مسارات خفية

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


محمد عطية محمود

تقودك - الآن - قدماك لمكان لا تشتهى وجودك فيه.. يتملكك التردد.. تحركك روحك القلقة، نحو ما يبدو إذعانًا لقوة خارجية أثرت على مسارات خفية للألم بداخلك، وأرادت أن تعطِّل حواسك عن التفكير، بشعور العاجز عن تبديل الأوضاع أو تغييرها، أو تأجيل أمر لا بد أنَّ للمشيئة فيه شأنًا، أو استعجاله، أو أشياء كثيرة متضاربة.

 تلج حضرة مكان يعاقر صنوف الألم وحالاته المتفاوتة فى الشدة وإثارة الوجل، ضد عاطفة مكنونة لا تنتمى لأحد إلا أنت، خوفك على ممتلكات ذاتك، محيطك الذى تتنفس فيه وتتحرك فيه روح يقلقها ما يعتور جسدك من ألم، ومن شدة أوهام تتقافز بك إلى الخلف عدة مرات قبل كل خطوة تخطوها للأمام فى سبيل هذا الولوج! 

لم يغادرك صوت سلمى حانيًا، مطمئنًا، كملاذ يصاحب دومًا خطواتك الوجلة، التى ترتاد دومًا أعتابًا غامضة تقود إليها مسارب أكثر غموضًا، ربما بدأت تتسرَّب فى الحلم، كشرارات انتقال إلى واقع أكثر غرابة.

ولم يغادرك فى هذه اللحظة الحاسمة، حسها الواثق من خطوات حتى وإن كنت تتخوف منها وتتحسب لها، أن تضع قدميك قبل خطواتك عليها كالخائض فى لُجة لا يدرى عمقها، أو مآل التوغل فيها، ومدى اجتيازها لا الغرق فيها، ومن ثم البحث عن النجاة.

يظل صوت سلمى معك قرينًا لا يهدأ كعصفور يغرد، يحدب على أفراخه ولا يدعها وحيدة، برغم شراكتكما فى كل شىء وتحملكما معًا، ولا يشغل الوجدان للحظة ثم يمضى مسرعًا كطائر جائع يسعى دومًا كى يلتقط حبًا متناثرًا على أرض ليست له! وأنت تقف بين يدى طبيب مغمور ومغامر؛ تكشف جزءًا منك مستترًا ظلَّ يؤلمك فى الخفاء، وينغزك فى صحوك ومنامك، يصاحبك فى خمولك وحركتك، ثم يبدو لك نتوءًا بارزًا لا مراء من وجود ما يخفيه خلفه، بات يُعيقك - فى أحيان كثيرة - عن أداء وظيفة من وظائف جسدك الحيوية الملحة أو العاجلة.. يترصدك كى يمنح حياتك لذة وجود مغامر متجدد متغير، مدهشة خارجة عن قوانين طمأنينة هشة تحف العالم من حولك؛ فكلما خرجتَ من ألم وبادرتك ملامح عافية، كلما ولجت ألمًا جديدًا يستعصى على البوح إلا فى حينه المقدر له، فتدرك «بحكمة الوجود» أنه لا مفر من ألم قد يتلبس صورًا متعددة كى يعطيك سمة التلون والتجدد وتغيير الجلد، ومن ثم يذكى فيك سمة المقاومة - يختبرها - لاستعادة رونق الحياة مرة ومرات، أو بالأحرى الوجود.

يقر فى يقينك أن الألم اختبار، وليس اختيارًا، بقدر ما هو مرحلة فاصلة بين هدنة وهدنة، ربما نسيت فى تلك المرحلة أصواتًا تتخفى فى دواخلك المتعددة، لتعلن بصمتها أنك بخير، وأنَّ الأمور تسير على وتيرة واحدة، إلا أنَّ الألم ذاته يعود ليذكرك أنه لا ديمومة ولا ثبات لشعور أو اطمئنان، وأنْه لا بد أن يقابله دومًا قلق وتفكير فى محنة اجتيازه، وظلاله القاتمة وسط طوفان عالمه الذى يجرنا إليه بداخلنا، ولأننا لا نعرف الدروب المتعددة فى داخلنا ولا الشِعاب المعدة دائمًا كى يسير فيها الألم مسيرته التى لا تكاد تتوقف فى درب منها حتى تتمهل قليلا، ثم تسعى فى درب آخر منها، ربما انشغلنا فى مقام آخر بأسبابه التى تأتى فى المقام الأخير إذعانًا لمشيئته، وكونه قادمًا من علم غيب، وغموض يكتنف دواخلنا، ولا نستطيع غالبًا تفسيره! 

