عبد الرحيم يوسف
عندما مرت السيارة التى أقلتنى من الإسكندرية إلى مطار القاهرة بمبنى سنترال رمسيس المحترق، صبيحة الثلاثاء 8 يوليو الماضي، أشار السائق إلى الدخان المتصاعد من أحد طوابق المبنى القديم العملاق، وإلى سيارات المطافئ والإسعاف فى الأسفل، ورجال الإطفاء فى الطوابق المحترقة، متعجبًا من استمرار الأزمة منذ الأمس.
بالتأكيد شعرت بالأسى والقلق، لكن جزءًا شريرًا بداخلى كان يقول لى إنى بعد قليل سأكون بعيدًا عن كل هذا.
وعندما أعود بعد أربعة أيام ستكون مشكلة الإنترنت المتقطع وبطاقات سحب النقود المتعطلة قد حُلَّت.
لم أكن أعلم أن أثر الحريق مثل أثر الفراشة لا يزول، أو بالأحرى مثل مدينة كڤافي، التى ستطارده فى كل مكان.

بداية الحكاية
كنت قد تلقيت دعوة كريمة من مؤسسة أوناسيس فى نهاية العام الماضى للمشاركة فى المدرسة الصيفية التى تنظمها المؤسسة كل عام حول الشاعر السكندرى قسطنطين كڤافى للحديث عن تجربتى فى تحويل عدد من قصائد الشاعر الكبير إلى أغنيات بالعامية المصرية.
أنشئت هذه المؤسسة عام 1975، عام وفاة المليونير اليونانى الشهير أرسطو أوناسيس، وعام مولد العبد الفقير إلى الله، بوصية منه لتخليد اسم ابنه الشاب ألكسندر أوناسيس الذى سبقه إلى الموت عام 1973 عن خمسة وعشرين عامًا فى حادث تحطم طائرة، وهو الحادث الذى أثر على أوناسيس الأب تأثيرًا بالغًا لم يعد بعده كما كان ومات فى مستشفى بباريس بعدها بعامين.
كان أرسطو أوناسيس ابنًا لتاجر تبغ يوناني، لكن الفتى بدأ مسيرته المهنية فى بوينس أيرس بالأرجنتين بمكتب صغير لاستيراد التبغ إلى قارة التبغ، ونافس بتبغه الخفيف التبغ الكوبى والبرازيلى ليستولى على صناعة السجائر للنساء.
ثم تحول لاحقًا إلى تأسيس شركات النقل البحرى والجوى وغدا أحد كبار أباطرة النقل على مستوى العالم. انتشرت أخبار إمبراطوريته المالية المتسعة ومغامراته العاطفية المثيرة مع المطربة العالمية ماريا كالاس لعقد من الزمان قبل أن يفاجئ العالم بزواجه من جاكلين كيندى أرملة الرئيس الأمريكى جون كيندي.
أنتجت السينما الأمريكية عام 1978 فيلمًا بعنوان «القطب اليوناني» عن علاقة أوناسيس بجاكلين كينيدي، وقام بدور أوناسيس فى الفيلم الممثل الكبير أنتونى كوين.
تعمل مؤسسة أوناسيس، كما يقول موقعها الرسمي، على تعزيز الثقافة والفنون والتعليم والعلوم من خلال برامج المنح الدراسية، ودعم المبادرات الثقافية فى اليونان والخارج، بالإضافة إلى المشاريع التعليمية.
ويحتل أرشيف الشاعر السكندرى الكبير قسطنطين كڤافى وتراثه مساحة بارزة من اهتمام المؤسسة التى تخصص على موقعها الإلكترونى قسمًا خاصًا باسم أرشيف كڤافي، ويعرض محتويات المساحة التى خصصتها المؤسسة فى مبنى صغير وجميل بوسط أثينا يضم أرشيف كڤافى الشخصى والشعرى ومكتبته الخاصة التى تضم 966 كتابًا، ومجموعة من الوثائق والأعمال الفنية التى تستلهم قصائده، ونموذجًا مصغرًا للمنزل الذى يضم متحف كڤافى فى الإسكندرية الذى قامت المؤسسة بتجديده وإعادة تصميمه وافتتحته رئيسة اليونان فى الإسكندرية منذ عامين وصار الآن تحت إشراف ودعم مؤسسة أوناسيس.

للعام السابع، تنظم مؤسسة أوناسيس فعالية بعنوان (مدرسة كڤافى الصيفية الدولية) فى أثينا، تدعو فيها على مدى أسبوع عددًا من الأكاديميين والباحثين لتقديم محاضرات وأوراق بحثية عن ثيمة تحددها كل عام تتعلق بعالم كڤافى الشاعر والإنسان.
كانت ثيمة هذا العام تحمل عنوان (كڤافى ومصر) وامتدت فترة المدرسة من 7 إلى 12 يوليو الماضي. جرت العادة أن يشرف على المدرسة كل عام أكاديميان مختلفان أحدهما يونانى والآخر من خارج اليونان.
وكانت المشرفتان لهذا العام د. هالة حليم الأستاذ المشارك للأدب المقارن ودراسات الشرق الأوسط فى جامعة نيويورك، ود. مارتا ڤاسيليادى الأستاذ المشارك لفقه اللغة فى جامعة سالونيكي.
تقوم المشرفتان بتقديم وإدارة اللقاءات والمشاركة فى تقييم واختيار الأوراق البحثية وترشيح المتحدثين الرئيسيين.
كان المتحدثون الرئيسيون السبعة هذا العام -بترتيب الأيام- د. صبرى حافظ الناقد المصرى الكبير أستاذ الدراسات الشرقية والأفريقية فى جامعة لندن، وحملت محاضرته عنوان (الحداثة المعيبة/المعاقة، مصر كڤافي)، د. ستيفانو جيانينى من جامعة سيراكيوز بنيويورك وحملت محاضرته عنوان (خرائط نوستالجية: كڤافى وأونجارييتى ومارينيتى ومدينة الإسكندرية المتوسطية)، ود. مونيكا حنا العميد المؤسس لكلية التراث الحضارى بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وحملت محاضرتها عنوان (عملات كڤافي: التراث الثقافى والذاكرة والخيال التاريخي)، د. يانيس باباثيودورو من جامعة باتراس وجاءت محاضرته بعنوان (كڤافى وستراتيس تسيركاس ومصر الحديثة)، د. يوليا بيبينيا من جامعة أرسطو بسالونيكى وقدمت محاضرة بعنوان (التجول فى مصر: الفرق المسرحية المتحدثة باليونانية فى الإسكندرية خلال تسعينيات القرن التاسع عشر)، كاتب هذا السطور وكانت مشاركته بعنوان (غناء كڤافى بالعامية المصرية)، د. إيمانويلا كانتسيا من جامعة ثيسالى وقدمت محاضرة عن (تحديد مكان كڤافى فى مصر، عن الشاعر وكُتَّاب سيرته).
تستضيف المؤسسة كل متحدث أربعة أيام فقط منها يوم محاضرته، ويلتزم المتحدث بحضور بقية الأيام الأربعة والمشاركة فى النقاشات. أما مقدمو الأوراق البحثية فيحضرون كل الأيام. اخترت أن أحضر فى الفترة من 8 إلى 11 يوليو وأعود إلى مصر يوم 12. وتوكلت على الله.

فاصل فى الكسل
كنت قد امتنعت عن السفر خارج مصر منذ عام 2015 صرت غير قادر على تقبل إجراءات الحصول على الفيزا المرهقة والمهينة فى رأيي انتهت صلاحية جواز سفرى عام 2018 فلم أجدده. تجدد خوفى القديم من ركوب الطائرات مع توالى أخبار تحطمها فى السنوات الأخيرة قلت ها هى العلامات تتوالى والزم مكانك يا فتى، واكتفيت من السفر بالذهاب إلى القاهرة على فترات متباعدة لحضور معرض الكتاب أو لأمر طارئ.
لكن حين كلمتنى د. هالة حليم العام الماضى عن ترشيحها لى للمشاركة فى مدرسة كڤافى الصيفية، وسألتنى إن كنت موافقًا، ترددت لحظة قصيرة قبل أن أعلن موافقتى وترحيبي. هذه مشاركة عن شاعر أحبه فى مدينة وبلد أحبهما وكنت أحلم صغيرًا بزيارتهما.
كما أن المشاركة بعد شهور طويلة يمكننى فيها أن أتجاوز تهيُّبى من السفر وإجراءاته. ورغم وصول الدعوة الرسمية للمشاركة فى نهاية العام الماضي، إلا أنى تكاسلت كعادتى حتى عن تجديد الجواز إلى أن جددته بعد توالى الرسائل الإلكترونية من المسؤولتين التنظيميتين: ماريانا خريستوفى وكريستينا كوستوجولو، طلبً لصورة الجواز لحجز الإقامة. وفى مارس الماضى جددت الجواز واندهشت لأن الأمر لم يكن مرهقًا كما توقعت.
