حوار: توجرول مندي
ترجمة: مروة إسماعيل
فى سبعينيات القرن الماضى، قضى صنع الله إبراهيم فترة دراسية فى موسكو، المدينة التى ستتحول لاحقًا إلى موضوع روايته "الجليد".
وقد صدرت الرواية بالتزامن مع اندلاع ثورة عام 2011. بعد ثمانية أعوام، صدرت ترجمة مارجريت ليتفن إلى الإنجليزية، لتمنح القراء نافذة على تجربة إبراهيم فى موسكو.
فى الواقع، تُرجمت العديد من روايات صنع الله إبراهيم إلى لغات مختلفة، مما جعله واحدًا من أكثر الكُتّاب المصريين حضورًا على الساحة العالمية.
فى هذا الحوار، تتحدث مارجريت ليتفن عن رواية "الجليد"، وعلاقتها بأدب الرحلة، وما كانت عليه الحياة فى موسكو خلال سبعينيات القرن الماضى.
كان كتابك الأول بعنوان «رحلة هاملت العربية». كيف انتقلتِ من شكسبير إلى صنع الله إبراهيم؟
صحيح، فهما كاتبان مختلفان تمامًا! لكن حلقة الوصل بينهما كانت الاتحاد السوفيتى حين بدأتُ العمل على كتاب هاملت، لم أقتصر على الترجمات، بل درست أيضًا الاقتباسات والعروض والتفسيرات، ولاحظت باستمرار أن الاتحاد السوفيتى وأوروبا الشرقية كانا من أهم القنوات التى نقلت قراءات شكسبير إلى مصر.
ومن هنا جاء اهتمامى بالكٌتّاب العرب الذين تفاعلوا بعمق مع الثقافة الروسية أو قضوا وقتًا فى الاتحاد السوفيتى. هذا ما أطلق مشروعى البحثى الحالى حول الروابط العربية - السوفيتية.
وعندما نُشرت رواية «الجليد» عام 2011، جاءت فى صميم هذا البحث، وأثارت اهتمامى بشدة.
أسلوب صنع الله فى الكتاب إثنوغرافى وتاريخى فى آن؛ فهو بمثابة مؤرخ لمصر الحديثة فى زمن العولمة.
وقد شدّنى على وجه الخصوص إلى تجربته فى الاتحاد السوفيتى وما قاله عنها.
ماذا عن تجربته فى الاتحاد السوفيتى؟
كما تعرف، كان صنع الله إبراهيم شيوعيًا بين عامى 1959 و1964 قضى فترة فى السجن بسبب انتمائه الشيوعى بعد ذلك سافر إلى وارسو ثم إلى برلين الشرقية، حيث عمل فى وكالة الأنباء فى ألمانيا الشرقية (Allgemeiner Deutscher Nachrichtendienst) مصححًا لغويًا للنصوص العربية.
كتب عن تلك المرحلة رواية بعنوان «برلين 69». ثم انتقل إلى موسكو، وحصل على منحة للدراسة فى معهد غيراسيموف للسينما (VGIK).
فى موسكو التقى بعدد كبير من السوريين؛ فقد تلقّى معظم أبرز المخرجين السوريين تدريبهم فى ذلك المعهد.
وفى فترة ما، تقاسم غرفة مع المخرج محمد ملص. كانا كليهما يكتبان، أو على الأقل كان ملص يطمح إلى أن يكون كاتبًا. وقد شدّنى كثيرًا هذا المشهد: صورة الاثنين يجلسان على مكتبين مختلفين فى غرفة سكن طلابى واحدة، يكتب كل منهما ملاحظاتٍ عن الآخر.
كان ذلك يثير فضولى لأنه بدا لى مشهدًا «سوفيتيًا» بامتياز، لكن الفارق أنهما لم يكتبا تقارير للـ «كى جى بى»، بل كان يسجلان كل تفصيلة بدافع طموح أدبى، لرواياتٍ مستقبلية.
