اليد العليا: حياة مصنوعة فى مختبر

اليد العليا
اليد العليا


زهير كريم

على الرغم من أنّ «اليد العُليا»، روايةُ إيمان جبل، الصادرة عن منشورات المتوسط، وُضِعت تحت تصرّفنا، أو عُرِضتْ لنا، كمواجهةٍ لتلقّى عددٍ من القضايا، فإنّى أرى أنّ انتصار الذات الإنسانيّة بالحب، ضدّ القمع والإيهام والمؤامرة التى تنسجها السلطة بشكلٍ عامّ، هو أهمّ ما يُترشّح عن الحكاية، التى جاءت على شكل مونولوغ داخليّ فى معظم المساحة السرديّة؛ حكايةٌ متشظّية، خَلخَلت الكاتبة فى تقديمها الشكل، ومزجت فى أسلوبها بين التركيب الشعريّ للجملة والفلسفى الذى ينطوى على تنويرّ، فانتجت نصا ينفتح فى اكثر سماته وضوحا على الانزياحات الدلاليّة من جهة، واللاخطيّة فى بثّ الحكاية من جهةٍ أخرى، مستثمرةً البعد السيكولوجيّ، والإسقاطات الرمزيّة للشخصيّات، مع الاعتماد فى تشييد النصّ على بُنيةٍ غير تقليديّة لا تربط الأحداث بسببٍ ونتيجة، فتظهر للقارئ  وحدةٍ معماريّة تتوافق مع طروحات الكتابة الجديدة، والتى تعتمد فى تصوّراتها على عدم اليقين والتشظّى.

الشخصيّة الرئيسة، موسى فانى، تعيش حالةَ اغترابٍ جندريّ، رسّخته «اليد العُليا»، الأمّ التى لم تكن سوى آلةٍ قمعيّةٍ أرادت أن تُعالِج عُقدة الفقد لديها، بنَفْى فانى إلى منطقة (موسى)، وهو أصل العقدة التى قادتها للتآمر مع آخرين لوضع فانى فى مختبرٍ تعتمد معادلاته على فرضيّة المحاكاة، فتعيش فانى فى منفى ذهنيّ تعتقد أنّه واقعيّ، تتقلّب بين غيبوبةٍ وشكٍّ فى حدوثها، تُقابل أشخاصًا وتعيش أحداثًا تكتشف فى النهاية أنّها بتدبيرٍ من القائمين على إدارة المختبر؛ الهَمَج الذين وظّفتهم «اليد العُليا» لوضع المقادير لتجربة فرضيّة المحاكاة.

الرواية تشتغل فى حقلِ التجريب الذى لا حدود له، لكنها تعتمد فى بناء الحكاية على عدم اليقين، والشكّ فى الوجود، والشكّ فى الهويّة. ورغم ذلك، يعمل الوعى لدى فانى، الفنانة المُخلصة للسينما والموسيقى والرسم، على تأصيل نوعٍ من المقاومة.

ثم تأتى نقطة التحوّل الكبيرة من خلال اكتشافها الحبّ، أو الوصول إلى حقيقة جسدها؛ هنا يتبدّد غيمُ الوهم، وتنكشف سماءُ الذات الصافية لفانى، فتشطب «موسى» الذى حملته فى داخلها مثل مرض، وتحطّم أسطورة «اليد العُليا»، وتجبرها على الاعتراف بالهزيمة؛ الأمّ التى تترك تسجيلًا أخيرًا تقول فيه إنّها ليست أُمَّها، بل هى ثمرةُ العلاقة غير الشرعيّة بين أبيها والخادمة، وإنّها أرادتها لتكون بديلًا عن موسى، أخيها الذى مات بعد أسبوعين من ولادته.

تكتشف فانى أيضًا أنّ خوليو، الرفيق الأمين، كان شريكًا فى المؤامرة، وأنّ الرجال الذين مرّوا فى حياتها مجرّد أشباح أو حيوات متوهّمة، وأنّ الشاعرة سنيّة صالح، هى ذاتها جارتها السيّدة سنيّة، فى لعبةٍ سرديّةٍ اعتمدت فى نسيجها على فرضيّة المحاكاة؛ الوسيلة التى تُعبّر عن القمع الذى تمارسه السلطة ضدّ فرديّة الذات واستقلاليّتها.