تبدو لك الحياة كلحظات مقتنصة من بين ألم وألم، وخدر وخدر، وكر وفر ومراوغة، تجعلك دائمًا على وتر مشدود، منشغل بكيفية تجاوز الألم، ما يجعلك متسامحاً، ومتوافقا مع عتبات ولوجه، واستقراره فيك، ثم سعيك نحو عتبات تخطوها لمحاولة التغلب عليه، فى جولة من الجولات، تحمل فى كل مرة وجلًا وقلقًا مختلفين، وربما أشعلت الرغبة فى داخلك بمساربها المتعددة التى تخفى عليك للبوح بها وروايتها كمطهر من الألم، لا تخليدًا له.. هكذا يتهيأ لك وأنت «فى لحظة ربما لا تُصدق» بين يدى، أقصد بين عينى طبيب متسرع يقرر حاجتك الملحة أو غير الملحة (فهذا لا يعنيه، فالزمن هنا يصبح مطاطًا كحبل طويل ممتد لا نهاية له، لا ينضغط مع انضغاط الألم بداخلك ونغزك فى عمق روحك) أن تلج حجرة تراودك فى كوابيسك، وتدرى ربما بالتفصيل المضلل ما الذى سوف يحدث لك فيها، أو على العكس ما لا يدركه عقلك حين يتوقف عن نسج التفاصيل، وحين يتوه وعيك فى سراديب - ربما بفعل مخدر قادم أو سيناريو متخيل حدوثه - ما يطيح بذلك الهاجس بعيدًا ويقصيك عن بداية طريق علاجك من ألم لا يفلح معه إلا الفتح، أو الجُرح الذى يُستأصل أو يُرمم، أيهما على حد السواء.

 فيما تناوشك ذكرى باهتة لمحاولة سابقة بائسة لاستئصال كتلة دهن فى حجم رأس عود الكبريت أو أكبر، عبر مساحة من ظهرك لا تستطيع أناملك أن تصل إليها لمجرد أن تقوم بحكها، محاولة دفعت بك إلى تلك الحجرة الباردة، المُلحقة بغرفة عمليات، وسط دهشة عيون لاهية ممن كانوا يتدربون على رتق الفتحات الصغيرة فى أجساد البشر، وصوت الطبيب الشاب يداعب أذنك المخدرة دون تخدير: "ما الذى أتى بك إلى هنا؟ مثل هذه الكتلة الضئيلة يتم نزعها دون حاجة لولوج مثل هذا المكان؟!..!".

سؤال ليس له الآن محل من الوجود أو إثارة الدهشة للمكان الذى ستلجه مجبرًا، (ولكنك لا تدرى متى)، مسيجًا بخوف جديد ورهبة لا تقبل ملامح الدهشة، ولا علامات التعجب التى قد تنعقد على وجهك متجاورة مع علامات ضجرك الدفين وكرمشات غضبك وتوترك، وأنت تستمع بأذنيك وعينيك الشاهدتين للكلمات اللاهية المستفزة لفتاة كانت تصحب أمها أو أختها الأكبر، تتقافز وسط جمع المنتظرين أمام غرفة فحص طبيب التخدير، تنظر فى وجوههم البليدة المستسلمة، بالرغم من سُمرة ملامحها، وجنوحها نحو اللون الحنطى الذى لوَّحته الشمس، وكأنك فى محنتك الجديدة، ودورة ألمك المغايرة، تستدعى التفاصيل التى تلهيك وسط اشتعالك بالضجر والألم معًا، وربقة الانتظار الممض، وعجز الوقت عن مداراة فشله فى إقناعك بأن ما تقوم به هو محاولة يائسة لإصلاح واقع هزلى وهزيل، لا تقام طقوسه وشعائره إلا على حساب الأعصاب التى تلتهب بسرعة اشتعال عود كبريت، تلهب مكامنك وتستفز ضجرك المختلط بمذاق آخر للألم.. تقفز كلمات البنت مع ملامح وجهها دفعة واحدة، وكأنها انبثقت من حائط، وبفضول شيطانى عجيب ثلجى الأنفاس التى تخرج من جوف يحيطه دفء وسخونة الأنفاس: «ما هى جراحتك؟ ماذا سيستأصلون لك؟».



