ياسمين عبدالله
فى عام 1853 عثر أوستن هنرى لايارد، ومساعده العراقى هرمز رسام، ومعهما وليام لوفتس فى بقايا مكتبة آشوربانيبال فى نينوى، على ألواح منقوش عليها النص الأكادى لـملحمة جلجامش.
كان لايارد يبحث عن أدلة لتأكيد تاريخية الأحداث الموصوفة فى الكتاب المقدس العبرى (العهد القديم المسيحى)، والذى كان يُعتقد أنه يحتوى على أقدم النصوص فى العالم، لكنه اكتشف بدلاً من ذلك أهم نصوص أنتجتها بلاد ما بين النهرين، ملحمة جلجامش. كانت أقدم بكثير مما تخيل، بل إنها كشفت للعالم بعد ذلك أن العديد من القصص فى العهد القديم قد تكون مستمدة من أساطير سابقة كانت تُروى فى جميع أنحاء الشرق الأدنى القديم، وكأن ألواح جلجامش صوت قديم جاء ليُرشد أهل الأزمنة اللاحقة لقصة الحضارة، ولينقل شهادته على أن هذه المنطقة بها يكمن أصل كل شىء.
صدرت الترجمة الأولى لـملحمة جلجامش فى أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر على يد جورج سميث، باحث علم الآشوريات فى المتحف البريطانى. نشر سميث قصة الطوفان من اللوح الحادى عشر عام 1880 تحت عنوان «الحساب الكلدانى لسفر التكوين». وقد أُسيئت قراءة اسم جلجامش فى الأصل على أنه «إيزدوبار» كما يُشير ثيودور زيولكوفسكى فى كتابه « Gilgamesh among Us: Modern Encounters with the Ancient Epic»، بل وقد تُرجِم العمل الذى يحمل عنوان ملحمة جلجامش لأول مرة تحت اسم «عشتار وإيذوبار= Ishtar and Izdubar» فى عام 1884، على يد ليونيداس لى سينسى هاميلتون، وهو محامٍ ورجل أعمال أمريكى، وإن بقى الاهتمام العالمى وقتها مكرسًا لقصة الطوفان المنقوشة فى اللوح الحادى عشر، إلى أن بدأت بقية الملحمة فى العودة إلى النور مرة أخرى تدريجيًا مع احتدام الجدال العالمى حول علاقة بابل بالكتاب المقدس، ولهذه العودة حكاية ظريفة.
في يناير 1902، ألقى عالم الآشوريات الألمانى فريدريش ديليتش محاضرة فى «سينغ أكاديمى تسو برلين» أمام القيصر وزوجته، زعم فيها أن قصة الطوفان فى سفر التكوين نُسخت مباشرة من ملحمة جلجامش. كانت محاضرة ديليتش مثيرة للجدل لدرجة أنه بحلول سبتمبر 1903، كان قد جمع آلاف المقالات والكتيبات التى تنتقد هذه المحاضرة عن الطوفان وأخرى عن العلاقة بين قانون حمورابى وشريعة موسى التوراتية، وكانت من نتائجها أن نأى القيصر بنفسه عن ديليتش وآرائه المتطرفة، وبحلول خريف عام 1904، اضطر ديليتش إلى إلقاء محاضرته الثالثة فى كولونيا وفرانكفورت بدلاً من برلين، وهكذا أصبحت العلاقة المفترضة بين ملحمة جلجامش والكتاب المقدس العبرى لاحقًا جزءًا رئيسيًا من حجة ديليتش فى كتابه «الخداع الكبير (Die große Täuschung) الذى صدر بين عامى 1920- 1921، وكان مفاد حجته هذه أن الكتاب المقدس العبرى «تلوث» بشكل لا يمكن إصلاحه بالتأثير البابلى، وأنه فقط من خلال القضاء على العهد القديم الذى كتبه البشر يمكن للمسيحيين الإيمان بالرسالة الآرية الحقيقية للعهد الجديد. وبعيدًا عن آراء ديليتش العنصرية، هو بدون قصد أعاد ملحمة جلجامش للواجهة.