ومنذ البداية، يظهر فى رواية إيمان جبل «اليد العُليا»، الاشتباكُ الشعريُّ فى اللغة مع الفيزيائيّ والفلسفيّ، عبر فرضيّة «العالَم الموازى» أو المنفى، إذ تعرض لنا الوقائعُ الأولى فقدانَ الطمأنينة فى مختبر «اليد العُليا»، ولا تبتعد الحبكة، فى طبقةٍ أخرى منها، عن فكرة التوغّل التكنولوجيّ فى حياة البشر عبر التدخّل الحاسوبيّ لخلق ما يُشبه الاندماج بين ما هو واقعيّ وما هو متوهَّم أو موازٍ.

لقد استثمرت إيمان جبل فى روايتها طرحًا فلسفيًّا قديمًا وجد صدًى فى البحوث الفيزيائيّة، وفى الجهد التكنولوجيّ حديثًا، لينتج عن ذلك فرضيّة متداولة عن إمكانيّة الحلول فى شخصيّات الأسلاف، كما حدث مع شخصيّة موسى فانى فى استدعاء الشاعرة سنيّة صالح عبر الجارة السيّدة سنيّة.

لكنّ ثيمة الاغتراب الجندريّ كانت هى الموضوع الذى تدور عليه الوقائع، واستدعاء الشخصيّات لخلق عالَمٍ موازٍ ذهنيّ لفانى، قبل أن يظهر العالَم الواقعيّ من خلال مقاومة الوعى للإيهام المصنوع فى مختبر «اليد العُليا»، التى لم تكتفِ بصُنع عالَمٍ من تشويهٍ جندريّ، بل تغريبٍ للمكان والزمان، على الرغم من أنّ فانى فتحت للقارئ، من خلال تأصيل فكرة المقاومة، نافذةً على المكان والزمان، باستدعاء أُغنية نجاة الصغيرة، أو باستدعاء الشاعرة سنيّة صالح.

وتفكّك الحكاية فى «اليد العُليا» يتماهى مع طبيعة الشخصيّة الرئيسة التى صنعها الاغتراب الجندريّ، والنفى الذى لم يكن فى النهاية سوى منفىً ذهنى، ترسّخت وقائعه عبر فرضيّة المحاكاة التى اشترك فى تنفيذها كلٌّ من: الأمّ، وخوليو، وآدم، والجرّاح. إذ تظهر ثيمةُ العمل متوافقةً بشكلٍ وثيق مع العديد من السيناريوهات فى تاريخ الفلسفة اليونانيّة، أو النسخ المعروضة من سينما الخيال العلميّ. ويمكن إرجاع الفرضيّة التى اعتمدتها الرواية كمحيطٍ للحدث، إلى أمثلة أخرى، مثل: «حُلم الفراشة» لجوانغ زى، أو فلسفة (المايا)، أو فى الفلسفة اليونانيّة، أو فى الفنّ التشكيليّ والسرياليّة كذلك، كأنطباعاتٍ لمواقفَ حدثت فى الأحلام، أو خلال لحظات الجنون؛ أشياءُ تحدث فى الذهن تُقنعنا أنّنا ننتمى إلى عالَمٍ آخر نتماهى معه كليًّا.

لغة «اليد العُليا» تنحاز إلى الشعريّ فى معظم نسيجها النصّى، والذى يبدو مرتبكًا أحيانًا، لكنه يتناسب مع شخصيّةٍ تُعانى اغتراب الهويّة، وارتباكًا بين الأنوثة والذكورة، وبرودًا فى الحوار مع الجسد، وشعورًا بذنبٍ مُتوهَّمٍ غامضٍ، وجدت نفسها مُدانةً به من سلطةٍ رقابيّةٍ وقمعيّة، أجبرتها على اختيار النفى بسبب أفلامها الخمسة المستوحاة من أحلامها.

الشخصيّات فى الرواية كلّها تعيش داخل دائرةٍ من الانكسار، وشعورٍ بالهزيمة: العمّة صفيّة، والأمّ، والأب، وخوليو، والجرّاح، وآدم، وفانى بالطبع، والتى تُعبّر فى جزء من السرد عن نفسها بصيغة المذكّر.

القضيّة التى شغلتنى فى بناء العمل هى الإفراط فى اللغة المجازيّة والرمزيّة، وكذلك النَفَس المونولوجيّ، الذى جعل الصوتَ واحدًا. لكنّ الرواية تحتاج إلى قارئ لا يعتمد الحكاية وحدها لتحقيق المتعة، فالعَملُ مشحونٌ بالأفكار، وبالشعريّة.