الغربى عمران
«عمر أفندى» اشتهرت كعلامة تجارية منذ ما قبل الثورة المصرية 1952، أو بيت من بيوت المال التجارية فى مصر، ويتردد أن ذلك الاسم التجارى يعود لأسرة يهودية، أجلتها كما أجلت كثرة من أتباع الديانة اليهودية من مصر فترة حكم جمال عبد الناصر ولذلك حين وقعت عينى على عنوان هذه الرواية «سرايا عمر أفندى»، حضرت مشاهد وسط البلد فى القاهرة، وذلك المبنى القابع على إحدى النواصى، ولافتته الكبيرة عمر أفندى حين بدأت بقراءة الرواية خاب ظنى إذ أن الكاتب يحكى حياة مجتمع فى ريف مصر، وبالتحديد حياة أسرة مكونة من أبوين وثلاث بنات وولد واحد، وأن التسمية لقرية من قرى الشرقية، وصوت الولد محمود يحكى أيامه وصراعه مع الوهم والخرافة كفرد من مجتمع يستشرى فى أوساطه الإيمان بوجود الجن والعفاريت، وقدرتهم على إيذاء البشر. تستمر معاناة محمود الذى تلبسته حالة غريبة من الخوف والفزع لرؤية وسماع ما لا يرى ويسمع.
أم محمود ووالده ظلا قلقين على حالة ابنهم الوحيد، بعد ثلاث بنات: نعمة ومحاسن وفاطمة. يريدان لابنهم أن يتخلص من أوهامه وذلك الطبع اللين الذى عرف به، لتطلق عليه بعض النساء «حيلتهم».
الكاتب اعتمد فى بناء روايته، الصادرة عن دار الفاروق، على المراوحة فى نسج أحداثها، دون أن يعتمد خط زمنى متصاعد للأحداث، وبناها بمشاهد سردية متوالية، من خلال راو بضمير المتكلم «محمود»، ويمكن أن نقتص من أولى الصفحتين، من مفتتح بعنوان «وصية من العالم الآخر» موجها حديثه للقارئ «لقد ورثت لعنة تدعى عمر أفندى عن أبى الذى ورثها بدوره عن جدى، هذا هو السر الخطير الذى أريد أن أفضى به إليك سريعا، فليس هناك متسع من الوقت، أرجو ألا تسول لك نفسك اتهامى بالجنون، حتى لو كان لدى الشجاعة الكافية التى تجعلنى اعترف لك بأننى دونت هذا الذكريات المريرة التى بين يديك الآن، وإنا ممد على فراشى داخل مستشفى الصحة النفسية بالعباسية...».
ومن الفصل الأول الذى جاء بعنوان «1- أرض اللعنات» والذى كتب تحت العنوان ببنط أصغر «كل الشرور تبدأ وتنتهى فوق هذه الارض».
ثم بدأ يعرفنا بأن عمر أفندى قرية وسط حقول خضراء، فى الشرقية، ويحكى عن عودته من القاهرة فى بداية العطلة الصيفية إلى قريته عمر أفندى، لنعرف بأنه يدرس فى الجامعة كلية الإعلام سنة أولى، شارحا سبب عودته كطاعة لوالده الذى يريده دوما إلى جواره عزوة أمام سكان القرية، بينما هو كان ينفر من العودة، حيث يعانى بمجرد دخوله شوارع القرية من حالات جنون تعصف به.
إذ يحكى عن سماع أصوات من خلف الجدران، وضيق فى تنفسه حتى يكاد أن يختنق. ليعود فى صفحة تالية لذكر بواكير طفولته، واصفا ذلك النهار الذى هطلت فيه الأمطار على القرية: «كنا نلهو حينها ونحن صغار فى الحارة التى تحولت مع أمطار الشتاء إلى برك ومستنقعات، وفجأة أضحت الأرض تحت قدمى بركة من الدماء، صرخت بشدة بعد أن شعرت بقطعة من الزجاج تنغرس فى بطن قدمى العارية...» تكرر نزف الدم بين وقت وآخر، وكأنها لعنة أصيب بها.
