سألت الرجل، فقال: هى أجزاء بساطتها فى حجمها الدقيق الذى لا يتجاوز أحيانا عقلة الاصبع، أما عملها فهو هائل
الدعوة التى تلقيتها حينها كانت غريبة على فهمي، من حيث نوع الدعوة والجهة الداعية وشكل الزيارة وإجراءات السفر وحتى الأماكن المقرر الوصول إليها.
الدعوة كانت لزيارة دولة تايوان فى العاصمة تايبيه، وصلتنى من البعثة التجارية والاقتصادية لتايوان وهى الجهة الوحيدة التى -كانت- تدعو وتمنع، تمنح تأشيرات الدخول وتحجبها عن آخرين بسهولة، كأنها وزارة خارجية غير معلنة، فهمت ذلك لما سألت العارفين وكثيرى السفر، أولا الدولة بلا أركان رسمية طبيعية للدولة بمفهومها المعتاد، فمثلا تأشيرة دخولها تُمنح من خلال مقرات لبعثات - يقال لها بعثة تجارية- موجودة فى بلدان محدودة جدا فى العالم كأنها سفارات ديبلوماسية.
المهم.. فلا الوضع السياسى عادى ولا ما تستأثر به الدولة عادى أيضا، كانت الدعوة لزيارة مصانع أشباه الموصلات فقط، ولم يكن الحديث عنها قد تعالى إلى هذا الحد، كان العامة وبعض المتخصصين غير المهتمين مايزالون لم يسمعوا عن هذه الأجزاء شيئا، بل هى مكونات تصنع فى مكان ما فى الدنيا وتأتى ليتم تركيبها فى الأجهزة ودمتم سالمين، أما ماهيتها أو دولتها او ماوراءها من صراع فلم يكن احدا يهتم، تبدو لى الصراعات السياسية مسألة فيصلية فى تعريف الناس بما لايهتمون له.
المصنع كأنه ثكنة يبعد أميالا طويلة عن العاصمة، أحد هذه المصانع يبعد أكثر من نحو خمس ساعات عن تايبيه، فى مناطق معزولة تمامًا، لم أفهم حينها لماذا هذا التعقيد والإجراءات لكن بعد عشر سنوات فهمت!
صحبونى فى أول الزيارة إلى قاعة لقاءات بالمصنع جميع الطرقات المؤدية لها من الجرانيت الأصم بلا نافذة واحدة أو باب، كأن شيئًا هنا لا يجب أن يفتضح أو يراه شخص، ثم راح محاضر من المصنع فى بالطو أبيض فاخر - عرفت بعدها أنه الرئيس التنفيذي- يشرح عن منتجات المصنع القائمة على السيليكون، وأخذ يصول فى أهمية هذه المكونات ويجول فى جدواها التكنولوجية ونجاعتها الفنية.
كنت المصرى العربى الوحيد بهذه الزيارة ضمن برنامج زيارات دقيق أعدته الدولة - تايوان- للتعريف بأهميتها، والحق بالحق يذكر أننى طوال ساعتين لم أفهم منه شيئا عن ذلك كله، لكن الحديث بدا شيقًا جدا لى لكن، ما هى هذه الأجزاء التى لا يصنعها أحد سوى هذه الدولة ليتهافت عليها العالم؟، سألت الرجل، فقال: هى أجزاء بساطتها فى حجمها الدقيق الذى لا يتجاوز أحيانا عقلة الاصبع، أما عملها فهو هائل فهى تستقبل التيار الكهربائى القوى ثم تتحكم فيه كما يتم برمجتها ثم توزعه فى خلايا بدقة، بل وتستطيع تخزين البيانات بطريق مؤقتة جدًا لحين عبورها لمناطق التوزيع فى الآلة الكبرى، ثم إنها لا تسخن ولا تفقد عملها، ثم إنها يمكنها استقبال الكهرباء ومن ثم تحولها لطاقة عملاقة باختلاف أنواعها، ليتم استخدامها فيما هى مخصصة له، إذن الحجم دقيق جدًا والفاعلية عظيمة، ثم ضحك وقال: ليس كل كبير فعال!
ثم صحبونا فى جولة بالمصنع - وهذا ما تم فى أربعة مصانع زرتها هناك- لأرى كيف تصنع هذه الرقائق، فى اللحظة التى اصطفيت زاوية تمكننى من رؤية واضحة، زغدنى أحدهم فى «جنبي» وطلب منى هاتفى بلطف مقنع وقال بإنجليزية حاسمة: التصوير ممنوع بتاتًا وإذا كنت قد صورت بالأحرى أن توضح ذلك فى إقرار، فتلجمت ورحت أقسم له بأن ذلك لم يحدث، ثم قال: أنصحك ايضا بألا تصف ما رأيت وصفا جيدا، ثم انصرف.
عرفت بعد ذلك أنه أمريكى الجنسية ومقيم بالمصنع مع فريق كامل ولم أفهم أيضا حينها لماذا، ثم فهمت بعد ذلك أيضًا. القصة طويلة وأنا احب الكتابة عن تايوان جدا لا من باب اليوميات والحواديت ولكن من ناحية غريبة جدا، فهذه ببساطة دولة منزوع عنها كل أمارات وكرامات وسلطات الدولة بالمعنى المفهوم، لكنها تنتج ما يتهافت العالم عليه، بل ويجدون فى سبيله ما يدفعون المليارات الطائلة لحمايته، فتظل تايوان محمية دائمًا من عالم لا ينقصه سوى منتجها وتظل هى - تايوان- دولة بلا اعتراف.

الفراعنة والمونديال!
ثلاثة مسارات إسرائيلية للتعامل مع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية
ضحايا العناد