كما أخرجا معًا فيلمًا بعنوان «الكل فى مكانه، وكل شىء على ما يرام، يا سيدى الضابط»، وكان صنع الله بطل الفيلم، رغم أنه لم يكن ممثلاً. لعب دور نفسه: سجين سياسى يقرأ الصحف.
هل تعتقدين أن موسكو كانت فى أوجها خلال سبعينيات القرن الماضى؟
كانت تعجّ بالمثقفين العرب، كلٌّ منهم هناك لأسبابه الخاصة، لمجرد أن المنح الدراسية كانت متاحة. والمفارقة أنّه رغم كونها دولة شمولية، فقد كانت بالنسبة لهم تجربة الحرية مقارنةً بما عاشوه فى أوطانهم. وهناك التقوا: مصريون وسوريون وعراقيون وفلسطينيون، يجتمعون ويتسامرون ويأكلون ويشربون معًا ويتابعون أخبار حرب 1973.
ولماذا كانت موسكو مكانًا مهمًا للدراسة فى الخارج؟
كانت ميسورة التكلفة لأشخاص مثل محمد ملص.
لم تكن لديه رغبة خاصة فى الذهاب إلى روسيا أو حتى أن يصبح مخرجًا سينمائيًا، لكنه كان يريد السفر.
المنحة فى حد ذاتها كانت نتاج السياسة الدولية أما صنع الله، فكان يريد مكانًا يستطيع أن يجلس فيه ليكتب.
لم يكن البقاء فى مصر آمنًا له كونه شيوعيًا فى ظل حكم السادات. وقد وجد له أصدقاؤه منحة دراسية.
وبالإضافة إلى ذلك، كان الأدب الروسى شديد الجاذبية، إذ أسهمت الدبلوماسية الثقافية السوفيتية فى جعله متاحًا بأسعار زهيدة وبترجماتٍ جيدة.
كان بالإمكان شراء الرواية الروسية بسعر أقل من نظيرتها العربية.
وهكذا انجذب كثير من المثقفين إلى الذهاب مباشرة إلى المصدر.
وقد وفّرت الأنظمة بدورها سبل تحقيق ذلك.
كيف استُقبلت رواية «الجليد» عند صدورها عام 2011؟
قال لى صنع الله: «ما جائتش فى وقتها». فقد كان يوم النشر فى 25 يناير 2011، وبالتالى الناس كانوا مشغولين بالثورة فلم يكن هناك مجال لاستقبال نقدى حقيقى. ظهرت بضع مقالات اعترضت على طريقته فى تقديم صورة روسيا، لكن لم يُكتب الكثير عن الأسلوب الأدبى للرواية.
لاحقًا كتب إليوت كولا مقالة مهمة ربط فيها بين جمود الاتحاد السوفيتى فى عهد بريجنيف وجمود مصر فى عهد مبارك.
وكيف يمكن وضع «الجليد» فى سياق أرشيف صنع الله إبراهيم، وما الذى تكشفه عن مصر اليوم؟
أرشيف صنع الله الشخصى ثروة حقيقية. فى الوقت الراهن (2022)، ما زال محفوظًا فى صناديق عديدة داخل شقته فى مصر الجديدة.
وآمل حقًا أن تبادر مكتبة كبرى إلى اقتنائه. فقد احتفظ صنع الله بأشياء مثل: تذاكر السفر، البطاقات البريدية التى تلقّاها، دفتر يومياته، شهادة تخرّجه من معهد السينما، وتوثيق مراحل عديدة من حياته وعمله (وهو أحد أكثر الكُتّاب المصريين المعاصرين خضوعًا للدراسة) – إلى جانب قصاصاته من الصحف المصرية، ذلك الأرشيف المنزلى للتاريخ المصرى.
ما زال يحتفظ بتلك الألبومات من القصاصات التى يصفها فى «الجليد» وفى إنشاء ملص «بورتريه صنع الله إبراهيم». هذه الألبومات تكشف كيف كان يفهم التاريخ المصرى.
