يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة قائلاً: إذن فالطاغوت هو الذى تستزيده الطاعة طغياناً، وتُطلق على الشيطان؛ لأنه هو الأساس، وعلى الذين يتكلمون باسم الدين للسلطة الزمنية (سواء كانوا كهانًا أو غيرهم)، وتُطلق على الذين يسحرون ويدجلون، لأنهم طغوا بما علموه؛ إنهم يستعملون أشياء يتعبون بها الناس، وقد جاءت الكلمة هنا بصيغة المبالغة لاشتمالها على كل هذه المعاني، وإذا استعرضنا الكلمة فى القرآن نجد أن «الطاغوت» ترد مذكرة فى بعض الأحيان، وقد وردت مؤنثة فى آية واحدة فى القرآن:﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا وأنابوا إِلَى الله لَهُمُ البشرى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ «الزمر: ١٧».
لقد أوضحت هذه الآية أنهم تركوا كل أنواع الطغيان وأصنافه، أى إن الذين اجتنبوا الألوان المتعددة من الطغيان هم الذين يتجهون بالعبادة الخالصة لله، ولهم البشرى. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى﴾ وكلمة ﴿استمسك﴾ غير كلمة «مسك» ، لأن ﴿استمسك﴾ تدل على أن فيه مجاهدة فى المسك، والذى يتدين يحتاج إلى مجاهدة فى التدين؛ لأن الشيطان لن يتركه، فلا يكفى أن تمسك، بل عليك أن تستمسك، كلما وسوس الشيطان لك بأمر فعليك أن تستمسك بالتدين، هذا يدل على أن هناك مجاهدة وأخذًا وردًّا.
اقرأ أيضًا | خواطر الشعراوى | لا إكراه فى الدين
﴿فَقَدِ استمسك بالعروة﴾ والعروة هى العلاقة، مثلما نقول: «عروة الدول»، التى تمسكها منه، وهذه عادة ما تكون مصنوعة من الحبل الملفوف المتين، و«الوثقى» هى تأنيث «الأوثق» أى أمر موثوق به، وقوله: ﴿فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى﴾، قد يكون تشبيها بعروة الدلو لأن الإنسان يستخدم الدلو ليأتى بالماء، وبالماء حياة البدن، وبالدين حياة القيم.
﴿فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى﴾ كأنه ساعة جاء بكلمة «عروة» يأتى بالدلو فى بال الإنسان، والدلو تأتى بالماء، والماء به حياة البدن، إذن فهذه تعطينا إيحاءات التصور واضحة، ﴿فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى﴾، وما دامت «عروة وثقى» التى هى الدين والإيمان بالله، وما دامت هى الدين وحبل الله فهذه وثقى، وما دامت «وثقى» فلا انفصام لها، وعلينا أن نعرف أن فيه انفصامًا. وفيه انفصام الأول بالفاء والثانى بالقاف.
الانفصام: يمنع الاتصال الداخلي؛ مثلما تنكسر اليد لكنها تظل معلقة، والانقصام: أن يذهب كل جزء بعيدًا عن الآخر أى فيه بينونة، والحق يقول: ﴿لاَ انفصام لَهَا والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ توحى بأن عملية الطاغوت ستكون دائمًا وسوسة، وهذه الوسوسة هي: الصوت الذى يُغرى بالكلام المعسول، ولذلك أخذت كلمة «وسوسة الشيطان» من وسوسة الحُليّ، ووسوسة الذهب هى رنين الذهب، أى وسوسة مغرية مثل وسوسة الشيطان، والله عليم بكل أمر.
ويقول الحق بعد ذلك: ﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور ...﴾ إن الله وليّ الذين آمنوا ما دام ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك
بالعروة الوثقى﴾ وكأن الحق يشرح ذلك بهذه الآية، فما دام العبد سيتصل بالعروة الوثقى ويستمسك بها، وهذه ليست لها انفصام فقد صارت ولايته لله، وكلمة «وليّ» إذا سمعتها هى من «وَلِيَ» أي: جاء الشيء بعد الشيء من غير فاصل؛ هذا يليه هذا، وما دام يليه من غير فاصل فهو الأقرب له، وما دام هو الأقرب له إذن فهو أول من يفزع لينقذ، فقد يسير معى إنسان فإذا التوت قدمى أناديه؛ لأنه الأقرب مني، وهو الذى سينجدني.
فلا يوجد فاصل، وما دام لا يوجد فاصل فهو أول من تناديه، وأول من يفزع إليك بدون أن تصرخ له؛ لأن من معك لا تقل له: خذ بيدي، إنه من نفسه يأخذ بيدك بلا شعور، إذن فكلمة ﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ﴾ إذا نظرت إليها وجدتها تنسجم أيضا مع ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فلا يريدك أن تناديه؛ لأن هناك من تصرخ عليه لينجدك، وهو لن تصرخ عليه؛ لأنه سميع وعليم، ﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ﴾ .
وكلمة «وليّ» أيضا منها (مولى) ومنها (وال)، ﴿وَلِيُّ الذين آمَنُواْ﴾ أى هو الذى يتولى شئونهم وأمورهم، كما تقول: الوالى الذى تولى أمر الرعية، وكلمة «مولى» مرة تطلق على السيد، ومرة تطلق على خادمه، ولذلك يقول الشاعر:
مولاك يا مولاى طالب حاجة ... أى عبدك يا سيدى طال بحاجة، فهى تستعمل فى معان مترابطة؛ لأننا قلنا: «وَلِيّ» تعنى القريب، فإذا كان العبد فى حاجة إلى شيء فمن أول من ينصره؟ سيده، وإذا نادى السيد، فمن أول مجيب له؟ إنه خادمه، إذن فيُطلق على السيد ويُطلق على العبد، ويُطلق على الوالي، ﴿اللهُ وَلِيُّ الذين آمَنُواْ﴾ .
وقوله الحق: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ يعنى جماعة فيها أفراد كثيرة، كأنه يريد من الذين آمنوا أن يجعلوا إيمانهم شيئا واحدًا، وليسوا متعددين، أو أن ولاية الله لكل فرد على حدة تكون ولاية لجميع المؤمنين، وما داموا مؤمنين فلا تضارب فى الولايات؛ لأنهم كلهم صادرون وفاعلون عن إيمان واحد، ومنهج واحد، وعن قول واحد، وعن فعل واحد، وعن حركة واحدة.

نوازل العصر| المفتى: الذكاء الاصطناعى والإلحاد الجديد والميتافيرس
سرقة المساجد| اعتداء على المال العام وانتهاك لحرمة بيوت الله
إقبـال كبـير على تصفيات الجـزء الثانى للمسابقة