أصبحت المسألة متوقفة على التقدم للحصول على الفيزا وبعد تردد منى طلبت مساعدة المؤسسة فى تحديد موعد فى قنصلية الإسكندرية لتقديم الأوراق. لم أكن أعرف أن هذا الإجراء صار فى ذمة التاريخ، وأن هناك وكالات خاصة تجرى فيها المقابلات الآن وتتلقى هى الأوراق المطلوبة ثم تعيد الجواز بالفيزا أو بدونها فى حالة الرفض.
أخيرًا تلقيت اتصالا من الشركة وأجريت المقابلة فى 18 يونيو، وأبلغنى الشاب الموظف بلطف شديد بعد أن أنهيت تسليم كل الأوراق العجيبة المطلوبة ودفعت المصاريف أنه متخوف من قصر الوقت وأن الفيزا ستستغرق وقتًا أطول من العشرين يومًا المتبقية. قلت له ربنا موجود وشكرته وانصرفت.
مرت الأيام دون خبر، وعندما وصلنا إلى يوم الجمعة 4 يوليو أرسلت لى ماريانا بأنهم نظرًا لكل هذا التأخير وتضاؤل فرصة وجودى فى أثينا يقترحون أن أقدم محاضرتى التى خُطط لها أن تكون يوم الجمعة 11 يوليو عبر الإنترنت، وأرسلت لى بالفعل رابط التطبيق. تملكنى إحساس مختلط بالحزن من ضياع الرحلة المرتقبة، والفرح لأنى سأستريح من عناء وقلق السفر، والكسل عن إنهاء تحضير مشاركتي.
كان الكلام موجودًا كله فى رأسى وقد أنهيت قراءة عدد من المراجع التى رأيتها مناسبة لتقديم محاضرة لن تقتصر على تجربتى فى تحويل القصائد إلى أغنيات، لكنها ستكون قراءة لتلقى كڤافى لدى الأدباء والمثقفين المصريين وبخاصة جيل التسعينيات. قلت ما زال أمامى أسبوع، خلق الله فيه العالم واستراح. ولن أعجز فيه عن تحضير عرض باوربوينت.

حين يفاجئك ما تنتظره
استيقظت ظهيرة يوم 7 يوليو على مكالمة من وكالة التأشيرة بوصول الجواز وضرورة ذهابى لاستلامه. استلمته وطرت على مكتب مصر للطيران لأرى إن كانت ما زالت هناك تذاكر فى رحلات الغد إلى اليونان، ووجدت بالفعل أماكن متاحة فى رحلتين اخترت أولاهما: العاشرة صباحًا. أكدت عليّ الموظفة أن أكون فى مطار القاهرة الساعة السابعة صباحًا.
وخرجت ومعى التذكرة لأهرول فى محطة الرمل كى أشترى مستلزمات سريعة للسفر عدت إلى البيت فى العصر لأتغدى ثم أنكب على تحضير عرض المحاضرة ببرنامج باوربوينت. لم أتوقع أن يستغرق الأمر منى كل هذا الوقت.
استخدمت هذا البرنامج مرة أو مرتين منذ سنوات بعيدة أيام اشتغالى بالتدريس. ولم يكن استخدامه هو المعضلة بقدر ما كان استغراقى فى التدقيق والمراجعة، وظهور أفكار مجنونة أثناء العمل مثل ترجمة مقاطع من كتب بالعربية وقصيدتين للشاعرين عماد أبو صالح وأحمد عبد الجبار اللذين سأقدمها كمثالين لتفاعل واستيعاب جيل التسعينيات وما بعده لشعر وحياة كڤافي.
دخل الليل وأنا ما زلت أعمل. اضطررت إلى النزول لاستكمال بقية التجهيزات، وعندها اكتشفت تأثير حريق السنترال الذى كنت قد قرأت أخبارًا عنه على الفيسبوك.
توقفت ماكينات الدفع الإلكترونية وأصبحت البطاقات البنكية غير ذات جدوى، وصار الإنترنت بطيئًا ومتقطعًا. عدت إلى البيت لأستكمل العمل على المحاضرة وأنا أدعو الله أن أتمكن من إرسال نسخة منه لكريستينا على البريد الإلكترونى كما طلبت.
ظللت أعمل حتى انتهيت منه فى الثالثة فجرًا وموعد وصول السيارة التى ستقلنى إلى مطار القاهرة فى الرابعة لا وقت للنوم!
وصلت مطار القاهرة قبل السابعة، وسارت إجراءات التفتيش وإنهاء السفر بسرعة ووجدت نفسى أمام البوابة التى سنخرج منها إلى الطائرة فى الثامنة والنصف.
جلست أقرأ قليلا مقاومًا الرغبة فى النوم وقد قاربت الأربع وعشرين ساعة مستيقظًا ومن وقت لآخر أنهض من مكانى وأصعد السلم إلى أقرب لوحة إعلان عن مواعيد الرحلات، إذ لا توجد أى لوحة فى الطابق الأرضى من مطار القاهرة الكبير حيث توجد بوابة رحلتي! فى المرة الثانية فوجئت بأن الرحلة تأجلت من العاشرة إلى الثانية عشرة ظهرًا! قررت أن أبقى فى الطابق العلوى لأتابع اللوحة بسهولة بدلاً من النزول والطلوع.
عندما اقتربت الساعة من الثانية عشرة، فوجئت بتأجيلها مرة أخرى إلى الواحدة والثلث! طوال هذا الوقت كنت أرسل التحديثات إلى كريستينا التى كانت تنتظر تأكيدى بموعد الإقلاع كى تتابع وصول الطائرة إلى مطار أثينا وترسل السائق ليقلنى إلى الفندق. المشكلة أن الإنترنت فى المطار كان ضعيفًا ويستغرق وصول الرسالة والرد وقتًا طويلاً، لكن الاتصالات الهاتفية كانت تعمل.
فبدأت أتصل بأميمة زوجتى فى الإسكندرية كى ترسل من هاتفها التحديثات لكريستينا، وتحول بيتنا إلى سنترال بالمعنى القديم بدلا من السنترال المحروق!
فى الواحدة أُلغيت الرحلة على اللوحة. سألت إحدى الموظفات التى وقفت أمام اللوحة وعلى جيب قميصها بطاقة اسمها، فقالت لى إن الشركة (مصر للطيران) اصطحبت مسافرى رحلتى إلى الفندق إلى أن يتبين الأمر.
وطلبت منى أن أرافقها إلى مدخل الصالة وأجلستنى مع مجموعة أخرى ممن فاتهم النداء الغامض الذى لم يسمعه غير مجموعة مختارة! بعد قليل أتى موظف كبير معتذرًا بحريق السنترال الذى تسبب فى حركة اضطراب لكل الرحلات، اعترض أحد المسافرين الذى بدت لكنته أمريكية واضحة وتأكدت عندما رأيت جواز سفره فى يدي، وقال إنه لا يصدق هذا الهراء.
كان واقفًا إلى جانبى فقلت له إن الموظف صادق فى مسألة حريق السنترال إن لم يكن يعلم به. اصطحبنا الموظف خارج دائرة السفر وأوقفنا أمام مكتب جانبى بعد أن جمع منا جوازات السفر، ثم خرج بعد قليل مناديًا على الأستاذ «ماضي» وهو اسم عائلتي.

اعتذر لى عن التأخير بلطف مدرَّب وسألنى إن كنت مصممًا على السفر اليوم أم أرغب فى الانتظار فى الفندق إلى الغد.
أخبرته أنى يجب أن أكون فى أثينا اليوم، فقال إن أقرب رحلة اليوم فى الرابعة والنصف عصرًا وأن الوقت لن يكفى للوصول إلى الفندق ثم العودة من جديد، قلت له إنى لا أريد الذهاب إلى الفندق وسأبقى هنا لكن هل سأضطر للقيام بإجراءات التفتيش من جديد؟ أجابنى نعم للأسف.
تناولت جوازى وعدت لأمر بالبوابات والتفتيش وخلع الحذاء والحزام والساعة ووضع الهاتف وكل هذه الأشياء فى سلة تمر بجهاز التفتيش بينما أعبر البوابة ويفتشنى أحدهم تفتيشًا ذاتيًا.. إلى آخره، من جديد.
مر الوقت ثقيلاً، وفقدت قدرتى على التركيز فى القراءة وكلما شعرت بتثاقل جفونى نهضت لأتمشى فى أرجاء المطار المليئة بالمحلات اللامعة والمطاعم التى تتشابه فى كل المطارات، أو اتصل بأميمة لأتبادل معها أطراف الحديث وأبلغها بآخر التطورات مرت الرابعة والنصف وتحول ميعاد الرحلة إلى الخامسة والثلث.
