د. محمد نصر الدين الجبالى
مثلت وفاة الكاتب والمفكر الكبير صنع الله إبراهيم خبراً حزيناً ليس فقط للدوائر الثقافية والأدبية فى مصر بل فى روسيا أيضاً حيث يتمتع الكاتب بمكانة مهمة وبارزة بين جيل الكُتّاب المصريين المعاصرين الذين كان لهم دور مهم فى تطور الأدب المصرى والعربى وارتبط اسمه بروسيا فى مراحل عديدة من مسيرته الإبداعية.
وقد كتبت صحيفة «روسيسكايا جازيتا» إحدى كبريات الصحف الروسية اليومية تنعى الكاتب الذى وصفته بأنه من أشهر الكُتّاب والأدباء المصريين فى القرن الحادى والعشرين وأحد كبار ممثلى تيار أدب الستينيات فى مصر وواحد من كبار كُتّاب الحداثة فى مصر والعالم العربي.
ولعله من المثير للفخر أن نجد الموسوعة الروسية الكبرى تفرد مساحة كبيرة للحديث عن الكاتب وأهم ترجماتٍ صدرت لأعماله.
فالكاتب الذى وُلد فى عام 1937 سرعان ما ارتبط اسمه بالحركة الماركسية اللينينية وبالأيديولوجية السوفيتية وانضم مباشرة بعد حصوله على شهادة الحقوق من جامعة القاهرة إلى هذه الحركة التى كانت تهدف الى تحقيق الاستقلال والتحرر الوطنى. وكان عام 1952 عاماً حاسماً فى حياة هذا الشاب.
وقد دفع ثمناً باهظا لمواقفه وانضمامه للحركة حيث تعرض للسجن لمدة سبع سنوات وقضى فى السجن حتى عام 1964 حتى تم العفو عنه بمناسبة زيارة الرئيس السوفيتى خروشوف لمصر.
ثم عمل صحفيًا فى وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية (MENA) من عام ١٩٦٧، ثم فى وكالة الأنباء الألمانية فى برلين من عام ١٩٦٨ إلى عام ١٩٧١.
ثم ارتبط اسمه بروسيا مرة أخرى فى الفترة بين عامى ١٩٧١ إلى عام ١٩٧٤، حيث قضى فترة فى موسكو فى المعهد الروسى الحكومى للتصوير السينمائى باسم س. أ. جيراسيموف، وتحديدا فى قسم التصوير السينمائى وإخراج الأفلام الروائية.
ويُنظر إلى صنع الله إبراهيم فى روسيا بوصفه كاتباً يتميز نثره بالنزعة النفسية والقدرة على التحليل النفسى على غرار أدباء روس عظماء كدوستويفسكى وجوجول. كما وصُف بقدرته على التأمل الذاتى وتقديم التسلسل الزمنى بشكل متقطع. وتشبه معظم مؤلفاته إلى حد كبير أعمال الأدب الوثائقى أو ما يُعرف فى روسيا بأدب الحقيقة وهو تيار نشط فى الاتحاد السوفيتى فى فترة الستينيات وما تلاها.. ومن أهم رواده فى الأدب الروسى ألكسندر سولجنتسين وفارلام شالاموف ويتجلى فى اعتماد صنع الله إبراهيم على الاستشهادات والوثائق والمُقتطفات والقصاصات من مقالات صحفية وتقارير ودراسات اجتماعية واقتصادية لبيان صدق ما يكتب.
وجاء فى الموسوعة الروسية الكبرى أن صنع الله إبراهيم ينتمى إلى جيل الستينيات المصرى على غرار جيل الستينيات فى الاتحاد السوفيتى، وأنه كان أحد أبرز كتاب مجلة «جاليرى 68» الأدبية الطليعية. وقد صدرت مجموعته القصصية الأولى «تلك الرائحة» فى عام 1966 وقد تُرجم له عمل واحد الى اللغة الروسية وهو رواية «اللجنة» التى صدرت فى عام 1981 و تُرجِمت إلى اللغة الروسية فى عام 2010.
وتقدم الموسوعة عرضاً لأهم إبداعات الكاتب وموضوع كل رواية حيث تحكى رواية «ذات» قصة امرأة وُلدت فى اليوم الذى بدأت فيه الثورة المصرية 23 يوليو 1952وتقدم رواية «بيروت، بيروت» (1984) لمحة عامة عن تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية التى دارت رحاها بين عامى 1975 و1990 فيما تصف رواية «وردة» (2000) الصراع المسلح فى ظفار من عام 1962 إلى عام 1976.
وتحكى رواية « برلين 69» التى كُتبت أثناء إقامة الكاتب فى ألمانيا الشرقية عن حياة الألمان، وكذلك المهاجرون العرب والأكراد، بعد بناء جدار برلين.
وتصور رواية «العمامة والقبعة» صراع الثقافات الشرقية والغربية خلال حملة نابليون بونابرت على مصر.
