الترجمة التى اعتمدها بورخيس وكافكا |قل.. التحول ولاتقل المسخ!

فرانس كافكا
فرانس كافكا


مارك هارمان

ترجمة: أسماء يس


أنجزت ترجمتى الأولى لأعمال فرانز كافكا فى تسعينيات القرن الماضى، عندما أعلنت دار شوكن بوكس، التابعة لما كان آنذاك دار راندوم هاوس، عن مسابقة مفتوحة لترجمات جديدة لأعماله حين كلفنى فريد چوردان، وهو محرر من مواليد ڤيينا، بترجمة رواية «القلعة» ، أصر أن أترجم كل لازمة لغوية (مثل: إلا أن، ربما/ على الأرجح، وتمامًا)، وهى كلمات استخدمها كافكا بدقة ومهارة، مع أن بعض كُتَّاب اللغة الألمانية يستخدمونها بلا تمييز، ويتجاهلها المترجمون فى كثير من الأحيان.

لم يكن هذا هو التحدى الوحيد الذى واجهته فى ترجمة «القلعة»، وهى مهمة منحتنى للمرة الأولى اختبار التحفظات التى تواجهها ترجمات كافكا الجديدة، وقادتنى إلى استكشاف العملية الإبداعية الكامنة وراء روايته الأخيرة.

سعى المترجمون الأوائل إلى جعل ترجماتهم لأعمال دوستويفسكى وبروست وكافكا، وغيرها من كلاسيكيات الحداثة، تتوافق مع تفضيلات تقليدية للغة الإنجليزية تميل إلى النثر الرشيق بديع الصياغة، وأسهمت أعمالهم الريادية فى اكتساب جمهور ناطق بالإنجليزية.

لذلك قوبلت جهودنا، نحن المترجمين الجدد لمثل هذه الأعمال، فى محاولة محاكاة أساليب المؤلفين الخاصة، بما فى ذلك خصوصياتهم الأسلوبية، والتغير فى النبرة، وحتى أخطاؤهم، أحيانًا بمقاومة كبيرة.

وفى حالة كافكا؛ الكاتب شديد التفرد، الذى أصبح اسمه نفسه مرادفًا للاغتراب الحديث والعبث البيروقراطى، ما زال تأثير مترجميه الأوائل المهرة وطويلى الحضور فى المشهد الأدبى، ويلا وإدوين موير، قائمًا بقوة.

حتى أواخر التسعينيات، ظلت ترجمة موير، المعتمدة على طبعة ماكس برود المعيبة لكتاب «القلعة»، تحظى بهيمنة فى الولايات المتحدة، مع أن الطبعة النقدية الألمانية للباحث مالكولم باسلى من جامعة أكسفورد حلت محل طبعة برود عام 1982 وبعد أن قدمت ترجمتى، شكك مراجعان خارجيان فى الحاجة إلى ترجمات جديدة لأعمال كافكا، ولدهشتى، حذف مدير تحرير جديد عملى من القائمة.

لذا كتبت ونشرت ووزعت فى الدوائر العليا لدار نشر راندوم هاوس مقالاً يفصِّل المشكلات المتعلقة بطبعة برود، ويوضح مزايا الطبعة النقدية لباسلى، التى استندت إليها ترجمتى للقلعة، ولخصت الانتقادات السابقة لترجمة موير التى طرحها كُتَّاب ونقاد وعلماء فى المملكة المتحدة وأيرلندا، وأخيرًا رأت ترجمتى للقلعة النور.

عندما قرأت «القلعة» التى أبدع ويلا وإدوين موير صياغتها، كطالب جامعى فى دبلن أوائل سبعينيات القرن العشرين، أسرنى بطل الرواية (ك) بعقليته المهووسة بالتفكير المنطقى وبراعته فى التأويل.

ولما كنت ميالاً إلى المبالغة فى تفسير سلوك الشخصيات ذات السلطة، أعجبتنى الطاقة التى يبذلها «ك» بصفته مساحًا للأراضى، فى نسج فرضيات محمومة حول كل حركة، حقيقية كانت أو متخيلة، تند عن القلعة؛ خصمه الظاهرى، وكذلك البراعة التى يكشف بها المعانى الخفية الكامنة وراء الجمل البسيطة خداعة المظهر لرسالة رسمية من ستة أسطر.

