من الأعماق

من يوقف هذا الجنون؟

جمال حسين
جمال حسين


بعد أن تنفس الجميع الصعداء واستبشر العالم خيرا بتوقف الحرب الأمريكية الإيرانية الاسرائيلية وتخيلنا أن صوت العقل قد انتصر أخيرًا على هدير المدافع عادت الحرب أكثر حدة وشراسة من جديد وكأن الأمر لم يكن سوى هدنة عابرة أو حلم قصير لم يكتمل.
للأسف لم تكن هذه هى المرة الأولى التى تلوح فيها بوادر التهدئة ثم تتبخر سريعًا أمام تصاعد المواجهات وتجدد القصف وسقوط المزيد من الضحايا.. ففى كل مرة يعتقد الناس أن الحرب تلفظ أنفاسها الأخيرة لكنها تعود أكثر شراسة، لتبدد الآمال وتوسع دائرة الدم والخراب.. فالهدنة الأولى تم توقيعها فى إبريل الماضى بوساطة دولية والهدنة الثانية تمت خلال يونيو عبر مذكرة تفاهم ثم جولات ووساطات جديدة فى منتصف يوليو الحالى لتثبيت التهدئة دون جدوى. اسئلة كثيرة تؤرق مضاجع شرفاء العالم لا يلتفت لها شرطى العالم فى نظام القطب الواحد والباقون ممن كنا نظنهم كبارا حجزوا لانفسهم -بخاطر او عن غير طيب خاطر- مقاعد بين الدول الكومبارس يكتفون بالفرجة رافعين شعار «ابعِدْ عن الشر وغنى له»، وكذلك فعلت الامم المتحدة ومجلس الامن والمحكمة الجنائية الدولية وجميع منظمات حقوق الانسان والمجتمع المدنى العالمية التى تعرضت للإقصاء بفعل فاعل.
هل آن الأوان لأن تدركوا أن استمرار دوامة التصعيد لن يصنع أمنًا ولن يحقق استقرارًا بل ستقود إلى مزيد من المآسى الإنسانية والخسائر التى يصعب تعويضها؟  إلى متى تستمر هذه الحلقات المفرغة من الهدن الهشة والانفجارات المتكررة؟ ومن يملك الإرادة الحقيقية لوقف هذا الجنون قبل أن تمتد نيرانه إلى ما هو أبعد من ساحات القتال؟ لقد آن الأوان لأن تتحرك الدول الكبرى والمجتمع الدولى بمسئولية، وأن تتقدم لغة السياسة على لغة السلاح، والحكمة على الانفعال، والحوار على صوت المدافع. فاستمرار هذا التصعيد لن يجر إلا مزيدًا من الضحايا، وقد يفتح أبوابًا لصراعات أوسع يدفع ثمنها الجميع بلا استثناء. أن العالم يقف اليوم أمام اختبار أخلاقى وتاريخي. فإما أن ينتصر لصوت العقل، ويوقف نزيف الدماء ويمنح السلام فرصة، وإما أن يظل شاهدًا على واحدة من أكثر المآسى الإنسانية قسوة فى عصرنا. ويبقى السؤال الذى يطارد ضمير العالم: من يوقف هذا الجنون .