وتشمل روايات السيرة الذاتية عند الكاتب: «أمريكانلي» (2003)، التى يستخدم فيها بحوثاً علمية لدراسة بنية المجتمع الأمريكى وأسلوب الحياة هناك؛ و«يوميات الواحات» (2005)؛ و«التلصص» (2007) التى تتناول انطباعات الطفولة. أما رواية «الجليد» (2011)، فتروى فى فصول قصيرة عن حياة طالب مصرى فى موسكو فى عهد ليونيد بريجنيف.
وقد تناول النقد الروسى أعمال صنع الله إبراهيم بالتحليل والدراسة.
ولعل من أهم المُستشرقين الذين اهتموا بالبحث فى أعمال الكاتب فاليريا كيربيتشينكو و ن. كوفيرشينا وميخائيل سوفوروف وغيرهم. حيث وصف الأخير الكاتب بأنه من رواد روايات الواقعية الجديدة وما يُعرف بالتقليدية الجديدة و خاصة فى أعماله «شرف» و«تلك الرائحة» و«اللجنة» و «ذات» ، فى حين تناولت أعماله فى القرن الحالى الواقع المصرى الأربعينيات.
ومحاولات السعى الى التفكير فى معنى المصير الوطنى لمصر من خلال تقديم المجتمع الأمريكى. كما يسعى الكاتب فى رأى سوفوروف الى الجمع بين سمات الوثائقية والخط التنويرى وسمات تيار ما بعد الحداثة فى روايته «أمريكانلي».
وتعد فاليريا كيربيتشينكو عميدة المُستشرقين الروس فى مجال دراسة الأدب المصرى، حيث قامت بترجمة معظم أعمال نجيب محفوظ فضلاً عن إبداعات بهاء طاهر ويوسف القعيد وغيرهما.
ومن بين اهتماماتها إبداعات صنع الله إبراهيم الذى تُرجمت روايته «اللجنة» وكتبت عنه تقول: إنه صحفى محترف بحكم التخصص وهو الأنا الأخرى للمؤلف والراوى الرئيسى فى رواياته الأربع الأولى .
وأسلوب صنع الله إبراهيم ساخر، والصور التى يرسمها غريبة أحيانًا، وتبدو رواياته السياسية الحادة، التى تُعالج الأحداث دائماً صادمة للقارئ.
وفى مقدمة ترجمتها لرواية «اللجنة» كتبت المستشرقة الروسية الكبيرة تقول: ان صنع الله إبراهيم ينتمى الى جيل ستينيات القرن العشرين، ما يُسمى جيل «الموجة الجديدة» فى الأدب المصرى.
فى ذلك الوقت، أثار ظهور هذه الحركة الشبابية جدلاً واسعاً فى النقد الأدبى المصرى. وثار الجدل حينها حول أسباب «تمرد» الشباب، وحول جدية مطالباتهم بـ «تجديد» جذرى للأدب، وحاول صنع الله فهم جذوره الأدبية، وفهم ما إذا كانت تجاربه مجرد زوبعة فى فنجان، أو مجرد تقليد أعمى للأسلوب الأدبى الأوروبى.
وذكرت أن صنع الله إبراهيم قد استوحى أفكاره من الجيل الأقدم من الرواد من أمثال: نجيب محفوظ و يوسف إدريس - رواد النثر الحديث، الذين تأثروا بمدرسة الواقعية الأوروبية والروسية، والذين استلهموا أفكارهم من تعاليم دوستويفسكى الأخلاقية - وأساتذة الوجودية الفرنسية سارتر وكامو، وكتاب مسرح العبث بيكيت ويونسكو، ناهيك عن شخصيات مثل كافكا وفرويد، الذين ازداد الاهتمام بهم بشكل غير عادى فى ذلك الوقت.
وتذكر كيربيتشينكو أنه وعلى الرغم من صدور روايته الأولى «تلك الرائحة» مبتسرة ومنقوصة بفعل الرقابة (1966) ، إلا أن الواقعية بدت فيها واضحة كاشفة للغاية والآن، وبعد عقود، يتضح أن الموجة الأدبية الجديدة فى مصر لم تكن مجرد ظاهرة عابرة، وأن نوايا هذا الكاتب الشاب كانت جادة للغاية.
صمد صنع الله إبراهيم فى وجه صعوبات الحياة اليومية ودوامة التغيرات الاجتماعية والسياسية حتى نال مكانة رائدة فى النثر المصرى. ويدين صنع الله إبراهيم بطول عمره الإبداعى لارتباط إبداعاته دوماً بالواقع المصرى المتغير بسرعة وبتحديات العصر المتلاحقة.
وتشير كيربيتشينكو إلى تميز أعمال صنع الله إبراهيم بكون الراوى يظهر دوماً كشخص قريب جدًا من الكاتب، وإن لم يكن مُتماهيًا معه، ويروى قصة عن نفسه وعن تجربته الشخصية، ويعبر عن موقفه الخاص مما يحدث حوله، متجنبًا «التحديد الأيديولوجى المُسبق».
وفى محاولة لتجديد الأدب وتقديم نهج جديد فى الطرح نجده يقدم شكلاً من الرواية النفسية الاستبطانية، حيث ينعكس الواقع فى الوعى الذاتى الفردى للراوى. ومع ذلك، يرى المؤلف أن مهمته الرئيسية هى «كتابة الحقيقة».