لم أدرك مدى طرافة الكتاب إلا عندما قرأته بالألمانية يستخدم كافكا الفكاهة، من بين أساليب أخرى، للسخرية من منظور (ك) المصر على رأيه مثلاً يلمِّح مساعدا (ك) وهما يعلِّقان بأسلوب مازح، إلى أن عليه التخفيف من وطأة شغفه بالوصول إلى القلعة، وأن يركز على الحياة فى القرية، وينخرط فى علاقات مع العديد من القرويين.

وكان أحد التحديات كيفية إبراز وتمييز المستويات المختلفة من الفكاهة فى الرواية، وهى فكاهة لها قيمتها، على الأقل فى الأصل الألمانى، خصوصًا عند تلاوتها بصوت عال.

بدافع الفضول انحرفت عن مهمتى الأساسية فيما يخص مقاطع عديدة شطبها كافكا فى أثناء الكتابة، لكنها لا تزال مهملة نسبيًّا حتى بين المتخصصين، فبدأت أستكشف حذوفات جوهرية تكشف كيف يجعل كافكا كل شىء يبدو، كما تصرح إحدى الشخصيات فى مقطع مشطوب «مثيرًا للريبة إلى حد ما».

كأنه يضع موضع التنفيذ نصيحة ذاتية صيغت بغموض فى إحدى مقولاته المأثورة فى (دفاتر زوراو) «للمرة الأخيرة، علم النفس!» [دفاتر زوراو: مجموعة عبارات قصيرة مكثفة ونصوص فلسفية تأملية تمزج بين الروحى والوجودى، وتركز على أسئلة المعنى والحقيقة والإنسان، دوَّنها كافكا فى أثناء إقامته بقرية زوراو- بوهيميا بين 1917 و1918، وهو يتعافى من السل.

يحذف كافكا بشكل متسق للغاية مقاطع شخصية جدًا ويسيرة التأويل، وتكشف عن الكثير من الناحية النفسية.

تقع فقرة مشطوبة يُقر فيها (ك) صراحةً بعزلته وشوقه «للدفء والنور وكلمة ودودة» ضحية لتحرير كافكا، تاركة لنا بطلاً مضادًا يخفى هشاشته الوجودية والعاطفية.

كذلك يشطب كافكا نقاش (ك) الداخلى حول كفاحه المستمر للوصول إلى القلعة، وكيف يوصله هذا إلى نسيان «الحاضر من أجل الهدف الأسمى».

تنبئ مثل هذه الكشوف عن صراع وجودى استحضره كافكا بعبارات لا تُنسى فى رسالة كتبها إلى ميلينا قبل عامين من «القلعة»: «لم أُمنح شيئًا، علىَّ كسب كل شىء، لا فى الحاضر والمستقبل فحسب، بل فى الماضى أيضًا».

كمترجم وباحث فى أعمال كافكا، سعدت أن كُلِّفت بتحرير وترجمة كتابه «القصص المختارة» (2024) ضمن سلسلة الكلاسيكيات الأدبية المرفقة بشروحات، الصادرة عن منشورات جامعة هارڤارد.

وفى المقدمة البيوغرافية والتصدير، استطعت تأكيد حدسى بأن الطابع الحسى العميق الكامن فى نثر كافكا الذى يبدو فى الظاهر منفصلًا أو محايدًا، هو أحد أسباب جاذبيته الدائمة.

سمحت لى الهوامش بتنبيه القراء لفروق لغوية وثقافية لم أستطع نقلها بدقة كافية فى الترجمة ففى حين تمتلك اللغة الإنجليزية حصيلة مفردات كبيرة بشكل استثنائى، تضطر لغات ذات مفردات أقل إلى تحميل الكلمة الواحدة نطاقًا أوسع من المعانى. وفى هذا تحدٍ للمترجم، خصوصًا فى حالة كاتب يحب اللعب بالمعانى المتعددة للكلمة الواحدة.

