أندريا هايست
ترجمة: ياسمين يحيى
فى شهر مايو من عام 1964م أُطلق سراح صنع الله إبراهيم فى إطار عفو عام من السجن، لينتقل بعدها إلى غرفة مفروشة فى حى هليوبوليس بالقاهرة، لكنه يظل خاضعًا للمراقبة الشرطية، مع إلزامه بالمكوث فى المنزل مساءً والمبيت بداخله، أما النهار فيقضيه فى محاولة الاعتياد مجددًا على البيئة التى غاب عنها لخمس سنوات، ليعود كل مساء، ويسجل انطباعاته الأولى فى مذكرات يومية، ومن هنا نشأت رواية «تلك الرائحة» أولى روايات صنع الله إبراهيم، التى نُشرت عام 1966م.
يوظف المؤلف فى هذه الرواية ما كتبه فى مذكراته اليومية، ويسرد - من منظور راوٍ مجهول الهوية يتحدث بضمير المتكلم، سبق أن اعتقل لأسباب سياسية- كيف يستكشف الواقع خارج السجن خلال الأيام العشرة الأولى بعد الإفراج عنه، بل ويحاول أن يوصل ما انقطع من حياته، فيستعيد علاقاته بأشخاص كانوا مقرّبين منه فى مراحل مختلفة من حياته السابقة: علاقته بأرملة صديق له مات فى السجن، وبأصدقاء وأقارب، وأبوين وأجداد، ويزور أماكن سبق له التردد عليها فى الماضي: مقهى يرتاده رفاقه السياسيون السابقون، وهيئة تحرير مجلة كان يكتب لها سابقًا، ودور السينما فى وسط المدينة، وأخيرًا بيت طفولته.
يصطدم الراوى منذ البداية بواقع يُعكّر فرحته بالإفراج عنه؛ فالأشخاص الذين يلتقى بهم متعبون وفقراء ومكتئبون، وعلاقاتهم به وببعضهم البعض تتسم بالأنانية، وهى هشة تنعدم فيها المودة، ونادرًا ما يغلب عليها التضامن والدفء، فالوطن فى حالة بائسة.. بائسة جدًا مثل شبكة الصرف الصحى فى القاهرة، التى تنتشر مياهها فى شوارع وسط المدينة، وتضرب أنوف الجميع برائحتها النفاذة، لم تتحقق الآمال التى ارتبطت بثورة 1952، وبالناصرية، وبالاشتراكية العربية من أجل مستقبل أفضل وأكثر عدلاً وحرية، وهذه هى خلاصة الرواية.
وتُروى هذه العودة إلى الحياة الطبيعية على مستويين: على مستوى الواقع السطحى، حيث يشاركنا «الراوى بضمير المتكلم» ما يفعله ويراه ويسمعه بعبارات مقتضبة ودون تعليق، وبتسلسل زمنى، فهو يدوّن المهام العادية التى نفعلها فى الحياة اليومية، مثل الاستيقاظ، والذهاب إلى المرحاض، والاستحمام، وارتداء الملابس، وإعداد القهوة، وتناول الفطور، إلخ. ويصف بإيجاز ودقة المشاهد التى يلاحظها، وينقل شذرات من الأحاديث، التى يُخبره فيها الأشخاص الذين يلتقيهم بشيء عن ظروف حياتهم الفردية أو الاجتماعية، لكنه هو نفسه لا يبوح بشيء، فهو يشارك القارئ ما يفكر فيه على مستوى ثانٍ، يتمثل فى مقاطع مميّزة فى نمط الطباعة، مخصصة لعالمه الداخلى، لتأملاته التى تعلّق على ما يحدث خارجيًا، ولأحلام يقظته وذكرياته عن الطفولة والشباب أو عن فترة السجن، ولا تراعى أوصاف الواقع المَعيش أيّ محظورات: فهناك حديث عن المثلية الجنسية، والاستمناء، والجنس، وكذلك عن أشكال العنف والازدراء التى تعامل بها الدولة مواطنيها، أو حتى عن الفساد.
ومن البديهى أن نعرف أن هذه الصورة التى تعرى الواقع لم ترق هيئة الرقابة، التى كانت لا تزال قائمة آنذاك؛ فقد صودرت الرواية فور نشرها، واستُدعى المؤلف للتحقيق معه فى وزارة الإعلام، لكنه نجح فى إنقاذ بعض النسخ من مصادرة الدولة وعمل على توزيعها سرًا، صحيح أن الرواية نُشرت فى عام 1968 فى مجلة بيروتية، وأعيد نشرها عام 1969 فى القاهرة، لكن النسختين كانتا منقحتين من الرقابة، ولم تظهر النسخة غير المنقحة منها إلا فى عام 1971 عندما ترجمها إلى الإنجليزية دينيس جونسون-ديفيز، ولم يُتح للقراء العرب قراءة الرواية فى نسخة غير منقحة إلا فى عام 1986، وقد تركت هذه التجربة مع الرقابة أثرًا فى نفس المؤلف.