تحكى ملحمة جلجامش ببساطة عن الصراع بين الآلهة وجلجامش، ملك أوروك؛ إذ ترغب الآلهة فى منع جلجامش من اضطهاد شعبه، فترسل إليه الرجل المتوحش البرى، إنكيدو، لكن يهزمه جلجامش، ويصبح العدوان السابقان صديقين، ومعًا، يقهران حارس غابة الأرز ويقطعان الأرز المقدس، ويهزمان ثور السماء الذى أرسلته الإلهة عشتار، عشتار التى لا تقبل الهزيمة ولا يُعجبها تمرد جلجامش وصاحبه، فتُقرر معاقبتهما بقتل إنكيدو، فيحلم أنكيدو فى ليلة بأن الآلهة قررت موت الأبطال، ويمرض بعدها ويلازم فراشه لمدة 12 يومًا، ويطلب من جلجامش أن لا ينساه، ثم يموت.
يحزن جلجامش، وينادى الجبال وجميع أهل أوروك للحداد على صديقه، ويستعيد ذكريات مغامراتهما معًا، ثم يصنع تمثالًا جنائزيًا لأنكيدو، ويقدم له الهدايا؛ فقط لكى يحظى إنكيدو بحياة كريمة فى عالم الأموات. يُدفن بعدها أنكيدو فى النهر، وينطلق جلجامش مدفوعًا بحزنه لفراق صاحب دربه لاكتشاف سر الحياة الأبدية، لكنه يتعلم فى النهاية أن الآلهة عندما خلقت الإنسان، جعلت الموت نصيبه، وأبقت على سر الحياة فى أيديهم.
لا شك أن ملحمة جلجامش تثير الشجون والتساؤلات الوجودية فى نفس من يقرأها، وتُثير فضول المجتمع العلمى ومناقشاته حول استلهام نسخ الكتب المقدسة من حكاية جلجامش، لكنها أيضًا تُثير فضول الكلاسيكيين، وتُثير تساؤلًا مستمرًا: هل قرأ هوميروس ملحمة جلجامش؟
لاحظ الكلاسيكيون على مرّ السنين، أوجه التشابه بين نصوص اليونان القديمة ونصوص الشرق الأدنى القديم، وقد دفعهم هذا التشابه إلى افتراض أن الإغريق ربما استعاروا عناصر أدبية من الشرق الأدنى القديم عند صياغة الأعمال التى شكّلت فيما بعد حجر الزاوية فى الأدب الغربى.
فمنذ القرن السابع عشر الميلادى، سعى الباحثون جاهدين لاكتشاف الروابط بين أدب الشرق الأدنى القديم والأدب اليونانى، وما زال هذا المسعى مستمرًا حتى يومنا هذا، وقد استكشف بعض العلماء، مثل والتر بوركرت، العديد من المشتركات بين نصوص الشرق الأدنى القديم والنصوص الكلاسيكية اليونانية، بل وذهبوا أنه من الوارد جدًا أن تكون ملحمة الأوديسة قد استمدت قدرًا كبيرًا من هيكلها العام من ملحمة جلجامش.
فى كتابه (هوميروس) يناقش بارى بى باول فرضية أن هوميروس أخذ الكثير فى ملحمتيه الأسطوريتين الإلياذة والأوديسة عن جلجامش، مستندًا على حقيقة أن الأبجدية اليونانية أصلًا مأخوذة عن الفينيقية، وأن جلجامش أقدم بكثير من ملحمتى هوميروس، إذ عُثر على ألواح تحمل نقوش ملحمة جلجامش، وهذه الألواح تسبق زمنيًا الألواح التى وجدها الأوروبيون فى مكتبة آشور بانيبال، والمثير أن هذه الألواح كانت متناثرة ما بين عاصمة الحيثيين (حتوساس) التى أصبحت اليوم قرية صغيرة تُسمى بوغازكوى بالقرب من أنقرة، أو فى مستوطنات يونانية موزعة حول منطقة الشرق الأدنى القديم. وبجانب إن هذه الألواح أيضًا تسبق زمنيًا ميلاد هوميروس بحوالى ألفى عام، فإن اللافت فيها أيضًا صياغتها الناضجة؛ والتى يصفها باول بقوله: «ومع ذلك فإن النصوص من هذا النوع ليست أبدًا نُسخًا عن طريق الإملاء لأغانٍ شفاهية، وإنما هى صياغات كَتَبةٍ ألَّفوها فى مدارس الكتابة لإثارة إعجاب الكتَبة الآخرين والترويح عنهم وتدريبهم».