جلست عند البوابة المفترضة وسط حشد كبير من المسافرين؛ فقد جمعت هذه الرحلة مسافرى رحلة الصباح ورحلة المساء.
وعندما بدأنا نسأل أحد الموظفين أخبرنا أنهم فى انتظار وصول طائرة كبيرة تتسع لكل هذا العدد.
عند السادسة إلا الثلث بدأ خروجنا من البوابة وسط هرج ومرج كبيرين وقلة تنظيم فادحة، لدرجة أن الموظف صاح بأنه سيغلق البوابة فى ظل كل هذه الفوضى، فى أداء يليق بمدرس فى مدرسة ابتدائية فى الثمانينيات! أخيرًا نظم المسافرون أنفسهم ودخلتُ الطائرة فى السادسة وعشر دقائق تقريبًا، وأقلعت بنا فى السادسة والنصف تمامًا، بعد ما يقرب من اثنتى عشرة ساعة قضيتها فى مطارنا العريق!

أثينا ترحب بكم
وصلنا أثينا فى الثامنة والثلث مساء، بعد ساعتين تقريبًا. توقيت أثينا نفس توقيت القاهرة انتهت إجراءات الدخول بسرعة ملحوظة. وخرجت إلى منطقة استلام الحقائب. سرت أتطلع إلى الشاشات التى توضح رقم الرحلة ومدينة إقلاعها.
أول شاشة وجدت عليها رحلة قادمة من تل أبيب! وفى مرورى بجوارها تناهت إليّ كلمات عبرية من الواقفين ينتظرون حقائبهم رحلة كبيرة العدد، أتراهم سائحون أم هاربون؟ أكملت طريقى حتى وجدت رحلتى وانتظرت قليلا إلى أن رأيت حقيبتى الصغيرة تتهادى فقبضت عليها وخرجت أبحث عن السائق المنتظر.
اقتربت من حاملى لافتات الأسماء لأتبينها: فوجدت أسماء من قبيل عميخاى وبن عميتاى وحاييم، وقليلاً من أسماء مثل كيم ويانج.
لكنى لم أجد أى يوسف أو ماضى أو عبد الرحيم قمت بلفة أخرى على الأسماء، وحاولت عبثًا الاتصال بالإنترنت. أخيرًا قررت الوقوف فى طابور أمام فرع لشركة اتصالات لشراء خط يونانى حين وجدت أحدهم يهرول وهو يتصبب عرقًا رافعًا لافتة وجدت عليها اسم: يوسف.
كدت أبكى فرحًا وأنا أعترض طريقه معرفًا بنفسي حيانى بنظرات حيادية شاردة وبانجليزية ذات لكنة يونانية ثقيلة طلب منى أن أتبعه.
أدركت بعد قليل أنه يتحدث هاتفيًا مستخدمًا سماعة فى أذنه خرجنا من المطار المكيف الهواء لتلفحنا سخونة راكدة فى الهواء وسماء ما زالت زرقاء بعد أن غابت الشمس وراء جبال بعيدة.
طلب الرجل منى أن أنتظره دقيقة ريثما يحضر العربة. كنت أعرف أن جنوب أوروبا واليونان يتعرضان لموجة حارة، أنا القادم من الإسكندرية التى كانت درجة الحرارة فيها اثنتين وثلاثين أجد نفسى فى درجة حرارة ثمانية وثلاثين بعد دخول المساء! ماذا ينتظرنى أكثر من هذا فى هذه الرحلة العسيرة من قبل أن تبدأ؟
اقتربت منى سيارة ڤان مرسيدس سوداء، نزل منها الرجل وتناول حقيبتى منى وسط دهشتى ومحاولتى غير الجادة لمساعدته فى وضعها بمؤخرة السيارة. فتح لى الباب وجلست وراءه وانطلق معتذرًا بأنه سينهى مكالمة ضرورية.
الطرق المؤدية من المطار إلى وسط المدينة عريضة وناعمة ومن بعيد تلوح جبال تحيط بنا من الجانبين.
أنهى مكالمته ثم اعتذر لى مجددًا وتحوَّل الرجل المتجهم ذو الجسد الضخم والرأس الحليق والوجه الأحمر إلى شخص ودود تمامًا يوضح لى معالم الطريق ويشير إلى أبنية تاريخية وحديثة موضحًا لى ماهيتها، ويطمئننى أن أثينا آمنة خاصةً المنطقة التى سأقيم فيها وأنها تظل ساهرة إلى وقت متأخر وعامرة بالمطاعم والمقاهى والحانات.
بعدها بدأ يسألنى عن مشاركتى فى المدرسة وعملى ومعرفتى بكڤافي، معتذرًا لى عن ضعف إنجليزيته ومؤكدًا أن الناس فى أثينا يجيدون الإنجليزية أفضل منه ويمكننى أن أسأل العاملين فى المطاعم أو الناس فى الشوارع وسيجيبوننى بإنجليزية واضحة، فيما أؤكد له أن إنجليزيته جيدة وواضحة جدًا.
وصلنا إلى فندق أستور القريب من ميدان سينتاجما أهم ميدان فى أثينا شكرت السيد أسيماكِس، السائق، الذى ساعدنى مرة أخرى فى إنزال الحقيبة. بعد دقائق قليلة كنت فى غرفتى أخيرًا، فتحت جهاز التكييف وأخذت حمامًا سريعًا وأرسلت إلى أسرتى أبلغهم بوصولي، وغرقت فى نوم عميق.

السير على الخريطة
استيقظت فى الخامسة صباحًا، وبعد محاولات فاشلة للعودة إلى النوم، ارتديت ملابسى وصعدت إلى مطعم الفندق فى الطابق العاشر.
أعددت لنفسى طبقًا عامرًا وعدت لأجلس إلى مائدة بجوار الجدار الزجاجى الذى يحيط بالمطعم كله ويطل على معبد الأكروبول فوق تلة بعيدة لكنها واضحة.
فى هذه اللحظة أحسست أن الرحلة بدأت تكشف عن وجهها الجميل.
فى التاسعة والربع نزلت حاملاً حقيبة كتفى ممسكًا فى يدى خريطة طبعتها فى الإسكندرية وكانت كريستينا قد أرسلتها لى تبين الطريق من الفندق إلى (مندرة أوناسيس) أو القاعة التى تعقد فيها اللقاءات.
ذهبت إلى موظف الاستقبال لمزيد من التأكد، كعادتي، وأريته الخريطة التى لم تكن طباعتها جيدة. أشار إلى ناصية الشارع المقابلة لمدخل الفندق وقال لى من هنا تبدأ. شكرته وبدأت رحلتى الأولى مشيًا فى شوارع أثينا.
شارع طويل ضيق يحده رصيفان صغيران يتباين اتساعهما كلما تقدمت فى المشي، ونهر الطريق يكفى بالكاد لمرور سيارة واحدة، وفى أجزاء كبيرة منه يبدو مكسوًا بحجارة بازلتية منتظمة.
أسير مُنقلاً عينيّ بين الخريطة ولافتات المحلات المكتوبة بالحروف اللاتينية لا اليونانية، والمارة القلائل للغاية، وطاولات المطاعم على الرصيف أو فى الداخل الخالية أغلبها.
أحاول مطابقة ما أراه بالخريطة وبعد مسيرة دقيقتين فى نفس الشارع أتوقف وأنظر حولي، أشعر أنى يجب أن أنحرف يسارًا لكن الخريطة مجرد مسار بلا أسماء شوارع أو محلات.
أنتظر قليلا إلى أن تقترب إحدى المارات القلائل، أستأذنها وأنا أقدم الخريطة أمامى وأتراجع إلى الوراء حتى لا أثير قلقها، هكذا تعلمت عندما كنت فى ألمانيا منذ سنين، لكنها تقترب بلا وجل وتنظر إلى الخريطة ثم تشير إليّ بأن أكمل سيرى فى الشارع نفسه.
أتابع السير وبعد قليل أكرر التوقف وسؤال المارة عندما يقترب أحدهم. ألاحظ أن الناس هنا ودودون ومتعاونون، خاصة السيدات، رجل واحد هو الذى أبدى نفورًا وقال لا أعرف.
الموجة الحارة ما زالت قوية، الشمس ساطعة والهواء جاف بلا رطوبة ولا تلوث كبير يجف حلقى تمامًا وأعتقد أنى أضعت طريقى حين أجد محلاً كبيرًا يبيع المياه والمرطبات والتذكارات، والبائعة شابة ثلاثينية ذات عينين سوداوين واسعتين وشعر أسود منسدل على كتفيها.
