نصدق من؟.. فى يونيو الماضى أعلن الرئيس الامريكى دونالد ترامب أن البرنامج النووى الايرانى «انتهى بالكامل» بعد تنفيذ ضربة عسكرية مدمّرة ضد المفاعلات النووية «مطرقة منتصف الليل»، مؤكدا ان ملف إيران النووى قد أُغلق نهائياً .. ومنذ يومين قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً لإعادة فرض العقوبات على إيران «آلية الزناد»، بحجة استمرار برنامجها النووى والصاروخي.
إذا كان البرنامج قد -انتهى- فعلاً كما قال ترامب، فلماذا العودة إلى عقوبات جديدة بعد عشر سنوات من تجميدها؟ وهل الهدف الحقيقى ردع إيران عن استكمال مسارها النووي، أم مجرد ممارسة ضغط سياسى واقتصادي؟
وهل نصدق تأكيدات إيران أن برنامجها النووى سلمى بحت، ومخصص لتوليد الكهرباء والبحث العلمي، ونفيها حدوث أضرار جوهرية من الضربات الأمريكية، معتبرة تصريحات واشنطن مبالغات هدفها رفع أسهم ترامب السياسية الداخلية والخارجية؟
الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد ان سجل إيران ليس خاليا من الشبهات، ولها أنشطة تخصيب لليورانيوم بمستويات تثير القلق، فضلاً عن رفض طهران أحياناً السماح بزيارات تفتيش كاملة إلى بعض منشآتها الحساسة…وبين الروايتين المتناقضتين: هل تضخّم أمريكا من حجم إنجازاتها العسكرية، أم تمتلك إيران دوافع قوية للتقليل من حجم الخسائر وإظهار تماسكها والحفاظ على صورتها بين حلفائها؟
التجارب السابقة تشير إلى أن الحقائق تقع غالبا «فى المنتصف»، فمن الناحية العسكرية يصعب تصور أن ضربة جوية واحدة مهما بلغت قوتها، قادرة على إنهاء برنامج نووى معقد ومتشعب، خاصة إذا كانت بعض المنشآت محصنة تحت الأرض أو موزعة فى أكثر من موقع.
ومن غير المنطقى الاعتقاد بأن البرنامج الإيرانى لم يتأثر على الإطلاق، أو أن الضربات لم تسفر عن أى خسائر، والأقرب للواقع أن الهجمات الأمريكية ألحقت أضراراً كبيرة فى بعض المرافق، لكنها لم تنهِ المشروع بشكل كامل، وأن إيران قادرة على التعافى أو نقل نشاطها إلى مواقع أخرى سرية.
ما يعزز هذا التصور هو تحرك واشنطن وحلفائها نحو إعادة فرض العقوبات، لو كان البرنامج قد انتهى فعلاً، لما كانت هناك حاجة إلى اعادة فرض العقوبات، وتعكس العقوبات إدراكاً غربياً بأن طهران ما زالت تملك قدرة على تطوير برنامجها، وأن الضغط الاقتصادى والسياسى يبقى وسيلة أساسية لإجبارها على التراجع أو العودة إلى طاولة التفاوض.
ويبقى السؤال مطروحا: نصدق من؟.. الإجابة ليست «أمريكا» بالكامل ولا «إيران» بالكامل، وتختلط الحقائق بالأكاذيب فى تقارير الجهات المستقلة مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وصور الأقمار الصناعية، والمعطيات الميدانية، وأبرز امثلة الخداع ما حدث بشأن البرنامج النووى العراقى فى حكم صدام حسين، واستخدامه ذريعة لتدمير العراق، رغم ثبوت عدم صحته.
عادت المواجهة الى المربع صفر، ويبقى الملف النووى الإيرانى ساحة للصراع بين القوى الكبرى، وموضوعاً معقداً تختلط فيه الحقائق بالأكاذيب .

إســـلام عفيفى يكتب: ترامب ونصائح كوندوليزا رايس
حين تتزاحم الأصوات (2)
دور القرية المنتجة فى التنمية المستدامة







