جوشوا كوهين
ترجمة: د. محمد غنيم
أجريت هذه المقابلة عبر البريد الإلكترونى، مع أحد عمالقة النثر فى جيله الروسى الاستثنائى المولود حول حقبة موت ستالين، جيلٌ يضم على الأقل فلاديميرًا آخر جديرًا بالتقدير، الراحل فلاديمير شاروف، والذى يقيم أفضل كتّابه وشعرائه اليوم فى برلين، باريس، لندن.
المُحاوِر: هل المحاكاة الساخرة أمر خطير؟ هل تسهم السخرية من نظامٍ ما فى نهاية المطاف فى خدمته؟ ربما كان على أن أوجّه هذا السؤال إلى سياسى بدلًا منك. هل يمكنك السخرية من شىء دون أن تمنحه قوة؟
سوروكين: أنت تطرح سؤالًا وجوديًا بالغ الأهمية يمكننى بسهولة الانجراف إلى التأملات المفاهيمية حول هذا الموضوع لتبرير نفسى، وأظن أننى قادر على إيجاد حجج تبرر استخدامى للسخرية والفكاهة، بالاستشهاد برابليه وسويفت وهاشيك.
لقد فعلت ذلك فى مقابلات عديدة، كما أننى كونت جلدًا سميكًا إلى حد ما تَرتد عنه مثل هذه الأسئلة بسرعة. لكننى فى حوارى معك، ككاتبٍ آخر، لا أرغب فى ذلك.
عندما كنتُ أكتب «يوم الأوبريتشنيك» ثم «الكريملين السكرى»، كان آخر ما أفكر فيه هو الفائدة أو الضرر الذى قد تُحدثه هذه النصوص فى مواجهة شر الدولة أو انتصار محتمل عليها (وبالنسبة لى، فهرم السلطة الروسى كان دائمًا تجسيدًا للشر).
عندما أبدأ فى كتابة أى عمل أريد شيئًا واحدًا فقط: أن يتحول إلى كتاب جيد، أى أن يكون عملًا أدبيًا مكتفيًا بذاته، غير مرتبط بقضايا الناس أو الدولة الراهنة، حتى لو كان موضوع الكتاب نفسه دناءة السلطة.
المُحاوِر: سألتُ هذا لأنكَ تنتمى إلى ثقافةٍ كان فيها الكُتّاب فى الماضى ذوى أهميةٍ استثنائية. ولكن، ما معنى أن تكون كاتبًا روسيًا اليوم؟ هل تشعر كأنك روسى فى المنفى فى ألمانيا؟
سوروكين: سأكون صريحًا هنا، لا أعلم ما الذى يعنيه أن تكون كاتبًا روسيًا اليوم. أبسط إجابة أن تكون شخصًا يكتب بالروسية.
على قبر نابوكوف فى مونترو، نُقشت ببساطة كلمة «كاتب».
أشعر بقرب شديد من هذه الفكرة فى الغرب، لا يزال هناك للأسف العديد من الصور النمطية عن الكتّاب الروس -الروحانية، الميتافيزيقا الخاصة بالمكان الروسى والطبيعة الروسية، والمعاناة، والحب القاتل لامرأة فاتنة وأهوال الكولاج، والشمولية، إلخ... أنا لست ضد هذه الموضوعات، لكننى ضد الصورة النمطية.
تآمرت الظروف لأجد نفسى فى برلين، لكن آخر شىء أرغب فيه اعتبار نفسى مهاجرًا كما فعل نابوكوف.
على عكسه، يمكننى العودة إلى موسكو فى أى وقت، فلا يوجد «ستار حديدى» اليوم. أنا ببساطة لا أرغب فى الذهاب إلى موسكو بوتين حاليًا كان وضع نابوكوف أكثر قسوة بكثير - كان يفر من الموت.
أما أنا فقد انتقلتُ إلى برلين. حتى قبل ذلك، كنتُ أعيش أنا وزوجتى بين موسكو وبرلين وآمل أن أعود إلى موسكو إذا تغير الوضع وانتهت الحرب فى أوكرانيا.
المُحاوِر: «الكريملين السكرى»، مثل بعض أعمالك، تنتمى إلى عدة أنواع أدبية —حكايات شعبية، نصوص مسرحية أو سينمائية، رسائل، أحلام، وأغانٍ— لكن يبدو أن هذا التعدد ليس مجرد إعادة ابتكار ما بعد حداثية أخرى للرواية، بل أقرب إلى إعلان استيقاظ من كابوس طويل مفاده أن الرواية لم تكن موجودة أصلًا هل تتفق مع هذا التفسير؟ وماذا تعنى لك الرواية؟
سوروكين: يبدو لى أن أفضل الروايات تُنتَج عندما يعمد المؤلفون إلى تفجير شكل الرواية إبداعيًا. دعونا نتذكر ببساطة «يوليسيس»، أو «الحرب والسلام». يُشار إلى هذه الأعمال بوصفها روايات عظيمة، رغم أنها، من الناحية الشكلية، تكاد لا تكون روايات على الإطلاق.
إنها ببساطة روايات كانت ملائمة لعصرها بشكل جيد، ولهذا تحوّلت إلى روايات عظيمة. العالم المعاصر معقد ومتغير لدرجة أنه لم يعد ممكنًا وصفه بنثر خطى وحشره فى هيكل الرواية التقليدية.
لكى أتصور العالم المعاصر، أستخدم بصريات معقدة يمكن تسميتها «الرؤية متعددة الأوجه»، مثل الحشرات. وإذا وضعنا فى الاعتبار أن الماضى الإمبراطورى فى روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتى، والذى لم يُطوَ زمنيًا بعد، لا يزال يضغط على الحاضر كأنه نهر جليدى، فسؤال المستقبل يبقى معلقًا كما يعترف لى شباب روس: «نحن لا نشعر بالمستقبل كمسار للحياة والتطور».
هذا وضع مرضى تمامًا، ويحتاج الكاتب إلى رؤية خاصة لإعادة خلق هذا على الورق (لاحظ أننى أقول «إعادة خلق» وليس «وصف»). لهذا الغرض، أستخدم نظام مرايا مثبتًا على منصتين: واحدة تمثل الماضى والأخرى تمثل المستقبل.
يمكنك تسمية هذا «ما بعد حداثة» أو «ميتا- واقعية هجائية»، لا يهمنى التصنيف لكن هجائية الحياة الروسية لم تبدأ مع روسيا ما بعد السوفيتية، فما علينا إلا أن نتذكر عوالم جوجول.
المُحاوِر: وماذا يعنى لك الأسلوب -موسيقى جُمَلك- خاصة أن حمقى مثلى مضطرون لقراءتك مترجمًا؟ ما الذى يفوتنى؟
سوروكين: أنا ببساطة أحمق أدبى يثق فقط بحدسه، هذا كل ما أملك بشكل عام، نبرة الكتاب مهمة جدًا بالنسبة لى. إنها القاطرة القادرة على جر الرواية نحو آفاق جديدة، أو إسقاطها فى هاوية الرتابة.
نغمة الصفحة الأولى أشبه بلحن تلتقطه، لحن يفتتح سيمفونية كاملة ولهذا السبب، هناك كثير من الكتب لا أتم حتى قراءة عشر صفحات منها، إذ أشعر أنها «لا تعزف اللحن الصحيح». لكن، للأسف، أنا أيضًا قارئ سيئ. فى حياتى، كُرِّس الكثير، ولا يزال، للفنون البصرية.
المُحاوِر: بأى معنى؟ أعنى، لقد سخرت للتو من فكرة «الطابع التوضيحى».؟
سوروكين: حتى العشرين من عمرى ظننت أنى سأكون فنانًا، وكَرَّستُ وقتًا طويلًا للرسم. فى الثمانينيات كنت أعيش من رسومات الكتب، ما سمح لى بإعالة أسرتى وكتابة النثر ليلًا.
منذ ذلك الحين وأنا واقف بقدم واحدة فى الأدب والأخرى فى محيط الفن. هذا يمنحنى فرصة فريدة للنظر إلى الأدب كجسم فنى.
لهذا أفهم تمامًا نابوكوف الذى أراد «تحويل القارئ إلى مشاهد» الفن يساعدنى على خلق فضاءات أدبية، هذه الرؤية ترافقنى دائمًا، لكن شرح المبادئ التى تقوم عليها هذه الرؤية مسألة صعبة.
المُحاوِر: كيف ترى العلاقة بين الفصل المعنون هنا بـ»الطابور» وبين روايتك المبكرة المفضلة لدى، الطابور؟ هل الطابور الوحدة العظمى لعصرنا، وهل هناك غير الكلمة ذاتها، أو نفاد الصبر نحو المعنى، ما يربط بين الطوابير التى ننتظر فيها والطوابير التى نقرأها؟
سوروكين: الطابور موضوع أبدى فى العالم الروسى لكنه ليس حكرًا على روسيا وحدها أثناء الجائحة فى برلين، وقفتُ أنا وزوجتى أربع ساعات تحت المطر والبرد فى نوفمبر لنحصل على لقاح موديرنا كل شىء كان منظمًا بطريقة مقززة من حيث انعدام الإنسانية.
رأيت طابورًا من أناس يرتعشون من البرد، كأننا لسنا فى القرن 21، بل فى أربعينيات أوروبا القرن العشرين! لهذا، أرى أن الطابور وحش بدائى يعيش فى داخلنا، ويمكن أن يظهر بسهولة فى أى لحظة، غير آبهٍ بالزمن أو بالقرن.
المُحاوِر: السياسة فى هذا الكتاب مباشرة تمامًا فالملك، الذى يحكم بسلطان، ويبنى الجدار، هو أيضًا (جرذ مجارى)، سلطته مزيج من الحقبة الثورية السوفيتية وروسيا الجديدة فى المستقبل القريب ما الذى يربط بين تلك الحقبة التاريخية والعصر القادم؟ أم أنه لا يوجد فرق، سوى بعض الاختراقات التكنولوجية ومأكولات صينية أفضل خارج الصين؟
سوروكين: فى روسيا، ترتبط جميع العصور بأمر واحد: هرم السلطة. بناه إيفان الرهيب فى القرن 16، ولم يتغير جذريًا منذ ذلك الحين تغيرت لغة الروس حينها، لكن نظام السلطة لم يتغير! هذا الهرم عتيق، غامض، لا يمكن التنبؤ بمساره، غير إنسانى، وشرّير تمامًا تجاه الشعب المحيط به.
وفى قمة هذا الهرم يجلس شخص واحد يملك كل السلطة لنفسه، القوانين التى تطبق على المواطنين العاديين لا تطبق عليه. جميع علل روسيا نِتاج لهذا الهرم.
هذا البناء ملائم للقرن 18، بل حتى 19، لكنه فى القرن 20 أنجب نظامًا شموليًا وحشيًا، وفى القرن 21، أصبح أثرًا تاريخيًا متكلّسًا، يعوق تطوّر البلاد ويرعب جيرانها.
باتت عواقب هذا الهرم الآن واضحة أمام العالم أجمع هرم السلطة هذا أشبه بمفاعل للطاقة الإمبراطورية، يُنتج إشعاعًا قويًا. ومن يجلس على قمّته يتعرّض لتحوّل يفقد كل صفاته الإنسانية، ويتحوّل إلى عبدٍ لفكرة الإمبراطورية كما فى «سيد الخواتم».
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