فيها شيء مصرى ما. أتناول زجاجة مياه من الثلاجة وأدفع ثمنها وأنا أستأذنها فى إرشادى إلى مقر مؤسسة أوناسيس وأعرض عليها الخريطة.
تنظر إليها قليلا وتبتسم مشيرة عليّ بأن أدخل الشارع التالى مباشرة. شكرتها ودخلت إلى الشارع الصغير لأجد فى نهايته مقر مؤسسة أوناسيس.
أتنفس الصعداء لكنى أجد المبنى مغلقًا ولا أثر لمخلوق فى الجوار إلا محل تذكارات يرقبنى صاحبه العجوز بعينين يقظتين.
أتوجه إليه وأسأله فيؤكد لى أن هذا مقر أوناسيس لكن اليوم عطلة! أرجع إلى الشارع الذى جئت منه حيث ألاحظ بابًا فى سور حجرى طويل يدخل منه بعض الأشخاص. على الباب شابة ذات شعر مجعد كأنها خارجة للتوّ من أحد بورتريهات الفيوم.
تسألنى وأنا فى نصف الشارع: هل أنت مستر يوسف؟ عرفتك من صورتك أسلم عليها وتعرفنى بنفسها: كريستينا أدخل لأجد طاولة كبيرة مستطيلة يجلس إلى أقرب مقعد فيها د. صبرى حافظ أسلم عليه ثم أعانق صديقى السكندرى د. محمد عادل دسوقى وأحيى د. ميرهان أمين أستاذة الفنون الجميلة والمشرفة على متحف كڤافى بالإسكندرية. وأشعر أنى فى بيتى أخيرًا.

أيام المدرسة
كان افتتاح المدرسة يوم الإثنين 7 يوليو بجلسة ترحيب وملاحظات من مشرفتى البرنامج: د. هالة ود. مارتا وشهد هذا اليوم أيضًا محاضرتى د. صبرى حافظ ود. ستيفانو جيانينى اللتين أشرت إليهما سابقًا. ونوقشت ورقة بحثية واحدة قدمها ديميتريوس كوسولاس من جامعة مونستر بعنوان (المشهدية سرحية فى مقدونيا ومصر.
قصائد كڤافى فى ضوء البيانات الأثرية والعملاتية والأدبية والنقشية للفترة الهلينية المبكرة) بدأ اليوم الثانى بمحاضرة د. مونيكا حنا ثم نوقشت على مدار اليوم ثلاث ورقات بحثية: (كڤافي، تحفة متأخرة جدًا) ليانيس دوكاس من جامعة جالواي، و(«مدينة الذاكرة» فى شعر كڤافى وأعمال أسيمان) لمَلَك حسنى من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، و(عن كڤافى والمتاحف والتاريخ الاستعمارى للآثار) لإيمان عفيفى من جامعة أوسلو. وقد فاتنى هذان اليومان.
بعد وصولى بدقائق بدأ اليوم الثالث بمحاضرة د. يانيس باباثيودورو، ثم قدم الباحث والروائى نيكولاس كالوجيروس من جامعة ثيسالى ورقته البحثية بعنوان: «إعادة تخيل كفافى فى مصر المستعمَرة: منظور ستراتيس تسيركاس ما بعد الكولونيالى الأوَّلي»، ثم قدمت الباحثة البلغارية أليكساندرا ميلانوفيتش من جامعة بلجراد ورقة بحثية بعنوان (موقف كڤافى من المعاملة الاستعمارية للمصريين) ثم أخذنا استراحة الغداء.
جلس البعض فى حديقة صغيرة ملحقة بالمندرة، لكن الحرارة اللافحة جعلتنى أفضل تناول طعامى فى الهواء المكيف بالداخل إلى جوار د. صبرى حافظ ونحن نتبادل أطراف الحديث عن آخر كتبه المنشورة فى دار المعارف عن طه حسين وعن الوضع العام للكتاب فى مصر، وإلى جوارنا جلس د. محمد عادل دسوقي، من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، يتناول طعامه دون أن يرفع عينيه عن مراجعة ورقته البحثية التى قدمها بعد الغداء مباشرة وجاءت بعنوان: (بين الواقع والشعر: استقصاء أثرى لإسكندرية كڤافي) تتبع فيها بدقة وإمتاع خريطة حياة وتحركات كڤافى فى الإسكندرية والبيوت التى سكنها أو تردد عليها بين الماضى والحاضر من خلال الفوتوغرافيا القديمة والحديثة والخرائط والوثائق.
حظيت الورقة بمناقشة قوية وإعجاب كبير، وأطلقت د. مارتا على دسوقى فى تعليقها: مستر شيرلوك هولمز الجديد. وأبدى بعض الحاضرين استحسانهم لكون العرض قد قدم لهم لأول مرة صورة لما تخيلوه عن الإسكندرية التى عاشها كڤافي.
بعد انتهاء فعاليات اليوم اصطحبتنا ماريانا فى جولة بمتحف كڤافى بالمبنى الرئيسى الذى وصلتُ إليه صباحًا وكان مغلقًا. بالإضافة إلى محتويات المتحف التى أشرت إليها سابقًا، أعجبتنى الإضاءة التى اعتمدت على مصابيح بالغة الصغر فى أطراف شمعدانات ودعامات رفيعة طويلة منحت المكان إضاءة الشموع التى كان كڤافى يفضلها على الكهرباء.
انتهى يومى الأول قرب السادسة مساء وتبادلت التحيات مع زملاء المدرسة ثم عدت إلى الفندق وقد صرت أكثر معرفة بالطريق. بعد وصولى والاستحمام وتغيير الثياب، تواصلت قليلا مع الأصدقاء والأسرة عبر الإنترنت، ثم نمت فى التاسعة مساء تقريبًا.
بدأ اليوم الثانى على شاكلة اليوم الأول: استيقاظ مبكر، تناول للإفطار اللذيذ فى المطعم اللذيذ، ثم نزول فى التاسعة والربع وتمشية إلى (المندرة) بثقة أكبر ودون سؤال أحد وصلت قبل وصول أغلبية المشاركين.
قبل العاشرة جرى الاتصال بالدكتورة هالة حليم، التى لم تستطع أن تحضر من أمريكا لكنها كانت موجودة عبر الإنترنت طوال الوقت وكانت الأنشط فى المناقشة والتعليق، لتأكيد الاتصال.
ثم فى العاشرة والربع بدأت محاضرة د. يوليا بيبينيا التى قدمت عرضًا شيقًا لجولات الفرق المسرحية اليونانية فى الإسكندرية فى العقد الأخير من القرن التاسع عشر، والتى حضر بعضها كڤافى فى الأغلب.
وبعد الاستراحة قدمت ميرهان أمين من جامعة الإسكندرية ورقتها البحثية بعنوان (مسرح الأبدية: تأويلات بصرية لإسكندرية كڤافى التاريخية) استعرضت فيها عددًا من الأعمال الفنية سواء التشكيلية أو أعمال الفيديو الغربية والمصرية التى استلهمت أشعار كڤافي، وكان من المفترض أن يصاحب العرض معرض رقمى على منصة إنترنت لأعمال صممتها ميرهان لكن الرابط لم يعمل وفقدنا فرصة مشاهدة تجربتها الثرية، لكن المحاضرة كانت مليئة بالمعلومات والنقاشات.
بعدها قدمت صوفيا زيسيموبولو من كلية أثينا للفنون الجميلة ورقة بعنوان («ما زالت الإسكندرية هى الإسكندرية رغم كل شيء»: علاقة كڤافى بمصر من خلال الأفلام الوثائقية فى ثمانينيات القرن العشرين)، والتى عرضت كذلك لأفلام وثائقية حديثة، منها فيلم صُور عام 2017 فى الإسكندرية مع عدد من الكُتاب السكندريين عن علاقتهم بشعر كڤافي، وللمصادفة كنت أحد هؤلاء الكُتاب!
بعد استراحة الغداء كان هناك وقت حُر حتى الخامسة إلا الربع حيث بدأت محاضرة أدائية بعنوان (مجموعات نجمية طيفية) قدمتها عبر الإنترنت الأستاذة راوية صادق من القاهرة والباحثة ماريا سيديرى من باريس. تأخرت المحاضرة بعض الشيء وتعطلت كثيرًا بعد أن بدأت بسبب الإنترنت المتقطع فى مصر بسبب حريق السنترال! قدمت المحاضرة تقاطعات لنصوص شعرية وتاريخية وسير ذاتية تتعلق بالكاتبة والمناضلة المصرية درية شفيق وكڤافى وشخصيات أخرى. تأثرنا فعلا بنصوص الأستاذة راوية عن درية شفيق وشهادتها عنها، لكن الإنترنت المتقطع أضاع تركيز الحضور للأسف.