مشروع حياته بأكمله كان محاولة لفهم مسيرة جمال عبد الناصر وإرثه، وعلاقة جيله بعبد الناصر. (وقد نشر مؤخرًا روايته «1970» التى استندت إلى هذا البحث). إن عمله يتجاوز حدود أى يسارية ضيقة، فهو أكثر من مجرد محاولة لفهم ما حدث للمصريين ما بعد الاستعمار.
هل تتذكرين متى سمعتِ لأول مرة عن صنع الله إبراهيم؟ وما الذى دفعكِ إلى دراسة رواياته؟
فى مرحلة الدراسات للدكتوراه قرأت «تلك الرائحة» و«اللجنة» و«ذات» وبعض الروايات الأخرى واستمتعت بها.
كنت حينها أعمل بالفعل على مشروع الروابط السوفيتية، وعندما صدرت «الجليد» شعرت أنها جاءتنى على طبق من ذهب، وكنت متحمسة جدًا. قرأت الرواية، ولاحظت كيف توظّف الكلمات الروسية، وفكرت: أنا بالضبط الشخص المناسب لترجمة هذه الرواية إلى الإنجليزية. فقد وُلدت فى موسكو ونشأت على اللهجة الروسية.
ما تفعله «الجليد» هو أنها تجعل الظواهر الروسية والسوفيتية غريبة ومثيرة للدهشة: الطعام، الموسيقى، النكات، أسماء الأشياء اليومية، وحتى السكن الطلابى نفسه الذى يسميه «الأبشجيتي» (общежитие).
هناك بُعد إثنوغرافى واضح: صنع الله يريد من القارئ المصرى أن يلمس كم كان الشعور بالغربة قويًا. فعلى سبيل المثال، فى كل مرة يخرج فيها الراوى شكرى إلى الشارع، يسرد بالتفصيل الملابس الثقيلة التى يرتديها: القبعة أو «شابكا»، المعطف، القفازات، الوشاح، الجوارب الصوفية، والحذاء.
يكرّر هذا الوصف كل مرة ليؤكد على قسوة البرد، وعلى العقبات التى تحول دون التواصل الإنسانى. تشعر بأن هذا الشخص غريب عن المكان.
وهو نفس تأثير الاغتراب الموجود فى «تلك الرائحة»، لكن هذه المرة فى بلد أجنبى.
النص يتوقف مطولاً عند تفاصيل يومية مُحرجة لدرجة أن القارئ يتمنى لو أن الراوى يشيح بالكاميرا بعيدًا، لكنه لا يفعل.
إلى أى مدى كان من الصعب نقل كل هذا إلى الإنجليزية؟
أصعب ما فى الأمر – كما أشار روبن كريسويل أيضًا –إلى أن أسلوب صنع الله فى العربية أسلوب «عاري» جدًا.
إنه «قليل الأدب» بالمعنيين معًا: فظ فى المحتوى وخشن فى الأسلوب الأدبى. وفى العربية، هذه الفجاجة صفعة مباشرة فى وجه القارئ، أكثر بكثير مما هى عليه فى الإنجليزية التى اعتاد قراؤها على الجمل القصيرة المباشرة.
التحدى الأكبر كان إذن أن أنقل هذا الإحساس بالبلادة والفجاجة الأسلوبية، وفى الوقت نفسه أقدّم نصًا واضحًا وقابلاً للقراءة. وهذا كان محل تفاوض مع الناشر، كما يمكنك أن تتخيل.
تحدٍ آخر هو أن كثيرًا من المواقف الأشد حزنًا أو طرافة فى الرواية يُقدَّم كله ضمنيًا فالأحداث العاطفية المهمة تقع «بين السطور».
مثلاً، عندما يتحاور مصرى مع امرأة روسية غير جذابة حول «قضية المرأة» فى مصر، يبدو النقاش محرجًا، لكنه فى الحقيقة تفاوض ضمنى حول إمكانية إقامة علاقة. على القارئ أن يتخيل المشهد ليلتقط السخرية.
