نهال يوسف
في سياق الحراك الثقافي الراهن، وتعاظم وعي الأمم بأهمية حضورها الفكري على الساحة العالمية، يبرز سؤال جوهري يمسّ صميم هويتنا الحضارية وفاعليتنا المعرفية: لماذا تظلّ حركة ترجمة الإنتاج الفكري والمعرفي المصري إلى اللغات الأخرى، لا سيما الإنجليزية، شحيحة، حتى تكاد تكون هامشية، في مقابل تدفق لا ينقطع من ترجمة المعارف الأجنبية إلينا؟ إنها مفارقة تستدعي وقفة تأمل عميقة، لا بوصفها مجرد خلل في ميزان التبادل الثقافي، وإنما بوصفها مؤشرًا على تحديات بنيوية تتعلق بالوعي بالذات، وبموقعنا من خريطة الإنتاج المعرفي العالمي، وبقدرتنا على صوغ سرديتنا الخاصة وتقديمها للعالم.
لقد درجنا، لعهود ليست بالقصيرة، على اعتبار الترجمة جسرًا وحيد الاتجاه، يمتد من ضفة «الآخر» إلى ضفتنا، حاملًا إلينا علومه وفنونه وفلسفاته.
وقد كان لهذا الجسر فضله العميم فى إثراء لغتنا، وتوسيع آفاق فكرنا، ورفد نهضتنا الحديثة غير أن تجاهل بناء جسر موازٍ، يمتد من ضفتنا إلى ضفة العالم، يحرم الإبداع المصري، فى شتى تجلياته الأدبية والفكرية والعلمية، من فرصته فى أن يجد صداه خارج حدود لغته، ويحرم العالم من فرصة التعرف على ثراء تجربتنا الإنسانية، وعمق إسهاماتنا الحضارية، وحيوية حراكنا الفكري المعاصر.
إنها ليست مجرد دعوة إلى فعل ثقافى، إنما هي دعوة إلى إعادة تموضع حضاري، وإلى استعادة دور ريادي فى تشكيل الوعي العالمي.
إن إشكالية غياب الترجمة من مصر إلى العالم ليست سطحية، وإنما هي متجذرة فى أبعاد عدة تتضافر لتشكل حاجزًا أمام انطلاق فكرنا نحو آفاق أرحب.
فالترجمة ليست مجرد فعل ثقافى مجاني، إنما هي صناعة تتطلب استثمارًا ضخمًا فى الكفاءات البشرية والبنى التحتية.
فى مصر، يظل الدعم المادي لترجمة الأعمال المصرية إلى لغات أجنبية محدودًا للغاية، إن لم يكن معدومًا.
دور النشر المحلية، التي تعاني أصلاً من تحديات اقتصادية جمة، تفتقر إلى الموارد اللازمة لتمويل مشاريع ترجمة مكلفة، وإلى شبكات التوزيع الدولية الضرورية لإيصال هذه الأعمال إلى جمهورها العالمي.
إن غياب رؤية استثمارية ثقافىة، تعتبر الثقافة والمعرفة أداة أساسية للقوة الناعمة، يحرمنا من فرص هائلة لتحقيق مكاسب متعددة الأوجه.
وعلى الرغم من وجود بعض المبادرات الفردية النبيلة، أو جهود بعض الهيئات الثقافىة المحدودة، فإنه لا توجد إستراتيجية وطنية واضحة، مستدامة، وموحدة لترجمة الإنتاج الفكري المصري.
إننا فى حاجة ماسة إلى مظلة مؤسسية قوية، ربما تكون هيئة مستقلة ذات صلاحيات واسعة، أو برنامجًا قوميًا طموحًا، يحدد الأولويات، ويدعم المترجمين، ويسهل التعاون مع دور النشر الأجنبية المرموقة، ويشارك بفاعلية فى المعارض الدولية للكتاب إن تشتت الجهود، وغياب التنسيق بين الجهات المختلفة، يضعف من تأثير أي مبادرة فردية، ويجعلها أشبه بقطرات ماء فى محيط واسع.