بناء الفرعون
فى السنوات بين 1967 و1974 أنجز صنع الله إبراهيم روايته الثانية «نجمة أغسطس»، التى صدرت عام 1974 فى دمشق، ولم تصدر فى القاهرة إلا بعد ذلك التاريخ بعامين، ويُشكل أساس الرواية رحلة ذهب فيها صنع الله إبراهيم مع صديقين له إلى السد العالى بأسوان عام 1965، وثقها فى تحقيق صحفى نُشر عام 1967 بعنوان» إنسان السد العالى، ومثل هذه الرحلة فإن أحداث هذه الرواية تدور أيضًا فى عام 1965، حيث يعمل «الراوى بضمير المتكلم» صحفيًا، يتوجه فى منتصف الصيف من القاهرة إلى أسوان ليتفقد بناء السد العالى، ويظل يزور يومًا بعد يومٍ أقسامًا مختلفة من المشروع، فمنذ استيقاظه صباحًا حتى خلوده للنوم ينشغل الراوى بذكر تفاصيل دقيقة عن ما يفعله، وما يراه ويسمعه، وبمن يستأنس، وما يعرفه من خلال ذلك، كما تُوصَف فى أثناء ذلك العمليات التقنية والآلات المستخدمة فى البناء بالتفصيل، ويتاح للأشخاص المشاركين فى المشروع التحدث: عمال ومهندسون من روسيا ومصر، وسائقو شاحنات، وسكرتيرات، ومسؤولون إداريون، وعسكريون.
ولفترات محدودة يرافق الراوى بضمير المتكلم صديقٌ له، وهو صحفى قاهرى ناجح، يكتب تقارير عن بناء السد، وفى أثناء ذلك يشهد كيف يمجّد الأشخاص المشاركون فى البناء وممثلو وسائل الإعلام المصرية «مشروع بناء السد»، ويسجّل التناقضات بين الصورة التى تبرزها وسائل الإعلام عن بناء السد وبين الواقع القمعى، الذى يمتهن كرامة الإنسان فى موقع العمل، ثم لاحقًا يتوجه إلى أبو سمبل، حيث يُفكك معبد رمسيس الثانى، ليُعاد بناؤه فى مكان آخر، ما يتيح له فرصة لعقد مقارنات بين تبجيل الفرعون وعبد الناصر، لأن كل منهما قد خلد نفسه ببناء مشروعات عظيمة، فبناء السد، الذى بدأ التخطيط له عام 1952، وامتد زمن بنائه من 1960 حتى 1971، يعكس بوضوح صورة المجتمع المصرى ما بعد الثورة بكل تناقضاتها.
ومثلما حدث فى «تلك الرائحة»، تُروى أحداث «نجمة أغسطس» على مستويين: على مستوى الواقع السطحى، المتمثل فى تسجيل الراوى بضمير المتكلم -من دون تعليق- ما يفعله وما يدركه بحواسه، وعلى مستوى آخر تُدرج فيه مقاطع نصية مميزة فى نمط الطباعة، تحتوى على ذكريات من فترة السجن، ومونولوج داخلى، وشذرات من كتاب عن ميكيل انجيلو، وكذلك من مقال فى علم المصريات عن رمسيس الثانى، فتضع هذه النصوص بناء السد فى سياق ذاتى السيرة وفلسفى وتاريخي.
الحكام، المحكومون، ومحركو الخيوط من وراء الستار
يستند فيلم «شرف» إلى رواية الكاتب صنع الله إبراهيم التى صدرت عام 1997م، بعد أن قضى خمس سنوات فى السجن بدءًا من عام 1959، ووفقًا لذلك ستجد أن الفيلم حقًا فقير بالأحداث، لكنه غنى بالاستعارات والرموز، وبينما لا نغادر السجن بوصفه مسرحًا للأحداث، يتكشف عالَم الرجال بداخله كمجهر مصغر للمجتمع فى دكتاتورية شرق أوسطية، فالجميع موجودون هنا: الحكام، والمحكومون، والعقول المدبرة فى الخلفية، هناك «الملتحون» الذين يطمسون وجوه النساء من جميع الكتب المصورة فى المكتبة؛ وقاتل نساء يذرف دموع التماسيح (يصدّقه أى شخص)، وأبرياء كثروا أو قلوا، بالإضافة إلى قاتل متعدد الجرائم يتوق إلى عناق.
مثل يوسف ك. فى «المحاكمة»
بعينين واسعتين، وقلب طيب، وملامح جميلة، يُلقى به فى هذا العالم الذى لا يفهمه، كما أُلقى المسكين يوسف ك. فى «المحاكمة»، لكن على النقيض من رواية فرانتس كافكا، التى نُشرت بعد وفاته عام 1925، يمر شرف بعملية إيقاظ للوعي؛ وهى خطوة نحو أن يصبح ذاتًا مستقلة، وأخيرًا نحو فعل سياسى، وتكمن فى ذلك الرسالة الإيجابية لفيلم متقن الإخراج والتمثيل، لكنه خانق من حيث المضمون.
عبد الله إبراهيم فى مواجهة «المركزية الغربية»
سمير عبد الباقى .. فى آخر حوار قبل الرحيل:
بعد احتلال قلعة الشقيف الأثرية بجنوب لبنان: الإنسانية تفقد تراثها