انتهى اليوم الرابع من المدرسة والثانى لى متأخرًا كنت منهكًا تمامًا، لكنى اتفقت مع الزملاء المصريين على قضاء الوقت معًا وعدم العودة إلى الفندق مباشرة. اعتذرت ميرهان لشعورها بالإرهاق واعتمدنا أنا ود. دسوقى على الزميلتين الشابتين ملك وإيمان اللتين كانتا شعلة من النشاط والحركة.
عرفت منهما أنهما طوال الأيام الماضية قامتا بجولات مختلفة وطويلة، فذهبتا إلى متاحف وصعدتا بالتليفريك إلى الأكروبول وشاهدتا القمر من فوق تلته، وحضرتا عرض عرائس مسرحي. طلبنا أنا وعادل منهما أن نرافقهما فرحبتا مشكورتين.
تمشينا من مقر المدرسة مسافة طويلة، ومررنا بحديقة أمامها ثلاثة تماثيل نصفية لكُتاب الدراما الإغريقية الكبار: إسخيلوس، ويوربيديس، وسوفوكليس.
التقطنا لهم صورًا وتابعنا طريقنا، لنمر بسفارة مصر فى أثينا ومبنى البلدية الجميل فى طريقنا إلى متحف الفن السيكلادى (نسبة إلى مجموعة جزر سيكلاديز، أو «الجزر المحيطة» التى تقع فى بحر إيجة وتشتهر بحضارة العصر البرونزى أو الحضارة السيكليدية، وكانت مركزًا لحضارة العصر البرونزي) يقع المتحف فى بناية جميلة من أربعة طوابق.
ضم الطابق الأرضى معرضًا مؤقتًا يستمر حتى نوفمبر القادم لأعمال الفنانة الهولندية مارلين دوماس، التى وُلدت فى جنوب أفريقيا عام 1953، وتُعد واحدة من أشهر الفنانات التشكيليات المعاصرات.
يضم المعرض أكثر من أربعين لوحة للفنانة من فترات مختلفة فى عملها، ومنها لوحات رسمتها متفاعلة مع أربع عشرة قطعة أثرية من قطع المتحف.
وفى قسم من المعرض، يدور باستمرار فيلم وثائقى تتحدث فيه الفنانة عن تجربتها وحياتها.
يضم الطابق الأرضى أيضًا مطعمًا واسعًا ومساحة لبيع نسخ مقلدة من القطع الأثرية والحلى السيكليدية التقليدية.
أما بقية الطوابق فتضم معروضات من فترات مختلفة فى حياة الجزر منها أدوات الحياة اليومية والزينة والقدور الخزفية والأسلحة وشواهد القبور.
وفى الطابق الأخير عرض مستمر على الجدار لفيلم وثائقى يلعب فيه الممثلون شخصيات من هذه الحضارة القديمة فى طقوس عملهم وزواجهم واحتفالاتهم على خلفية من موسيقى تقليدية ساحرة.
بعد جولة المتحف الممتعة والمرهقة، ركبنا الأوتوبيس إلى واحدة من أكبر مكتبات بيع الكتب فى أثينا: بيلوتيَّا. تبدو المكتبة وكأنها ثلاثة متاجر ضخمة متجاورة، لكل واحد منها مدخل خاص.
فى المتجر الأول الذى يضم كتبًا كثيرة بالإنجليزية رحب بنا كڤافى بعد المدخل مباشرة فى طبعات مختلفة أنيقة، إلى جوار طبعات أخرى لأعمال كازانتزاكيس. قاومت رغبتى فى الاقتناء بالخروج وانتظار الرفاق إلى أن أنهوا جولتهم.
بعدها تمشينا قليلا ووجدنا مبنى تاريخيًا يسمى الأكاديميا التقطنا الصور أمامه هو ومبنى تاريخى آخر عرفنا أنه يجرى الاحتفال فيه بتخرج الدفعات الجامعية. أمامه كانت عروس وعريسها يلتقطان صورًا فى جلسة تصوير حميمية.
وعلى الرصيف جلست مغنية متوسطة العمر إلى جوار رفيقها الذى يقوم بالعزف وقد تجمع الناس حولهما مبتهجين بالموسيقى الراقصة الجميلة.
كان التعب قد بلغ منا مبلغه، واتفقنا على العودة إلى الفندق بعد هذا اليوم الطويل. خاصةً وأنى كنت فى حاجة إلى الراحة والاستعداد لمحاضرتى صباح الغد.
عدت إلى الفندق وظللت أراجع عرضى على الباوربوينت وأعدله ثم أرسلت النسخة الأخيرة إلى كريستينا شعرت بالجوع فنزلت لأول مرة ليلاً منذ جئت.
بالفعل كما قال لى أسيماكس، كان الشارع الذى يطل الفندق على ناصيته والذى أسير فيه يوميًا فى طريقى إلى مؤسسة أوناسيس ساهرًا وعامرًا بالناس فى المطاعم والمقاهي دخلت مطعمًا لطيفًا تناولت فيه العشاء وكوب ليموناده أرجوانى اللون أنعشني، وعدت كى أنام استعدادًا لمواجهة الغد.

اليوم الأخير
وصلت المندرة فى موعدي، قبل العاشرة بدقائق راجعت مع كريستينا توصيلات الأجهزة بالشاشة، وطالعت عرضى سريعًا لأتأكد من أنه العرض الصحيح بعد التعديلات والتحديثات التى أضفتها فى اليومين السابقين كان الزملاء قد بدأو يتجمعون فى المكان ويتجهون إلى المقصف الصغير فى نهاية القاعة بالقرب من السلم المؤدى إلى الطابق الأعلى والمكاتب الإدارية، حيث تقف كل يوم ديمترا، وهى شابة جميلة مسؤولة عن المقصف وراء طاولة اصطفت عليها غلاية ماء وقنينتان ضخمتان فيهما عصائر فاكهة متنوعة، وأطباق من الفاكهة والمقرمشات والمخبوزات.
ذهبت إليها فاستقبلتنى بابتسامتها المعتادة وسألتنى إن كنت أريد شايًا أم قهوة باللبن كما تعودت مني قلت لها إنى سأتناول عصيرًا وكوبًا من الماء لأنى عندما أتوتر يجف ريقى كما أنا الآن.
صببت لنفسى من عصير الفواكه وقبل أن أملأ كوبًا من الماء وجدتها تناولنى زجاجة ماء وقالت لى ربما تحتاجها. شكرتها واتجهت إلى رأس الطاولة بعد أن دعتنى ماريانا والحضور لبدء اللقاء.
بدأت محاضرتى بشكر الحضور ومؤسسة أوناسيس ود. هالة حليم على ترشيحها لي، وقلت إن مشاركتى تتعلق أساسًا بعرض تجربتى فى تحويل بعض قصائد كڤافى إلى أغان بالعامية المصرية لحنها وغناها الفنان خالد شمس منذ خمسة أعوام، لكنى سأتكلم أيضًا عن تلقى كڤافى من جانب الأدباء والمثقفين المصريين، خاصة شعراء جيل التسعينيات وما بعده.
كانت البداية لقاء دعانا إليه المترجم والصديق د. خالد رؤوف، أنا وصديقى الفنان خالد شمس، فى منزله فى صيف 2020 وسط الحظر والقلق. عرض علينا رؤوف، الذى كان يدير وقتها البرنامج الثقافى للمركز اليونانى بالإسكندرية، فكرة المشاركة فى احتفالية المؤسسة الهلينية التى يتبعها المركز بذكرى كڤافى ذلك العام عن طريق غناء بعض قصائده.
قال لنا إن هذه الاحتفالية ستتم عبر عدة دول ولغات، وأننا سنصور هذه الأغانى ونرفعها على اليوتيوب مع أغنيات من كتالونيا أيضًا هى ترجمات لقصائد كڤافي. وعندما أبديت شكى فى قدرتى على تحويل قصائد كڤافى إلى أغنيات بالعامية، قاطعنى رؤوف ليقول لي: ولكنك فعلتها من قبل! وذكَّرنى بأنى كنت قد حولت قصيدة الشموع الشهيرة لكڤافى إلى أغنية، أو إلى رباعية بالعامية على وجه الدقة، ضمن أوبريت قديم عن الإسكندرية كتبته منذ عشرين عامًا ضمن مشروع موسيقى فاشل.
وافقت مترددًا ومتخوفًا، وبعد أيام قررت المحاولة وبدأت بقصيدة إيثاكا، وسرعان ما وجدت تشجيعًا من زميلى التجربة فعملت على ثمانِ قصائد أخرى لحَّن شمس منها أربعة وصرنا مستعدين لتصويرها فى ديسمبر من ذلك العام، 2020.