كان هدفى أن أترك نفس المساحة الفارغة بين السطور كما فى النص العربى، وأن أعيد إنتاج بنيته المُغرِبة ونبرته الساخرة برفق. وآمل أن يكون هذا قد وصل إلى القارئ.
بعد «الجليد»، نشر صنع الله إبراهيم رواية «برلين 69» كيف تقارنين بين الروايتين؟
أعتقد أن الروايتين متواصلتان فى الأسلوب، بنفس النبرة الرتيبة المجرّدة من الانفعال، لكن موسكو – وبالتالى الجليد – حملت عبئًا أثقل من الخيبة.
تخيّل أن تكون شيوعيًا وتمضى خمس سنوات فى السجن تنسخ مقتطفاتٍ من الدوريات الأدبية عن كُتّاب سوفيت.
ثم تصل أخيرًا إلى مكة الحمراء (موسكو) نفسها، فإذا بها مكان بائس وكئيب. أظن أن الرهان كان أقل حدة فى برلين.
كيف ترتبط رواية «الجليد» بجنس أدب الرحلة العربى؟
أراها جزءًا أصيلاً من هذا الجنس الأدبى.
فالعربية من – على خلاف لغات أخرى أعرفها – تحتضن نوعاً أدبياً مُميزًا لما يمكن أن نسميه «أدب الدراسة فى الخارج».
وهو نوع لم يُعترف به أو يُؤطَّر فى اللغات الأخرى كجنس أدبى مستقل عن كتابات المنفى والاغتراب.
غير أن «الجليد» تنخرط بوضوح فى هذا السياق الأدبى، وتستحضر روايات «الرحلة فى طلب العلم»، مثل رواية توفيق الحكيم «عصفور من الشرق» عن باريس.
والمثير فى كتابة صنع الله إبراهيم أنّه، وإن انخرط فى هذا المسار، يكتب بعين الغريب حتى حين يكون «فى الوطن»، كما فى «تلك الرائحة». نظرته دومًا مُشبعة بالاغتراب، وكأنها تُسقِط أثر التغريب على أى موضوع يتناوله.
ما الأعمال الأخرى التى يستحسن لقارئ الترجمات أن يطالعها لصنع الله إبراهيم؟
فى السنوات الأخيرة، أُعيد فتح أبواب عالم صنع الله أمام القرّاء بترجماتٍ جديدة لعدد من أعماله.
فقد قدّم حسام أبو العلا رواية «وردة» عن مدينة ظفار فى عُمان (2021)، ويتهيأ بروس فادج لإصدار ترجمته المرتقبة لرواية «العمامة والقبعة» عن منشورات سيغال.
كذلك أُعيد تقديم «بيروت بيروت» بترجمة تشيب روسيتى (2014)، و«تلك الرائحة» ومقتطفات من «يوميات الواحات» بترجمة روبين كريسويل (2013). حتى أن روايته الشهيرة «اللجنة» ظهرت فى ثوب روائى مصوَّر.
وأنا ما زلت أتطلع إلى أن يُترجَم يومًا عمله «أمريكانلي: أمرى كان لي»، الذى يستعيد فيه تجربة عيشه فى بيركلى بولاية كاليفورنيا.
كما أن نصه القصير المبكر «1967 « الذى ظلّ طويلاً طيّ النسيان – يستحق أن يُقرأ إلى جانب روايته الأحدث «1970» التى تتأمل فى إرث عبد الناصر.
إنه رصيد متنوّع يتيح للقارئ أن يتتبع مسار كاتب جعل من الرواية مختبرًا لتجربة جيل بأسره.
نُشر الحوار فى موقع Arablit 31 يناير 2022
عبد الله إبراهيم فى مواجهة «المركزية الغربية»
سمير عبد الباقى .. فى آخر حوار قبل الرحيل:
بعد احتلال قلعة الشقيف الأثرية بجنوب لبنان: الإنسانية تفقد تراثها






