عندما تكتب كوندوليزا رايس عن إيران، أعتقد أنه لا ينبغى التعامل معه كمقال رأى عابر فى صحيفة أمريكية، فهى وزير خارجية ومستشار أمن قومى سابق، وأحد الوجوه البارزة فى مدرسة أمريكية صنعت جزءًا كبيرًا من سياسات واشنطن فى الشرق الأوسط بعد 11 سبتمبر، لذلك فإن مقالها فى «وول ستريت جورنال» عما حققته الولايات المتحدة فى إيران لا يشرح الحرب فقط، بل يكشف كيف يفكر جناح مؤثر داخل العقل الاستراتيجى الأمريكى: ماذا نفعل بعد الضربة؟ كيف نحول التفوق العسكرى إلى ترتيب سياسى؟ وكيف نمنع ترامب من تحويل الحرب إلى إعلان نصر سريع ينتهى باتفاق معيب أو مبتور؟
رايس ترى أن الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران لم تكن حربًا حاسمة بالكامل، لكنها حققت مكاسب مهمة: أضعفت قدرة طهران على تصدير نفوذها، أضرت بترسانتها الصاروخية، شلت جزءًا من أذرعها فى المنطقة، وأخرت مشروعها النووى لسنوات، لكنها فى الوقت نفسه، تحذر ترامب من الوقوع فى خطأين: الأول أن يظن أن الضربة وحدها تكفى، والثانى أن يندفع إلى اتفاق متسرع مع إيران لمجرد أنه يريد الخروج بصورة المنتصر، ومن هنا تطرح عليه وصفة شديدة الصرامة: لا أموال لطهران، لا تخفيف عقوبات، لا ثقة فى الوعود، جاهزية عسكرية دائمة، فضح أى دعم روسى أو صينى، تضييق الخناق على اقتصاد الحرس الثورى، وتأمين طرق الطاقة والملاحة بعد الدرس القاسى فى مضيق هرمز.
لكن أهمية هذا المقال لا تتوقف عند نصائحها لترامب، الأهم أنه يكشف مأزقًا أوسع فى التفكير الأمريكى تجاه الشرق الأوسط: واشنطن تعرف كيف تضرب، لكنها لا تعرف دائمًا كيف تبنى استقرارًا، تعرف كيف تضع شروطًا قاسية، لكنها غير قابلة للاستمرار، تعرف كيف تضعف خصمًا، لكنها كثيرًا ما تفشل فى فهم أن إضعاف الخصم لا يعنى بالضرورة ولادة نظام إقليمى أكثر استقرارًا، وهذه هى مشكلة المدرسة الأمريكية القديمة، التى تنتمى إليها رايس: ثقة مُفرطة فى قدرة القوة على إعادة تشكيل السياسة.
رايس ترى أن الحرب أنتجت شرقًا أوسط أكثر أمنًا لأمريكا وحلفائها، وأن التنسيق الدفاعى والاستخباراتى بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول فى المنطقة أصبح أعمق من أى وقت مضى، لكن هذه القراءة تحتاج إلى تفكيك، نعم هناك تنسيق أمنى فى المنطقة، نعم هناك دول عربية ترى فى الخطر الإيرانى تهديدًا حقيقيًا، نعم هناك مصالح اقتصادية وتكنولوجية تدفع دولًا عديدة إلى البحث عن ترتيبات أكثر عملية، لكن هذا لا يعنى أن الإقليم يقبل أن يُعاد تشكيله على قاعدة واحدة: أمن إسرائيل أولًا، ثم تأتى بقية الملفات لاحقًا.
هنا تقع رايس فى الاختزال ذاته الذى وقعت فيه إدارات أمريكية كثيرة، فهى تتحدث عن أمن إسرائيل وتراجع النفوذ الإيرانى وكأنهما يكفيان لصناعة شرق أوسط جديد، بينما تتجاهل أن هناك ملفًا لا يمكن القفز فوقه: فلسطين، لا يمكن بناء سلام إقليمى مستقر بينما يستمر الاحتلال، ولا يمكن دمج إسرائيل فى المنطقة بالقوة بينما تبقى الحقوق الفلسطينية معلقة، ولا يمكن مطالبة العرب بالتعامل مع إسرائيل كقائد طبيعى لمنظومة أمنية جديدة، بينما يرى الرأى العام العربى أن القضية الفلسطينية لم تُحل، وأن ممارسات إسرائيل نفسها تعطل أى قبول حقيقى لها.
