سمير لوبه
فى قلب سوق الميدان بالإسكندرية، حيث تختلط رائحة البحر بعبق التاريخ، سوق ينبض بالحياة منذ لحظة الشروق، روائح مختلطة تتراقص فى الهواء، تختلط دون أن تلغى إحداها الأخرى، رائحة البقدونس المبلول، والجرجير والكرات، والطماطم التى تنافس التفاح جمالا، خضروات وفواكه تملأ رائحتها الأنوف، تلتف حولها نساء يحملن سَبَت خوصٍ، ويفاصلن البائعين، السمك برائحة البحر مرصوص فوق طاولاته الخشبية، ومن خلفها يقف الباعة يرشون الماء عليه ليبارك البضاعة ويطرد الذباب، ومن دكان الخواجة چورچ الحلوانى رائحة السمن البلدى تسبق الدكان بأمتار، رائحة دافئة تشبه دفء البيوت القديمة، تفوح من صينية البسبوسة الساخنة، التى تتوهج بالعسل والسمن، چورچ مخاليدس حلوانى يونانى ممتلئ الجسد، يسكب الشربات ببطء، ويبتسم كلما أشاد أحدهم برائحة السمن التى تقلب الرأس.
ومن دكاكين العطارة، ينبعث عبقٌ كثيفٌ يشبه عطر الأساطير، رائحة الكمون، والكسبرة، والقرفة، والمستكة، تلتصق بأنوف المارة، يجلس العطار وسط الأجولة الكبيرة، وعيناه تفرزان الزبائن، تميز مَن يعرف الفرق بين الحبهان الهندى والمغربى، وبين من لا يزال يتعلَّم، تتحرك الأجساد فى السوق كأنها موجة لا تهدأ، أصوات تنادى، وأخرى ترد، موسيقى تنبعث من راديو قديم فى دكان الخواجة إيزاك بائع الخردوات، وعلى مقربة من دكان چورچ الحلوانى يقف "النونو" السماك على فرشته الممدودة على الرصيف، مرتديًا جلابية زرقاء مشبعة برائحة السمك، ونظرة فيها من الكفاح أكثر مما فيها من التعب، شاب يافع بشرته بلون القمح حين يحتضنه الغروب، شعره أسود فاحم، ناعم كخيوط الحرير، دائم التمرد، تتطاير خصلاته فوق جبينه الصغير عيناه عسليتان واسعتان، لا تكفَّان عن السؤال حتى وهو ساكت، فيهما بريق نظرة بريئة، فى ابتسامته نور يضىء وجهه كله عندما يبتسم، فتظهر غمازة خفيفة فى خديه، كان النونو قطعة من نسيج سوق الميدان، النونو ابن الحارة وابن البحر، يحفظ أسماء الزبائن ويفهم من نظرتهم ما يريدون، ولد النونو فى كرموز، يتيم الأب، ربَّته أمه «الباتعة» على الشدة والحيلة، علمته من صغره أن الرجولة فى الشرف والعمل، بدأ بائعًا متجولًا، يحمل الجمبرى فى قفص من الخوص على كتفه، ينادى فى الأسواق:
الجمبرى الطازة.. يا ورد البحر يا جمبرى.
وكانت الحياة تقسو عليه بقدر ما تفتح له أبوابًا صغيرة من الرحمة، وفى صباح من صباحات السوق المعتادة، تظهر بيبا، فتاة يألفها المكان، لها شعر ذهبى ينسدل من تحت إيشارب رقيق، وعينان فيهما زرقة البحر، تقف فى دكان أبيها الخواجة چورچ الحلوانى، ترتب الفطير الساخن الذى تفوح منه رائحة السمن البلدى ترش عليه السكر، تسكب عليه اللبن، تقطعه بالسكين شرائح، تتزين باترينة الدكان الزجاجية بزجاجات الشربات وعلب الملبِّس، بيبا اسمها وحده كان كافيًا ليدق قلب النونو، من أول مرة رآها شعر النونو أن الدنيا تغيرت، صار يوضب فرشته أحسن، ويرش تحت الفرشة نشارة خشب، يهتم بحلق دقنه، ويهذب شاربه الكث، خلع الجلابية وارتدى قميصًا وبنطالا، وكلما رآها مع كل صباح يبتسم بخجل ويقول:
صباح الفل يا مزمزيل بيبا
فترد بابتسامة:
كالميرا نونو، صباح الورد.
ترد عليه التحية بلكنة يونانية وابتسامة صافية تكفيه يومين شغل دون تعب.
بيبا من بنات الجالية اليونانية التى تذوب فى الإسكندرية كما يذوب الملح فى الماء، أبوها الخواجة چورچ الحلوانى، رجل صارم لكنه يحب إسكندرية كأنها أثينا، لا يرى فى النونو سوى صاحب فرشة سمك، لكن النونو لم يكن ليهزمه هدف يريد تحقيقه.
بدأت رحلة التغيير، تعلَّم النونو القراءة والكتابة فى مدرسة ليلية بجوار جامع العمرى، وبدأ يجمع القرش على القرش، حتى صار لديه ما يكفى لشراء محل صغير فى السوق، ولم تمر سنوات قليلة حتى تعانق القلبان، وأصبح النونو «المعلم النونو» يُشار له بالبنان، يجىء له القضاة والضباط من المحكمة يشترون منه السمك، وصار للمعلم صبيان، ولبس البدلة والكرافتة وحذاءً يلمع، لكن أعظم ما لبسه يومًا كان الطربوش الأحمر الذى اشترته له بيبا من سوق الزنقة، ووضعته بيديها فوق رأسه على سنجة عشرة، فقال لها وهى تضع له الطربوش على رأسه:
ده مش طربوش.. ده تاج.
أنت ملك قلبى نونو
وبعد أن عرف چورچ أن النونو يحب ابنته وهى تحبه، وبعد شد وجذب، تم الزواج، وزفَّت السوقُ كلها المعلم النونو إلى بيبا، فى فرح لم يُرَ الميدان مثله، عربات الحنطور تحولت إلى عربات ورد، وميدان المنشية كله غنَّى للنونو وبيبا.
طموح النونو وبيبا لا يعرف سكونًا، افتتح النونو مطعمًا صغيرًا على كورنيش ستانلى، أطلق عليه اسم «بيبا»، يقدم فيه السمك على الأنغام اليونانية، صار مقصداً لولاد البلد والأجانب، غير أن الزمن كعادته لا يُعطى كل شىء، ففى عز المجد، وأثناء افتتاح الفرع الثانى من المطعم على البحر فى بحرى شعر النونو بألم فى صدره، حاول أن يتجاهله، أن يضحك كعادته لكنه سقط على الأرض مبتسمًا؛ رحل النونو، تاركًا الطربوش الأحمر على المكتب، وبدلته معلقة فى صدر المحل، وبيبا تبكيه وهى تحمل على ذراعها ابنهما الصغير حسين. بيبا لم تستسلم، وعلَّقت صورته فى صدر المحل الذى يحمل اسمه، وأكملت الطريق، كبر المطعم، أضافت ركنًا يونانيًا، وعلمت حسين كيف يعتز بكفاح أبيه ملك السمك فى إسكندرية.
على البحر فى حى بحرى يقابلك مطعم النونو للمأكولات البحرية، وما أن تدخل من باب المطعم حتى تواجهك صورة النونو فى إطار خشبى مذهب تحتها مكتب كلاسيكى يجلس فيه حسين النونو، وحوله أولاده أحفاد النونو يديرون المطعم بمهارة؛ ليظلَّ اسم النونو حيًّا فى الإسكندرية.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