يبدو كڤافى الآن جزءًا من المتن الثقافى لأغلب الشعراء المصريين، حتى لو بمعرفة قصائده المشهورة فقط، مثل المدينة وفى انتظار البرابرة وعندما تخلت الآلهة عن أنطونيو. لكن الوضع لم يكن هكذا طوال الوقت فقد تأخرت ترجمة قصائد الشاعر السكندرى الكبير إلى العربية فترة طويلة.
فى كتابها المهم والمدقق (الكوزموبوليتانية السكندرية: أرشيف) الصادر عن المركز القومى للترجمة عام 2022 بترجمة عبد المقصود عبد الكريم، تتتبع د. هالة حليم فى قسم صغير من الفصل الطويل المكرَّس لكڤافيس فى الكتاب تاريخ ظهور ترجمات قصائد شاعرنا إلى العربية.
ترجم الشاعر الكبير سعدى يوسف 120 قصيدة ظهرت عام 1979 بعنوان «وداعًا للإسكندرية التى تفقدها»، وفى العام نفسه نشر الأديب المصرى إبراهيم منصور تعليق المترجم الأمريكى إدموند كيلى على شعر كڤافى مع تسع قصائد مترجمة إلى العربية.
كانت هذه الترجمات عن طريق لغة وسيطة؛ هى الإنجليزية وكان على المشهد الثقافى أن ينتظر إلى عام 1991 حتى تصدر الأعمال الكاملة المعتمدة لكڤافى مترجمة من اليونانية إلى العربية عن طريق د. نعيم عطية تحت عنوان (ديوان كڤافيس: شاعر الإسكندرية 1863-1933)، وبعدها بعام صدرت ترجمة لمختارات من كڤافى عن اليونانية أيضًا ترجمها د. حمدى إبراهيم. لكن الشاهد أن نعيم عطية كان يعمل على ترجمة كڤافى منذ سنوات بعيدة.
فى كتابه «أنشودة للبساطة» يخصص يحيى حقى الفصل الذى يحمل عنوان الكتاب، وتحديدًا القسم الأخير منه، للحديث عن ترجمة لقصائد كڤافى قرأها فى شرفة منزل صديقه نعيم عطية التى تطل على النيل، يقول حقى فى ذلك:
«ما أسهل الكلمات، ما أبسطها، ما أعذبها، المعانى مبرأة من التعقيد ومن الشطارة.. ليس المهم فى هذه القصائد ما تقوله، بل ما تنم عنه، تحسب أنك تقرأ حكاية من حكايات كل يوم.. عن لقاء عابر، عن ليلة تضيئها الشموع فإذا بما تقرأ هو فى الوقت ذاته خلاصة مأساة الإنسان إزاء قدره.»
كُتب هذا المقال عام 1967 وصدرت الطبعة الأولى من كتاب أنشودة للبساطة عام 1970 فى الوقت نفسه تقريبًا تعرَّف الفنان والشاعر المصرى أحمد مرسى على قصائد كڤافى بالإنجليزية وبدأ العمل على ترجمة بعضها، لكنها لم تظهر مطبوعة فى كتاب إلا عام 1992 بعنوان (كڤافى شاعر الإسكندرية..متتابعة جرافيك) يضم ترجمته لست وأربعين قصيدة عن الإنجليزية اعتمادًا على ترجمة راى دالڤين التى صدرت طبعتها الأولى 1948 ثم أضاف مرسى قصائد أخرى من طبعة 1976، كما يضم الكتاب ترجمة مرسى لتقديم الشاعر و. هـ. أودن لشعر كڤافي، وترجمة قامت بها زوجة مرسى السيدة أمانى فهمى للسيرة الذاتية التى كتبها دالڤين، بالإضافة إلى 12 لوحة مطبوعة رسمها مرسى مستوحيًا قصائد وشخص كڤافي. يقول مرسى فى تصديره للكتاب:
«وبعد مرور أكثر من عشرين سنة على إعدادى لأول كتاب عربى عن كڤافي، اكتشف بعض النقاد المصريين الشاعر السكندرى أخيرًا ونحن على أبواب نهاية القرن العشرين. فشعرت بالذنب والخجل معًا.»
تتفق إشارة مرسى الأخيرة إلى «مجهولية» كڤافى وسط المثقفين المصريين مع كلام الناقد الراحل رجاء النقاش فى إحدى دراستين كتبهما عن تناص الشعراء المصريين مع شعر كڤافي، وتحمل هذه الدراسة عنوان «قصيدة مصرية وشاعر يوناني»، ويقول فيها النقاش إن الكُتاب المصريين فى الجزء الأول من القرن العشرين لم يهتموا «بهذا الشاعر الذى كان يعيش بينهم ولم يدركوا قيمته الكبيرة».
ترى هالة حليم أن هذا الرأى الجازم لا يضع فى اعتباره حاجز اللغة وتأخر ترجمة قصائد كڤافي، كما أنه يتغاضى عن تفاعل الشعراء والمثقفين الذين كانوا يقرأون أو يكتبون بلغات أخرى، ومنهم الشاعر أحمد راسم الذى كان على معرفة قوية بكڤافى وأهداه نسخة من ديوان له بالفرنسية (رأيت هذه النسخة فى متحف كڤافى بمؤسسة أوناسيس فى اليونان ضمن مقتنيات مكتبة شاعر الإسكندرية).
أو حتى مع الدليل الذى استخدمه النقاش نفسه وهو رأى العقاد فى شعر كڤافى الذى وصفه بأنه «دون القمة وفوق السفح المنحدر»؛ فرغم تعالى هذا الرأى وإطلاقية حكمه، لكنه رأى يعكس معرفة، حتى ولو سطحية، بالشاعر وأعماله يرى النقاش بعد ذلك أن الكُتاب التجريبيين فى الخمسينيات والستينيات هم الذين رأوا فى كڤافى «فنانًا بالغ القيمة والأهمية»، وأن صلاح عبد الصبور على وجه التحديد تأثر بقصيدته التى كتبها عن دنشواى فى قصيدته «شنق زهران». ويجد المطالع لكتابى عبد الصبور: «حياتى فى الشعر» و«على مشارف الخمسين»، تأملات من شاعرنا الكبير فى بعض قصائد كڤافي، وتقول هالة حليم إن عبد الصبور «فى موضع آخر» ترجم ثلاثًا من قصائد كڤافي: من الفيلسوف الشهير، العجوز والمقهى، إيثاكا.
لفت انتباهى أن الشاعر والفنان أحمد مرسى فى تصديره لكتابه يقول: «كشاعر وفنان تفتحت مداركه فى إسكندرية الأربعينات، كان لاسم قسطنطين كفافيس دائمًا وقع سحرى خاص، مثل وقع اسم سيد درويش فى ذلك الوقت، برغم أنى لم أكن قرأت شيئًا من شعره.» هل يقصد الفنان ذيوع اسم كفافيس فى الوسط الثقافى السكندرى الكوزموبوليتانى وقتها؟ فى كتاب سام بردويل (السريالية فى مصر: الحداثة وجماعة الفن والحرية) الذى سعدت بترجمته العام الماضي، يذكر الكاتب أنه عندما أتى لورنس داريل إلى مصر فى ربيع 1941، التقى ببرنارد سبينسر وروبن فيدن وأسسوا معًا مجلة أدبية باسم (بيرسونال لاندسكيب) أو المشهد الشخصي، وأن إيمى نمر، الفنانة التشكيلية ابنة الصحفى المعروف فارس نمر أحد مؤسسى مجلة المقتطف فى مصر، نشرت بها عام 1945 مقالاً نقديًا أدبيًا عن شعر كفافيس، وأن داريل كان يعتبر إيمى واحدة من أبرز الخبراء فى أعمال الشاعر اليوناني.
سيترسخ هذا الحضور لشاعر الإسكندرية مع ظهور الترجمات المتواترة لأعماله الكاملة أو مختارات منها طوال التسعينيات والعقد الأول من الألفية وحتى ظهور طبعة الأعمال الكاملة له بترجمة الشاعر الراحل رفعت سلام عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2011. وسيصبح تناص الشعراء مع قصائده وتناولهم لشخصه أكثر وضوحًا وانتشارًا.
فى محاضرتى قدمت مثالين على ذلك من جيل التسعينيات: الشاعر السكندرى أحمد عبد الجبار وقصيدته «هذه الشوارع لم تكن هنا من قبل» التى ضمها ديوانه الصادر عام 2013 عن دار كلمة بالإسكندرية وحمل الديوان العنوان ذاته للقصيدة.
ترجمتُ القصيدة إلى الإنجليزية وقرأتها مشيرًا إلى أن عبد الجبار على عكس كثير من الشعراء الذين تأثروا بقصائد كفافى «الوجودية» أو العامة، تأثر هنا بقصائده التاريخية وقدم مزجًا فنيًا لتواريخ متباينة من ماضى الإسكندرية وحاضرها فى عمل واحد. بينما كان المثال الثانى هو الشاعر عماد أبو صالح الذى وصفته بأنه يمثل «حالة كفافية» فى حد ذاته؛ بابتعاده المتعمد عن الأضواء، وإصراره لما يقرب من الثلاثين عامًا على إصدار قصائده فى طبعات خاصة على نفقته وتوزيعها بنفسه مجانًا على من يطلبها منه لأنه يرى أن «الشعر لا يباع».