الأخطر أن رايس، وهى تحذر من اتفاق معيب، تفتح الباب لفكرة «لا اتفاق» بوصفها خيارًا أفضل من اتفاق سيئ، هذه العبارة تبدو منطقية للوهلة الأولى، فالاتفاق السيئ قد يمنح إيران وقتًا وأموالًا لإعادة بناء قوتها، لكن «لا اتفاق» ليس فراغًا محايدًا «لا اتفاق» يعنى أزمة مفتوحة، يعنى قوات أمريكية مُستنفرة دائمًا، يعنى مضيق هرمز تحت التهديد، يعنى أسواق طاقة قلقة، يعنى حلفاء عرب يدفعون ثمن التوتر، يعنى روسيا والصين تتحركان فى الفراغ، يعنى حربًا باردة طويلة فى الخليج قد تنفجر فى أى لحظة، لذلك فالسؤال ليس: اتفاق أم لا اتفاق؟ السؤال الحقيقى: هل تملك واشنطن رؤية لصناعة اتفاق جيد، أم أنها لا تعرف إلا الاختيار بين صفقة ضعيفة وحصار طويل؟
نصائح رايس مفيدة إذا منعته من التسرع، لكنها خطيرة إذا أغرته بإدارة أزمة مفتوحة بلا نهاية، الصبر الاستراتيجى ليس أن تنتظر فقط، بل أن تعرف لماذا تنتظر، وإلى أين تريد أن تصل، أما الانتظار بلا تصور سياسى، فهو ليس استراتيجية؛ هو تأجيل للانفجار.
لذلك فإن ترامب أمامه خياران: إما أن يقرأ نصائح رايس قراءة ضيقة، فيتشدد مع إيران، ويرفض أى اتفاق، ويواصل الضغط والحصار والتهديد، على أمل أن ينهار النظام من داخله أو يأتى إلى الطاولة منكسرًا، وإما أن يقرأها قراءة أوسع: القوة حققت مكاسب، لكن هذه المكاسب ستضيع إذا لم تُربط بتسوية سياسية شاملة تأخذ فى الاعتبار أمن الخليج، ومصالح الدول العربية، وحرية الملاحة، ومنع السلاح النووى، والأهم ألا يتم تمرير الشرق الأوسط الجديد فوق جثة القضية الفلسطينية.
فى رأيى، المشكلة فى نصائح رايس أنها قوية فى إدارة الضغط، لكنها ضعيفة فى تصور السلام، هى تعرف جيدًا كيف تُحاصر إيران، لكنها لا تقدم إجابة كافية عن شكل الإقليم بعد الحصار، تعرف كيف تمنع اتفاقًا سيئًا، لكنها لا تشرح كيف تصنع اتفاقًا جيدًا، تعرف كيف تحمى إسرائيل عسكريًا، لكنها لا تشرح كيف يمكن أن تُقبل إسرائيل سياسيًا فى الإقليم بينما تظل فلسطين بلا حل، وهذه الفجوة هى أصل الخلل الأمريكى المتكرر: مهارة فى إدارة المعركة، وضعف فى فهم ما بعدها.
وأخيرًا كوندوليزا رايس تقدم لترامب تحذيرًا صحيحًا: لا تبدد مكاسب القوة باتفاق ضعيف، لكنها لا تقدم التحذير الآخر بالوضوح الكافى: لا تبدد مكاسب القوة بحرب مفتوحة بلا أفق، بين الاتفاق المعيب واللا اتفاق، هناك طريق ثالث أصعب: اتفاق قوى، عادل، قابل للرقابة، لا يمنح إيران فرصة لإعادة بناء تهديدها، ولا يحول المنطقة إلى رهينة أزمة دائمة، ولا يتجاهل أن السلام الحقيقى فى الشرق الأوسط لا يمر من طهران وحدها، بل من فلسطين أيضًا.
إذا أراد ترامب أن يسمع نصائح رايس جيدًا، فعليه أن يأخذ منها الحذر من التسرع، لا الإغراء بإدارة الصراع إلى الأبد، وأن يفهم أن القوة تمنحك لحظة ضغط، لكنها لا تمنحك وحدها سلامًا، وأن الشرق الأوسط لا يُعاد تشكيله بالقنابل فقط، ولا باتفاقات ناقصة، ولا بتجاهل حقوق الفلسطينيين، وأن أخطر ما يمكن أن تفعله واشنطن الآن هو أن تظن أن إضعاف إيران يعنى تلقائيًا ولادة إقليم مستقر، التاريخ فى هذه المنطقة أكثر عنادًا وتعقيدًا من ذلك.

جيل جديد يصنع السينما
حين تتزاحم الأصوات (2)
دور القرية المنتجة فى التنمية المستدامة