فلو أن الحقيقة تقول بوضوح إن جلجامش تسبق بالفعل الملاحم الهومرية، بل وإنها كانت قريبة جغرافيًا من مناطق سكنى اليونانيين، وإن انتقال جلجامش غالبًا من الشرق الأدنى القديم إلى اليونان تم عن طريق بلاد الشام والأناضول، فنحن هنا سنكون أمام تساؤل: هل كان اليونانيون على دراية بلغات الشرق الأدنى؟
وجدت أدلة قوية تعود إلى القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد (وهو نفسه توقيت ميلاد هوميروس) على وجود تجار يونانيين فى منطقة الشام، مثل مستوطنة المينا فى شمال سوريا.
هؤلاء التجار، الذين جاءوا من مدن يونانية مثل ناكسوس وساموس، كانت ثقافتهم، بحسب اللُقى الأثرية يونانية قحة، لكن نصوصهم كانت مزيجًا من اللغات القديمة.
وقد أظهرت الألواح المسمارية والفخار أن هؤلاء التجار كانوا يقرأون نصوصًا بـلغات بلاد الرافدين القديمة. وعند عودتهم إلى اليونان، من المحتمل أنهم حملوا معهم الأدب الشرقى، بما فى ذلك قصص مثل ملحمة جلجامش، حتى لو لم يقرأوها مباشرة وهذه فرضية، ولو كانت ضعيفة، لا تزال قائمة.
ومن ناحية أخرى فى نفس التوقيت، القرن التاسع قبل الميلاد، غزا الآشوريون سوريا وفينيقيا، وجاؤوا بالكثير من أدبهم، بما فى ذلك ملحمة جلجامش، وهو ما تؤكده الاكتشافات الأثرية فى لبنان، فى الوقت الذى كان الفينيقيون فيه نشيطين اقتصاديًا وتجاريًا فى المناطق اليونانية مثل قبرص وكريت ورودس وساموس وديلوس، وهذا النشاط التجارى يعنى أن الفينيقيين، ربما تعلموا اليونانية للتواصل التجارى. وهكذا، أصبح بإمكان الفينيقيين أن ينقلوا الكثير من أدبهم شفويًا إلى الجمهور اليونانى، وبالتالى يمكنهم تعريف الإغريق بالملاحم الشرقية مثل ملحمة جلجامش، ليقرأها هوميروس ويخرج لنا بتحفتيه الخالدتين، وهذه فرضية أخرى أكثر قوة.
وبغض النظر عن بقية الفرضيات التى تحمل كلها جانبًا من المنطقية، فإن المتأمل فى قصة جلجامش، الذى يموت صديقه المُقرَّب إنكيدو جرَّاء سلوك جلجامش المُتعجرِف، سيجد أنها تُوازى قصة أخيل، الذى يموت صديقه باتروكلوس؛ لأنَّ أخيل لم يرضخ أبدًا لقوة أجاممنون، وسيشعر بتشابه بين رحلة جلجامش الطويلة إلى نهاية العالم لفك شفرة الموت، والتى هى نفسها البناء الرئيسى للجزء الثانى من الأوديسة التى يعود فيها أوديسيوس لوطنه بعدما يُقاسى الأهوال، وكما غلب النعاس جلجامش خارج منزل أوتو نبشتم، يُغالب النعاس أوديسيوس فى طريق عودته من جزيرة أيولوس، فيتجاوز موطنه إيثاكا، وسيرى رابطًا بين حادثة التقاء أوديسيوس بأرواح الموتى، مع قصيدة جلجامش وأنكيدو والعالم السفلى، وسيعثر بينما يقرأ على الكثير جدًا من التشابهات التى لا تدع مجالًا للشك بأن الملاحم الهوميرية هى ابنة جلجامش والخيال الشرقى، وأن الإنسان، مهما اختلفت لغته ومهما اختلف عرقه، ينحدر فى النهاية من حكاية واحدة.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