تخلى أبو صالح مؤخرًا عن هذه الأرثوذكسية الكفافية بعد ضغوط كبيرة من محبيه وبعد أن تبين له خطر عدم وجود طبعة مدققة وصحيحة من أعماله بعد أن انتشرت على الإنترنت فى منتديات وصفحات لا تتوخى الدقة دائمًا.
هكذا، وبينما كنت ألقى محاضرتى فى أثينا، كانت الأعمال الكاملة لعماد أبو صالح يُعلن عن قرب صدورها فى القاهرة.
وقبلها بسنتين تقريبًا نشر أبو صالح كتابه «يا أعمى» فى دار نشر سعودية، واحتلت الغلاف صورة من الخلف للشاعر متطلعًا فى تقديس وإجلال إلى بورتريه لكفافيس فى متحفه بالإسكندرية (كنت محظوظًا بوجودى أثناء التقاط هذه الصورة فى ديسمبر 2018، ولعلها واحدة من الصور التى التقطتها أنا شخصيًا بهاتف عماد أو التقطها الصديق أحمد شافعى بهاتفه). ترجمت نصًا من كتاب «يا أعمى» وقرأته فى محاضرتي، وذكرت أن عماد له نصوص عديدة عن كفافيس سواء فى دواوينه، أو فى ورقة كتبها خصيصًا من أجل مؤتمر عُقد عام 2019 فى مكتبة الإسكندرية ودُعى عماد للمشاركة فيه فوافق وأرسل ورقته، لكنه يوم مشاركته اختفى كالعادة ولم يحضر، فدفعنى الصديق خالد. رؤوف والسيدة ستافرولا سبانودى مديرة المركز الثقافى بالإسكندرية إلى صعود المنصة دفعًا (حرفيًا) ورحب بى مدير المنصة على أنى الشاعر المصرى عماد أبو صالح، وبدأت حديثى بالاعتذار بأنى لست عماد وأنى سأقرأ ورقته -التى لقيت تصفيقًا حارًا من الحضور المصري- بدلاً منه لتغيبه بسبب ظرف طارئ.
والتُقطت لى صورة وأنا أقرأ وأمامى ورقة مكتوب عليها اسم عماد صارت محل تندُّر الأصدقاء على الفيسبوك، وقلت إن هذه حالة انتحال شخصية على الرغم من أنف المنتحل.
ثمة حكاية أخرى أوردتها فى محاضرتى كنت قد سمعتها من صاحبيها بشكل شخصي، وأوردها الباحثان صامولى شيلكه ومختار سعد شحاته فى كتابهما (هوامش مشتركة: دراسة إثنوجرافية مع كُتاب من الإسكندرية بعد الثورة) الذى صدرت ترجمتى له هذا العام. أورد هنا المقطع الذى قرأته فى المحاضرة من الترجمة العربية:
«فى تسعينيات القرن العشرين، طورت دائرة الكُتَّاب الشباب الملتفون حول مجلة (خماسين) اهتمامًا بتاريخ الأدب غير العربى الصادر من الإسكندرية. كانت الإسكندرية فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين موطنًا لكثير من الكُتَّاب باليونانية والإيطالية والإنجليزية.
وكان أشهرهم هو الشاعر اليونانى قنسطنطين كفافيس (1863-1933) الذى عاش معظم حياته فى الإسكندرية.
وقد غدت شقة كفافيس بالقرب من شارع النبى دانيال متحفًا حاليًا كفافيس ذائع الصيت فى الدوائر الأدبية، وقد نُشرت رواية مصورة باللغة العربية عن حياته (ميّ كُريَّم والشيماء حامد 2015).
لكن بالعودة إلى تسعينيات القرن العشرين، كان حمدى زيدان وخالد رؤوف (الذى أصبح فيما بعد مخرجًا مسرحيًا ومترجمًا للأدب اليونانى إلى العربية) يبدآن للتو فى اكتشاف آثار كفافيس فى الإسكندرية.
وفى محاولة للعثور على بيته القديم، دخل الاثنان عمارة من القرن التاسع عشر (تبين لاحقًا أنها كانت البيت الذى وُلد فيه كفافيس، وليس البيت الذى عاش فيه بعد بلوغه سن الرشد). سألهما السكان عمَّن كانا يبحثان.
أجابهما الشابان موضحين أنهما كانا يبحثان عن بيت الشاعر كفافيس. أخبرهما السكان أنه لم يعش أحد بهذا الاسم فى ذلك البيت.
أوضح الشابان أن الشاعر قد مات منذ زمن طويل فتساءل السكان بشك متزايد: «بتدوَّروا ليه عليه إذا كان ميت؟» وخلطت امرأة بين كلمة كفافيس وكلمة «كفاتس» وهى كلمة عامية ازدرائية تشير إلى المسيحيين: «ما فيش كفاتس هنا، امشوا من هنا يا كفاتس يا حرامية!»
وفى معرض الحديث عن تفاعل الشعراء مع شعر وحياة كفافي، قدمت مثالا أخيرًا هو قصيدة لى عنوانها «شادر كفافي» ضمها ديوانى (ألعاب خطرة) الصادر فى 2017 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، والتى ترجمتها المترجمة اليونانية الكبيرة بيرسا كوموتسى ضمن مختارات شعرية عربية صدرت بداية هذا العام. كنت قد كتبت هذه القصيدة فى عام 2003 بعد حضورى محاضرة باليونانية فى متحف كفافى بالإسكندرية فى ذكرى رحيله، وبعدها بسنوات كتبت قصيدة أخرى أهديتها لكفافي، لم تُنشر بعد.
أنهيت محاضرتى بعرض فيديو يتضمن الأغانى الأربع التى لحنها وغناها خالد شمس وصُورت فى بيت كفافيس فى ديسمبر 2020.
وسعدت فى الحقيقة باستقبال الحضور للأغانى وتأثرهم، حسب كلامهم، بالموسيقى والحالة.
كما سعدت برد الفعل والتعليقات والأسئلة التى أعقبت المحاضرة. فى الحقيقة كان شعورى بالبهجة أكبر مما تصورت.
بعد الاستراحة عدنا إلى آخر ثلاث أوراق بحثية، قدم الأولى الباحث أوناى بويل زامورانو من جامعة إيزابيل بإسبانبا وحملت عنوان: «المحاكاة وأزمة الدرجة فى مصر البريطانية زمن كفافي، دراسة: مقترح فى ضوء نظرية المحاكاة لرينيه جيرار والدراسات الحديثة»، ثم قدمت الباحثة ميلينا موشو من جامعة السوربون ورقة بحثية بعنوان «أصداء كفافيس فى المجتمع الأدبى الفرانكفونى فى مصر: حالة بول فاندربورت ومجلته (لانترن سورد دى إيجيبت) أو الفانوس الأصم من مصر». وبعد استراحة الغداء قدم الشاعر والباحث اليونانى جورج دريتساس من جامعة أثينا آخر الأوراق البحثية بعنوان «شعرية أليكساندروس ماتساس: حالة ما بعد كفافية».
وقد سبق لى قبل السفر الاطلاع على مسودتى الورقتين الأخيرتين ومناقشة الباحثين فيهما، فى إطار تكليف المتحدثين الرئيسيين فى المدرسة بأن يكونوا أشبه بمرشدين لاثنين من الباحثين، وقد وقع اختيار المنظمين عليّ لمناقشة ميلينا وجورج، وكانت مناقشة لطيفة وفرصة للتعرف على قصائد جورج التى آمل أن أترجم بعضها قريبًا.
فى استراحة الغداء اصطحبتنا ماريانا أنا والزميلتين ميرهان وملك إلى قاعة واسعة فى متحف كفافيس ليسجل كل واحد منا بصوته قصيدة يحبها لكفافيس مترجمة بالعربية.
كانت قد أبلغتنا بهذا الاقتراح قبلها بيومين أثناء جولتنا بالمتحف، وحددنا القصائد خلال هذين اليومين حتى لا تتعارض العناوين. اخترت قصيدة المدينة وقمت بتسجيلها داخل هذه القاعة صوتيًا لتُرفع لاحقًا مع غيرها من القصائد على موقع أرشيف كفافيس.
فى نهاية اليوم قمت بتوديع الزملاء والزميلات بما أنى مسافر فى الغد لكن الصديق نيكولاس الذى كتب رواية عن القاهرة يسجل فيها فترة عاش فيها لسنوات سألنى إن كنت أحب الانضمام إليهم فى سهرتهم الليلة، قلت له بالتأكيد.