حتى مهمة ترجمة عناوين كافكا التى تبدو بسيطة يمكن أن تكون معقدة يكفى أن نتأمل Der Process («المحاكمة» أو «الإجراء») وDas Schloss («القلعة» أو «القفل»). وفى حين يمكن لكافكا أن يتلاعب بالمعانى المتعددة، على المترجم أن يختار واحدًا منها.

هل كان قرارى أن أعنون قصة كافكا عن الحشرة بـ«التحول» «جريئًا، إن لم يكن وقحًا»، كما تؤكد الكاتبة چوى ويليامز فى عدد مايو 2024 من مجلة هاربر؟ بالتأكيد لا فالأمر أن كافكا نفسه، الذى ترجم فى مدرسته الثانوية الصارمة فى براغ مقطعًا من التحولات لأوڤيد، لم يترجم قصة الحشرة إلى المسخ Die Metamorphos، بل التحول Die Verwandlung.

كان لكلمة «تحول» دلالة شخصية بالنسبة لكافكا، إذ استخدمها لوصف تغيرات لاحظها فى بعض الصور الفوتوغرافية لطفولته، وذلك فى رسالة إلى فيليس باور كتبها فى أثناء تأليفه «التحول» «آنذاك، أعتقد أننى كنت لا أزال أنتمى لنفسى بالكامل، ويبدو أننى كنت راضيًا جدًا بتلك الحال ولأنى الابن الأكبر، التُقِطت لى الكثير من الصور، لذلك ثمة سلسلة طويلة من التحولات (Verwandlungen)».

على رغم أنه من المفترض عمومًا أن الزوجين موير الرائدين، اللذين قدما معظم أعمال كافكا إلى الناطقين بالإنجليزية، كانوا أول مترجمين لكتاب Die Verwandlung، فقد سبقهما فى الواقع أ. ل. لويد؛ وهو عالم فلكلورى إنجليزى ومغنٍ وناشط سياسى، عنون القصة بـالمسخ The Metamorphosis فى عام 1937.

وبعد 12 عامًا، أعلن ناشر الزوجين موير، سيكر وواربورج، على غلاف ترجمته لقصص كافكا بأنها «الطبعة النهائية»، كذلك جاء على الغلاف أن «المسخ صارت الآن التحول» ومع ذلك، فى الطبعات اللاحقة، رفض الزوجان موير، أو ربما ناشرهما، هذا العنوان البسيط المناسب واستبدلوه بـالمسخ Metamorphosis العنوان الشهير غير المناسب.

فى لغات أخرى أيضًا، كان ثمة تراوح مماثل حول أفضل طريقة لترجمة Die Verwandlung. ففى عام 1925، بعد عام واحد فقط من وفاة كافكا المفاجئة فى سن الأربعين، ظهرت أول ترجمة إسبانية لقصته الأكثر شهرة فى المجلة الثقافية المؤثرة ريبيستا دى أوكثدنتى تحت عنوان المسخ La metamorphosis.

لاحقًا، أعيد إصدار هذه الترجمة فى بوينس آيرس فى مجلد من قصص كافكا المختارة، 1938، وترجمه بالكامل خورخى لويس بورخيس. ومع ذلك، أقر بورخيس، بلا شك بلمعة فى عينيه، فى مقابلة مع جيلبرتو سورينتينو نشرت فى كتاب (سبع محاورات مع بورخيس، 1982) بأنه لم يستطع ترجمة Die Verwandlung لأنه يعرف ما يكفى من الألمانية ليدرك أن العنوان الإسبانى ينبغى أن يكون التحول La transformación.

وعلى الرغم من أن كلمة «تحوُّل» تعكس تفضيل كافكا للغة البسيطة، فإن مقاطعها اللاتينية الرتيبة تفشل فى محاكاة الإيقاع الانسيابى لكلمة Verwandlung.

مع ذلك، وكما هو الحال غالبًا فى الترجمة، لا يوجد حل مثالى.. فهل أقاتل طواحين الهواء إذن؟ أم أن مفردة «التحول»، البسيطة فى زخرفها والموحية وجوديًّا، يمكن أن تحل يومًا ما محل «المسخ» ذات الطابع الأسطورى العلمى التى باتت سائدة اليوم؟