حكمة لا بد أن تعيها برغم إيمانك بقوة الروح بعيدًا عن تمام صحة الجسد واعتلاله أو قوته، وبرغم أن القرار الظاهرى لتلك الرحلة لإصلاح ما اعتور جزءًا خفيًّا من جسدك يبدو قرارك الذى تتخذه بقوة الوجل، وبقوة الرعشة التى تتملك أوصالك، وتصير بداخلك جزءًا منك ومن دقائق وساعات يومك ونومك.. تسلِّمُك لتلك الأعتاب التى تقول أنك لا بد أن تكون هنا من أجل أن تقع تمامًا تحت الحصار، تسلِّم نفسك له بإرادتك، كى تلزم نفسك بوجوب إصلاح أو تغلب على عقبة من عقبات كثيرة تعترض سلام جسدك ونفسك، ومن ثم سلام روحك، والرغبة فى اعتدالها من بعد اعتلال، وإن غاب عنك رفيق وصديق للروح أو صوتها الهاتف فى متاهات السحر، أو طوقها الذى يُلقى إليك وأنت فى لجة بحر هائج لا يعترف بأشواق المسالمين، ولا المغامرين ولا الخائضين له على تخوف من تقلبات أمواجه وثوراته العارمة!

فأين الرفاق من تلك اللحظات الهاربة من حزام الأمن، والدالفة فى لجج الخوف، واستعارات كل ما يجدى ولا يجدى كى تتحصن الروح بشبيهها الذى غادرها دون عودة، ليكون طيفا أثيرياً لا يؤتمن وجوده فى كل الأحوال، ولا يعود إلا إذا حلا له المقام قرب من يعيد للروح اشتعالات مواقيتها وانسجامها مع تلك الروح التى هربت منها أو غدرت بها على أسوأ تقدير!

 تتلفت حولك كى تبحث عن أثر ربما انطلق من مخيلتك الواسعة وربما جاء باستدعاءات الروح العاجلة، وربما من داخلك المتعطش لنجوى حائرة تسقيك مذاقا مختلفا لهذا الطعم المر الذى يتسرب فى حلقك، ووقت النهار يسبح ضد عقارب الساعة فى وجدانك.. ثمة ما يدفعك دائما بداخلك لاستقصاء هذا الطيف البعيد الآن، برغم قوة الرغبة فى استدعائه التى يرفضها واقعك المحيط!

لم تكن كلمات البنت موجهة إليك، فلم تكن لتجرؤ أن تفعلها أمام ملامح غاضبة متوترة وحاسمة فى جُل مواقفك مع العالم من حولك، والتى تمردت على صمت واستسلام تمكنا منك، ووقوفك كتمثال حجرى يكظم ألمًا تفاقم إحساسه به، وفاق قدرة تحمله وصلابة أعصابه، وتسرب ليشمل مفاصله ويوتر فخذيه وساقيه ويشنج عضلات ساقيه وقدميه ويكبلهما بأرض صارت تفح فحيحًا باردًا، وأنت تعتاد طوابير إعادة الكشف والتحقق، والتأكد من موطن ألم كنت وما زلت تداريه خلف هيئتك وخلف صلف ملامحك، حتى تلك اللحظات المشحونة بالتمرد وخليط الوجل والرجاء، والرغبات المتنافرة بين التمسك بفرصة الخلاص بالولوج، والارتداد خارج المكان كلية، كهروب لا محل له! هروب ربما كان متوجبًا من نفسك، ومن لحظات قاسية تؤسس لوجود مخاتل ومغاير فى فضاء يفرض سطوة وجوده وهيمنته على كل العابرين به والمتمسكين بالبقاء فيه، الملتمسين شفاءً أو معراجًا جديدًا تسمو فيه أناتهم إلى براح قد ينسيهم قدر ألم لا يتوقف عن تشكيل صور متعددة، وربما كان أولها هو ألم الانتظار العنيد، وألم رؤية الإهمال المتوثب من عيون لا تملك شفقة ولا حدبًا على آلام الآخرين أو شعور به أو تقديرًا له، وقد تحوَّل كل الموجودين إلى جزر منعزلة تائهة فى خضم غرقها فى بحورها الخاصة، أو هكذا بدا لك.