واتفقنا أن يرسل لى موقع واسم المكان الذى سيجمعهم مساء. ودعت بقية المنظمين والمشرفين، وتحركت عائدًا إلى الفندق بخطى خفيفة وبهجة غامرة.
مررت فى طريق عودتى بمحل التذكارات الذى أرشدتنى صاحبته اللطيفة إلى المكان فى اليوم الأول، تناولت بعض التذكارات وقلت لها إنى أود أن أشكرها على مساعدتى قبل ثلاثة أيام، وردت بلطف أنها تتذكرنى وأنها سعيدة بعودتى مرة أخرى، وساعدتنى فى انتقاء بعض الهدايا التذكارية الأخرى فى حدود ميزانيتى المحدودة، ثم ودعتها شاكرًا.
عدت إلى الفندق واسترحت قليلا إلى المساء حيث أرسل لى نيكولا اسم ومكان المطعم الذى تجمعوا فيه: باجاكي. ركبت تاكسى إلى المكان وأعطيته العنوان.
بعد دقائق وجدت نفسى فى ممشى طويل تحده الأشجار من جانب ومن الجانب الآخر تتراص المطاعم والمقاهى متجاورة بلا فاصل وتحمل أسماءها باللاتينية أو اليونانية، سرت أبحث عن باجاكى حتى تجاوزته دون أن أدرى ولحسن الحظ لمحنى نيكولا من داخل المكان وخرج ينادينى معتذرًا بأنهم لم يجدوا مكانًا فى الخارج بسبب زحام نهاية الأسبوع.
دخلت إلى المكان البسيط الذى يشبه مقاهى الإسكندرية القديمة لكن فى حالة أفضل بكثير على العمود الذى نهض إلى جوار مائدتنا، عُلق بوستر لمناضلة فلسطينية ترتدى الكوفية الشهيرة وتخفى وجهها رافعة علم فلسطين.
هذا التضامن مع فلسطين رأيته وسمعته من أغلب من تعرفت عليهم هناك، ووجدته فى مكتبة بيلوتيَّا حيث تصدرت قسم أفضل المبيعات كتب مترجمة إلى الإنجليزية لكُتاب فلسطينيين شباب وليس لمحمود درويش مثلاً كما جرت العادة. عرفت من الأصدقاء أن هذا المطعم هو ملتقى الأناركيين لزمن طويل. وأنهم يسهرون فيه منذ بداية المدرسة.
بعد قليل انتقلنا إلى طاولة فى الخارج حيث كان الجو ألطف وقد سرت بعض النسمات اللطيفة فيه لتخفف من لهيب النهار. تنقل الحديث بين الوضع فى غزة وحال الإسكندرية التى لم يزرها أحد منهم، وبعد قليل مرت بالصدفة د. مارتا ود. يوليا وانضمتا إلينا قليلاً.
أخبرتنى د. مارتا أنها تجهز قائمة أغانى لحفل وداع صغير بعد انتهاء فاعليات الغد، التى كانت تضم محاضرة د. إيمانويلا كانتسيا فقط.
ثم جلسة ملاحظات ختامية يعقبها الغداء والموسيقى سألتنى د. مارتا إن كان يمكن أن أرشح لها بعض الأغنيات، كان لديها معرفة بأغنيات مصرية اختارت منها «تحت الشباك» للمطربة الشعبية فاطمة سرحان، اخترنا سويًا أغنيات أخرى وموسيقى من فترات مختلفة، وعندما طلبت منى أن أرشح أغنية كإهداء لدكتورة حليم، اقترحت عليها أغنية «يا مسافر وحدك» لعبد الوهاب التى راقتها كثيرًا. وسألتنى بلطف شديد إن كان يجب أن أسافر غدًا وإن كان يمكن أن أؤجل السفر لما بعد الحفل، لكنى اعتذرت بضرورة العودة وعدم إمكانية تغيير الموعد قبل بضع ساعات من ميعاد الرحلة.
مر الوقت سريعًا وسط هذه الصحبة اللطيفة، وبعد الواحدة والنصف بدا أن التعب نال من الجميع ودعتهم وشكرتهم وحاولت أن أتحرك كى أوقف تاكسيًا، لكن ميلينا الجميلة أصرت أن تطلب لى سيارة أوبر ودفعت ثمنها مقدمًا عن طريق التطبيق شكرتها بشدة وعدت إلى الفندق ممتنًا لليل ولكفافيس والصحبة وباجاكى وميلينا.

وإليها نعود
استيقظت فى موعدى المبكر، وتناولت الإفطار فى مطعم الفندق مودعًا الأكروبول والنادل العجوز اللطيف المسؤول عن تسجيل أرقام الغرف لحظة دخول النزلاء إلى المطعم، ونزلت لأحزم حقيبتى الصغيرة وأتأكد من وجود كل أمتعتى فيها.
نزلت إلى صالة الاستقبال لتأكيد المغادرة وانتظار السائق. فى الموعد المحدد، العاشرة صباحًا، أتتنى رسالة أنه يقترب.
خرجت فى انتظاره لأجد السيارة التى أقلتنى ذاتها لكن السائق شاب آخر غير السيد أسيماكس ساعدنى فى وضع الحقيبة وانطلقنا دون حديث وأنا أتأمل شوارع أثينا فى الصباح وأستمع إلى الأغانى والبرامج الخفيفة فى المحطة الإذاعية التى أدارها الشاب الصامت الذى احترم شرودى وصمتي.
وصلنا المطار بسرعة ودخلت إلى نافذة مصر للطيران سعيدًا بقلة عدد الواقفين فى الطابور.
وصلت إلى الشباك بسرعة وناولت الشاب اليونانى الجالس وراءه جواز سفرى وتذكرتى الإلكترونية، تفحصها قليلا ثم نادى موظفًا أكبر. تفحص الرجل تذكرتى مرة أخرى قبل أن يبادرنى بمصرية سليمة تمامًا: «حضرتك جيت هنا يوم التلات اللى فات؟ طيب ممكن تذكرة الرحلة أو البوردينج؟» أخبرته أن التذكرة أبدلها موظفو شركة مصر للطيران بكعب مقطوع لتصريح طيران بعد إلغاء الرحلة يوم الثلاثاء ومن المؤكد أنه كان يتابع الموقف يومها! طلب منى الانتظار قليلا «على جنب!» سألته ماذا يعنى هذا؟ هل سأُحتجز هنا فى المطار أم سأسافر؟ فطمأننى أنى سأسافر بالتأكيد لكنه يجب أن يغير تذكرتى الحالية! وقفت جانبًا فيما بدأ توافد ركاب الرحلة وتضخم الطابور.

اكتشفت فى وقفتى أن عددًا هائلاً من مصريى إيجيبت كما يقولون عائدون على متن هذه الرحلة بعد أن قضوا أجازات معتادة فى اليونان.
بدوا وكأنهم أقارب ما إن يصل أحدهم حتى يتبادل التحيات مع الآخرين ويحكون رجالاً ونساءً عن الفنادق والجزر والشواطئ التى ذهبوا إليها.
بعد ساعة إلا ربع من هذه الحوارات التى لا تنتهى والوقفة المهينة، أو على الأقل هذا ما شعرت به، نادانى الموظف المحترم ليقدم لى التذكرة الجديدة معتذرًا عن التأخير. لم أرد عليه الحقيقة لكن الغضب بداخلى كان يمور ويغطى كل ذكرياتى اللطيفة عن الرحلة، ولا يبدو لى إلا وجهها المظلم الذى خيم عليّ قبلها بشهور وتجلى صريحًا يوم السفر.

انطلقت بعد أن سلمت حقيبتى إلى قاعة البوردينج فى طابور لم أرَ فى حياتى أطول منه، يسير متثاقلا فى متاهة عنكبوتية تحدها شرائط زرقاء معلقة على أعمدة لتحدد خطوط سيرنا فى هذه المتاهة.
طابور ضم جنسيات مختلفة، لكن حديث المصريين والمصريات الذى بدأ عند شباك مصر للطيران استمر فى الطابور بشكل أكثر استفزازًا.

أخيرًا وصلنا إلى بوابة الرحلة وجلسنا قليلا إلى أن بدأوا فى إدخالنا إلى الطائرة التى انطلقت بعد موعدها بقليل. ساعتان ووصلنا إلى مطار القاهرة، وعندما نزلنا عند البوابة الشهيرة التى تحمل فوقها الآية الكريمة «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين»، أخرجت هاتفى والتقطت لها صورة، رفعتها بعد قليل على صفحة الفيسبوك الخاصة بي، ومعها تعليق من كلمتين: «وإليها نعود».
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