بعد صفحتين يعود للحاضر مواصلا حكاية عودته من القاهرة، وذلك الضيق الذى يداهمه كلما دخل بيتهم، ليعود بعد صفحتين إلى الماضي: «فى العاشرة من عمرى على ما أذكر، كنت ألعب (استغماية) برفقة 3...»، يشرح فيها أثناء بحثه عن مخبأ حتى وصل إلى أطراف القرية، وهناك أذهله ما رأى، حيث برز من وسط العتمة قصر لا يشبه بيوت القرية فى ضخامته، ولم يكن قد رآه من قبل أثناء ذهابه وإيابه بصحبة والديه إلى الغيط، ليقوده الفضول إلى تسلق أسوار القصر، وبمجرد أن وطأت قدماه الأرض هاجمه خلق غريبى الهيئات والتصرفات، ليعرف فيما سيأتى بأنهم من الجن، وأنهم حراس ذلك القصر، ومن لحظة دخل ذلك القصر أصابته لعنة ظلت تلاحقه كلما دخل قريتهم.
بعد تلك الظواهر، يبدأ غموض الأحداث والمسميات يتضح رويدا رويدا لندرك أن الكاتب قد حولها إلى رواية رعب. وأن وراء كل ما يحدث أسرار، وعلى القارئ كشف أستارها، وأن عنوان الرواية لم يأت مصادفة، بل أنه موظف بشكل دقيق. وأن مراوحته بين الماضى والحضر، وتكتيكات النقلات السردية السريعة ما هى إلا تقنية بناء هذه الرواية، إضافة إلى تحولات أحوال «محمود» من حال إلى حال وبشكل متوالٍ، ما هو الا امتداد لتلك اللعنة.
أخيرا اقتنع والد محمود بترك ولده القرية والاستقرار فى القاهرة بعيدا عن معاناة وجوده فى القرية، بعد أن بدأ يظهر له كلب مستذئب، بل ووقوعه صريعا أمام باب الغرفة القبلية فى بيتهم، والتى يؤمن والده بأنها مسكونة بالجن. نجد محمود يشد الرحال بصحبة خاله عثمان بعيدا عن القرية، وأثناء الطريق خارج القرية يسقط محمود فى حفرة عميقة، يستغرب لخاله الذى لم يشعر بسقوطه، موقنا بأنه هالك داخل تلك الحفرة العميقة، لكنه فجأة يسمع أصواتا، وحين فتح عينيه يكتشف أنه لم يعد فى الحفرة، أو أن خاله إلى جواره، بل أنه كان يجلس على الكنبة المتداعية فى حوش بيتهم وحيدا وسط الظلام، ويسمع بوضوح صوت مؤذن الفجر، ثم فجأة يجد نفسه أمام باب الغرفة المشؤومة «القبلية»، ويرى بابها الذى كان والده قد أحكم إغلاقه بالسلاسل والأقفال، محطما، ويرى الكلب الأسود المستذئب يخرج مكشرا أنيابه، ثم ينتقل محمود ليحكى وجود والده والشيخ عربى الذى لديه القدرة على إخراج الجن... وهكذا نجد الكاتب بين سطر وآخر ينقل محمود من حال إلى حال، ومن وضع إلى آخر ومن مكان إلى ثان، بأسلوب أقرب لمحاكاة الهلوسة والأوهام التى يعيشها محمود، وهو ما يكرس فى ذهن القارئ حالته النفسية المضطربة.
ومن فصل بعنوان «3- رواية رعب» وتحت بنط أصغر «هذا الثقب الأسود على وشك أن يبتلعنِى للأبد».
تغير الراوى من صوت ضمير المتكلم، إلى راو عليم، ليحكى عن حياة نادية طبيبة أسنان، وأنها من زميلات محمود فى الجامعة، والذى تخرج ويعمل كصحفى فى أحد الصحف واسعة الانتشار، بل وأنها زوجته وأصبح لديهم بنتين.