ففضلاً عن التجربة الشخصية، يُصبح الأسلوب الوثائقى أساسًا لمصداقية العالم المُصور بالنسبة لصنع الله إبراهيم، حيث يستخدم المواد الصحفية ومقتطفات من دراسات اجتماعية وسياسية فى نص الرواية، لتأكيد ملاحظاته وانطباعاته الخاصة بها. ويُبرر استخدام أنواع مختلفة من المنشورات كون البطل الراوى دوماً فى أعماله صحفيً مجهول الهوية وعاطل عن العمل.
كما يؤدى دور الراوى فى قصة «اللجنة» (1981)، حيث يكتب صنع الله إبراهيم بقسوة وسخرية، مُخفيًا وراء السخرية مشكلاتٍ وآلاماً عميقة وتواصل عميدة المُستشرقين الروس فى مجال الأدب المصرى تحليل أعماله اللاحقة، حيث تقول إن (روايتى «ذات» (1992) و«شرف» (1997)، وهما شكل من اللوحات المزدوجة التى تصور التقمص الأنثوى والذكورى لمصر).
كما يتم طرح موضوع الحرب الأهلية فى لبنان (رواية «بيروت بيروت» (1984))، وموضوع حركة التحرير الوطنى فى بلدان الشرق (رواية «وردة» (2000)).
وخلال رحلته إلى الولايات المتحدة، يحاول فهم بنية المجتمع الأمريكى وأسلوب الحياة الأمريكى، بالإضافة إلى طبيعة الصراع العربى- الإسرائيلى، بحيادية وموضوعية قدر الإمكان، متسلّحًا بمعرفة الأعمال التاريخية الجادة.
وترى كيربيتشينكو أن التجديد والروعة فى رواية «ذات » يكمن فى الفصل لأول مرة بين البطل الرئيسى والأبطال الثانويين. فضلاً عن ذلك فإن بطلة الرواية هى امرأة عادية بسيطة للغاية وزوجة مصرية عادية وأم لثلاثة أبناء يربطها بالعمل الصحفى فقط كونها تعمل فى أرشيف إحدى الصحف.
إلا أن اسمها الغريب، الذى يعنى «الشخصية» أو «الجوهر» أو «الذات»، يشجعنا على النظر إليها ليس فقط بوصفها مجرد شخصية عادية، بل كصورة تحمل معنى أوسع، تُجسد سماتٍ جوهرية للشخصية الوطنية، «شخصية مصر».
ويتولى الراوى المجهول دور المؤلف العليم، ويروى قصة حياة البطلة بكل تفاصيلها، كاشفاً عن عالم مشاعرها وهمومها وآمالها وخيبات أملها.
ويرى النقاد الروس أنه بالنظر إلى أعماله الأخيرة من منظور ارتباطها بتقاليد النثر السردى العربى، يجب أن نتذكر أن استخدام نصوص الآخرين، واختيارها، والاقتباس منها، وترتيبها بترتيب معين، باختصار، ما يفعله صنع الله إبراهيم فى الفصول الوثائقية، هو مبدأ تقليدى فى تنظيم المادة وتأليف نص خاص فى الأدب العربى فى العصور الوسطى. وفى الفصول السردية، تتجلى بوضوح تقاليد النثر المصرى فى النصف الأول من القرن العشرين.
وعلى الرغم من ترجمة رواية واحدة الى اللغة الروسية وهى «اللجنة» والتى صدرت فى عام 2010 إلا أن اسم صنع الله إبراهيم يحتل مكانة بارزة بين قائمة كبار الأدباء المصريين وعادة ما يُطرح اسمه كأحد أهم الكتاب المُجددين فى الأدب المصرى ومن أكثر الكُتّاب المعاصرين تأثراً بالأدب والثقافة الروسية. كما كانت أعماله موضوعاً للعديد من الدراسات النقدية وآخرها على سبيل المثال دراسة تأثير كافكا على الكاتب وتجلى ذلك فى روايته «اللجنة».
كما يتم دراسة أعماله فى أقسام اللغة العربية فى روسيا كنماذج للأدب المصرى الحديث ومنها على سبيل المثال برنامج اللغة العربية بجامعة الصداقة الروسية الحكومية بمدينة موسكو – من كبريات الجامعات الروسية وفى كلية الاستشراق بجامعة داغستان الحكومية وكلية الاستشراق بجامعة سان بطرسبورج وغيرها.
والمؤكد أن السنوات القادمة ستشهد اهتماماً كبيراً بترجمة أعمال صنع الله إبراهيم والمزيد من الدراسات المقارنة والوقوف عند دوره ومكانته فى الأدب المصرى والموتيفات الروسية فى أعماله.
عبد الله إبراهيم فى مواجهة «المركزية الغربية»
سمير عبد الباقى .. فى آخر حوار قبل الرحيل:
بعد احتلال قلعة الشقيف الأثرية بجنوب لبنان: الإنسانية تفقد تراثها