فالقوة الناعمة للدولة، التي تتشكل من خلال تأثيرها الثقافى والفكري، تُعد ركيزة أساسية فى الدبلوماسية الحديثة فمن خلال الأدب، والفن، والسينما، والفكر، تستطيع الأمم أن تروي قصتها وأن تكسب ودّ واحترام الشعوب الأخرى.
عندما يتراجع ترجمة إنتاجنا الفكري، فإننا نتخلى عن هذه الأداة القوية، ونترك المجال لسرديات أخرى قد تكون مغرضة، مما يضعف من تأثيرنا ويشوه صورتنا.
إن الاستثمار فى الترجمة هو استثمار فى صورتنا الدولية وفى قدرتنا على صياغة مستقبل علاقاتنا مع العالم.
وتجاوز هذه المعضلة يتطلب رؤية شاملة، وإستراتيجية متعددة الأبعاد، لا تقتصر على مجرد دعم الترجمة الأدبية، بل تتسع لتشمل كافة أشكال الإنتاج الفكري والمعرفى.
فمن الضروري أن تتسع دائرة الترجمة لتشمل ليس فقط الروايات والقصص القصيرة، بل كذلك الدراسات الاجتماعية الرصينة، والتحليلات السياسية العميقة، والأبحاث العلمية المبتكرة فى مجالات الطب، والهندسة، والزراعة، والبيئة، والتكنولوجيا الحديثة.
لدينا علماء وباحثون مرموقون فى هذه المجالات، وأبحاثهم تستحق أن تصل إلى العالم، وأن تسهم فى حل مشكلاته.
كما يغدو لزامًا علينا أن نترجم الأعمال الفكرية التي تتناول قضايا معاصرة تهم البشرية جمعاء، مثل قضايا التنمية المستدامة، والتغير المناخي، والحوار بين الثقافات، ومستقبل التعليم، والتحديات الاجتماعية.
ويمكن للتكنولوجيا أن تلعب دورًا محوريًا فى تسهيل عملية الترجمة وتسريعها.
تطوير منصات ترجمة رقمية متقدمة، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي فى الترجمة الآلية (مع التأكيد على ضرورة المراجعة البشرية المتخصصة والدقيقة)، يمكن أن يقلل من التكلفة والوقت بشكل كبير.
كما يمكن استخدام المنصات الرقمية الحديثة لتوزيع الأعمال المترجمة عالميًا، والوصول إلى جمهور أوسع بكثير مما هو متاح بالطرق التقليدية.
فى هذا السياق، يمكن لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يمثل واحدًا من أهم الفعاليات الثقافىة فى المنطقة، أن يتبنى دورًا محوريًا فى دعم حركة الترجمة من مصر إلى العالم.
يمكن أن يتم ذلك من خلال إطلاق برنامج خاص ضمن فعاليات المعرض، يركز على مشاريع الترجمة ويوفر لها الدعم المادي واللوجستي.
يمكن للمعرض أن يكون منصة لعقد ورش عمل متخصصة تجمع المترجمين والناشرين المصريين والأجانب، بهدف تبادل الخبرات، وبناء شبكات مهنية قوية، واستعراض أحدث الاتجاهات فى صناعة الترجمة والنشر.
يمكن أن تتناول هذه الورش موضوعات مثل أخلاقيات الترجمة، الجوانب القانونية لحقوق النشر، أو حتى تسويق الأعمال المترجمة.
كما يمكن للمعرض أن يسهل لقاءات مباشرة بين دور النشر المصرية ونظرائها الأجانب لإبرام عقود ترجمة وحقوق نشر، مع إطلاق جائزة سنوية للترجمة لتقدير الأعمال المتميزة.
إن تبني المعرض لمثل هذه المبادرات يمكن أن يعطيه بعدًا إضافىًا، ويجعله ليس فقط سوقًا للكتاب، إنما مركزًا لصناعة الترجمة وإيصال الفكر المصري للعالم.
يتعين على المؤسسات الثقافىة، والجامعات، والمراكز البحثية إطلاق برامج ومنح مخصصة لترجمة الأعمال المصرية إلى لغات أجنبية.
هذه البرامج ينبغي أن تستهدف الأعمال ذات الجودة العالية، والأهمية الفكرية، والجاذبية العالمية، بعد تقييم دقيق من لجان متخصصة.