خلال هذا الفصل نعرف أنه انقطع عن قرية عمر أفندى أكثر من 15 سنة، أثناءها مات والده ولم يحضر جنازته. وبناءً على نصيحة صديقه الطبيب الذى حكى له ماضى حياته فى القرية وأنواع الرعب التى عاشها هناك، لينصحه صديقه الطبيب بضرورة أن يقهر ما ترسب فى أعماق وعيه من رهاب الماضى، وأن يعود لزيارة قريته، بداية ظل مترددا إلى أن شاءت الصدف أن يكلفه رئيس تحرير الصحيفة التى يعمل بها، لعمل تحقيق صحفى خارج عن المألوف، ليجد أن ما كان يعيشه فى قريته خارج عن المألوف، ولحظتها يعود لزيارة قريته لإنجاز التحقيق الصحفى، وقهر رعب الماضي.
ولم يكن يتوقع ما ينتظره، وأن بزيارته لقريته يحيى أرواح الماضى، فبمجرد دخوله شوارع القرية ولقيا والدته، بُعثت تهيؤات ماضى أيامه، بل وأضحى يراها حقيقة، من هناك بدا ينجز تحقيقه ويرسل الصور عبر جواله مصحوبة بتقارير مفصلة عما يعيشه ويعيشه السكان، ليتطور الأمر ببث مباشر لما يدور على شبكات التواصل الإجتماعى.
خلال الفصول الأخيرة تنوع سرد الأحداث وتعددت أصواته، بين محمود وصوت الدرويش صالح الطيار، وخوان خواسيه، إلى هنرى جولدشتاين وأخيرا الروبوت كوبرا1.
أصوات تحكى عن جذور عمر أفندى القادم فى عهد مضى إلى مصر بثروة طائلة، وأن عنوان الرواية يعنى أسرارا كثيرة. فالجانب الموضوعى ظل يسير وفق الطريقة التى بدأها الكاتب، بالنقلات المتتالية بين الماضى والحاضر، إضافة إلى انتقال أحوال الشخصية الرئيسة محمود من حال إلى حال بنفس الأسلوب.
وبحبكات متقنة، يكشف الكاتب لقارئه ما غمض، فى رواية رعب، والعجائبية، بعد أن عاد يحكى منتصف القرن الفائت، وقدوم أسرة «جولدنشتاين» من بولندا إلى مصر، والتى وجدت فيها بعض الأسر اليهودية ملاذا من رعب الحرب العالمية الثانية، لتنشط تلك الأسرة فى مجال التجارة، ليحكى أن «عومير» الابن الأصغر للأسرة كان محبا للعزلة، ولذلك أراد بناء سرايا خارج ضجيج القاهرة، وكان له ذلك، إذ بنى قصره على تلة وبقربها مساحة، ضخمة، جعلها مقبرة، ممارسا سحر «الكابالا» على المكان ومن يسكنه، وعلى من يعاديه.
ليتضح فى نهاية الأمر أن سر عنوان الرواية، ووقوع سكان تلك القرية تحت تأثير لعنة قديمة هى لعنة سحر مارسه عمر أفندى، على من حوله من السكان وكان من ضمنهم جد محمود الذى أكلته النار، ثم أبوه، لتصل اللعنة إلى محمود وبها عاش حياه كابوسية طوال حياته.
يظهر «هنري» أحد أحفاد تلك العائلة اليهودية، حاملا لغل قديم على مصر، مخططا للانتقام لأجداده الذين طردهم عبد الناصر، باستخدام الذكاء الاصطناعى، مجهزا روبوتات بهدف السيطرة على مصر والعالم، لينقلب السحر على الساحر، ويتمرد الروبوت ويقتل هنرى، ويبدأ الروبوت بمساعدة زملائه الروبوتات بالسيطرة على مجريات الأحداث.
وهنا تنتهى الرواية وقد أمسى محمود نزيل مصحة عقلية، بعد أن أعلنت وسائط التواصل الاجتماعى عن اختفائه.
«سرايا عمر أفندى» رواية مشوقة بها تكنيكات سردية لافتة، وعمق تاريخى متخيل يبعث على الدهشة، ومسحة من رعب يتأرجح بين الغموض الغرائبى والخرافة المتوارثة عن القوى الغيبية.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







