقبل يعرفون فيه قيمة الكتاب؟

عدت إلى تأمل كتبى التى قرأت أغلبها، مستحضرًا مقولة البوسنى ميليينكو يرجوفيتش: «تحسس كتبك برفق أيها الغريب، وتذكّر أنها تراب.» كنت قد عقدت العزم على منح تلك الكتب حيوات أخرى عبر توفيرها لغيرى من القراء إذا كان مصير الكتب ذات يوم هو الزوال، فلتكن رمادًا مقدسًا احترق فى مجمرة النفس بعد أن ألهمها وهذّبها وارتقى بها فى مدارج تتوق لها الروح، وليس ترابًا منسيّا تذروه زوابع الجهل والخرافة.

هكذا ولدت مكتبة أدب المتوسط الخاصة بالاتحاد من أجل المتوسط، والتى تضم مائة وخمسين كتابًا من مجموعتى الخاصة، بذرة فى حقول ستُفلح قريبًا، ونواة لمشروع عازم على التوسع كى يطرح ثمارًا هى عين التجربة ومراد رحلة التعرف على الظرف الإنسانى عبر المكان والزمان فى هذا الركن من عالمنا الذى يصير أكثر رحابة حين نقرأ.