يمكن أن تشمل المنح دعم المترجمين المالي، وتكاليف النشر فى دور نشر عالمية، والتسويق الدولي لهذه الأعمال.
ومن الأهمية بمكان أن تسعى مصر إلى بناء شراكات إستراتيجية قوية مع الجامعات الأجنبية، والمراكز البحثية المرموقة، ودور النشر العالمية الكبرى.
يمكن لهذه الشراكات أن تسهل عملية الترجمة والنشر، وتوفر الخبرة اللازمة، وتفتح أبوابًا جديدة للوصول إلى الأسواق العالمية.
تنظيم ورش عمل مشتركة، وبرامج تبادل للمترجمين والباحثين، يمكن أن يعزز هذه الشراكات ويجعلها أكثر فاعلية. ولا غنى لنا عن الاستثمار فى تدريب وتأهيل المترجمين المتخصصين فى مجالات مختلفة (أدبية، علمية، تقنية، قانونية).
يستحسن أن تكون هناك معاهد متخصصة، أو أقسام فى الجامعات، تركز على الترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية، مع التركيز على الجودة، والدقة، والوعي بالجمهور المستهدف والفروق الثقافىة.
إنشاء نقابة أو رابطة للمترجمين المحترفىن يمكن أن يسهم فى تنظيم المهنة ورفع مستواها، وتوفىر بيئة عمل محفزة.
من الضروري أن تصاحب جهود الترجمة حملات ترويجية وتسويقية فعالة ومبتكرة. المشاركة النشطة والمنظمة فى المعارض الدولية للكتاب، وتنظيم فعاليات ثقافىة فى الخارج (مثل ندوات، قراءات، معارض فنية)، واستضافة المؤتمرات الدولية، يمكن أن يسهم فى التعريف بالأعمال المترجمة، وجذب انتباه دور النشر الأجنبية، والقراء العالميين.
استخدام وسائل الإعلام الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتسويق الرقمي، للترويج للثقافة المصرية المعاصرة بشكل جذاب ومؤثر. ويمكن للجاليات المصرية المنتشرة فى أنحاء العالم أن تلعب دورًا حيويًا ومؤثرًا فى الترويج للثقافة المصرية.
تشجيعهم على قراءة الأعمال المترجمة، وتنظيم فعاليات ثقافىة فى بلدان إقامتهم، والتواصل مع المؤسسات الثقافىة والأكاديمية هناك، يمكن أن يكون له تأثير كبير فى نشر الوعي بالإنتاج الفكري المصري، وفتح آفاق جديدة للتعاون.
إن إعادة تفعيل حركة الترجمة من مصر إلى العالم ليست مجرد رفاهية ثقافىة، إنما هي ضرورة إستراتيجية لمستقبل مصر ومكانتها فى العالم.
إنها فرصة لإعادة تأكيد دورنا كفاعلين رئيسيين فى المشهد الفكري العالمي، لا مجرد متلقين.
كما أنها دعوة لتقديم كنوزنا المعرفىة والإبداعية إلى البشرية جمعاء، وإثراء الحوار العالمي بمنظور مصري أصيل، يجمع بين عراقة الماضي وحيوية الحاضر، ويقدم نموذجًا فريدًا للتفاعل الحضاري.
ولا شك أن الطريق طويل، والتحديات كبيرة، ولكن الإرادة والعزيمة، والتخطيط السليم، والشراكة بين المؤسسات الحكومية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والأفراد، كفىلة بتحقيق هذا الهدف النبيل.
لنجعل من مصر مرآة تعكس روحها للعالم، حاملًا معها نور الفكر، وجمال الإبداع، وعمق التجربة الإنسانية.
فرصة تجعل من كل كتاب مصري مترجم، وكل بحث علمي منشور بلغة أجنبية، سفىرًا لمصر، يحكي للعالم قصتنا، ويقدم للعالم إسهامنا، ويدعوه إلى حوار حضاري بناء ومثمر.
من البادية إلى الهامش الحضرى
عبد الله إبراهيم فى مواجهة «المركزية الغربية»
سمير عبد الباقى .. فى آخر حوار قبل الرحيل:





