أوراق شخصية

حين تتزاحم الأصوات (2)

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


قبل عقود، كانت القبعات فوق الرؤوس علامة على الدور والمكانة. واليوم يقترح إدوارد دى بونو قبعات من نوع آخر؛ لا تُرتدى فوق الرأس، بل داخله. قبعات تساعدنا على الفصل بين المشاعر والحقائق، بين النقد والإبداع، وبين الفوضى والنظام. وفى عالم يزداد ضجيجًا كل يوم، ربما لم تعد المشكلة فى قلة المعلومات، بل فى طريقة توظيفها.

وإذا كان السؤال الذى انتهى عنده حديثنا السابق هو: هل نحتاج إلى خلع آرائنا أولًا حتى نفكر بصورة أفضل؟ فإن السؤال الأهم هو: كيف نفعل ذلك؟ هنا يقدّم إدوارد دى بونو إجابته. فالمشكلة لا تكمن فى أن البشر لا يفكرون، بل فى أنهم يفكرون فى أشياء كثيرة فى الوقت نفسه. فالعاطفة تتداخل مع الحقائق، والنقد يسبق الفهم، والحدس يقفز فوق الأدلة، فتتحول عملية التفكير إلى ما يشبه غرفة مزدحمة بالأصوات المتنافسة.

جوهر الفكرة ليس فى القبعات نفسها، بل فيما تفرضه من انضباط. فبدلًا من أن نفعل كل شىء دفعة واحدة، يدعونا دى بونو إلى التفكير بطريقة تشبه طباعة الألوان؛ إذ يُطبع كل لون منفصلًا أولًا، ثم تجتمع الألوان فى النهاية لتكوين الصورة الكاملة. وكذلك التفكير: حين نخلط الحقائق بالمشاعر، والنقد بالتوقعات، والإبداع بالخوف، تصبح الصورة أكثر تشوشًا، لا أكثر وضوحًا.

لهذا يرفض الكاتب فكرة أن التفكير مجرد جدل أو انتصار لرأى على آخر. فالتفكير الجيد، فى تصوره، يشبه رسم الخرائط أكثر مما يشبه المعارك. أولًا ترسم الخريطة كاملة: الحقائق، المشاعر، المخاطر، الفرص، والاحتمالات. وبعدها فقط تختار الطريق. فالذكاء وحده لا يكفى. فكم من عقول لامعة اتخذت قرارات كارثية، ليس بسبب نقص المعرفة، بل بسبب فوضى التفكير. فالنظام لا يصنع الذكاء، لكنه يمنحه اتجاهًا، ويجعل قدرته على الفهم واتخاذ القرار أكثر فاعلية.

ولذلك لا ينظر دى بونو إلى القبعات باعتبارها آراء ثابتة أو هويات فكرية، بل أدوارًا مؤقتة. نرتدى واحدة، ثم نخلعها لنرتدى أخرى. فالمشكلة ليست فى أن نفكر بطريقة معينة، بل أن نظل أسرى لها. وهكذا تصبح القبعات الست أقل شبهًا بنظرية فى التفكير، وأكثر شبهًا بلغة جديدة لتنظيم العقل نفسه.

ويبقى السؤال الأهم: ماذا يحدث حين نصطدم بالحقيقة الباردة للمعلومات، فى الوقت الذى تصرخ فيه مشاعرنا بشىء مختلف تمامًا؟ للإجابة حديث آخر.