يوميات الأخبار

عصر الأفنديّة.. وكلاء التحديث

د. ياسر ثابت
د. ياسر ثابت


قدَّم أفنديّة مطلع القرن العشرين أنفسهم باستمرار على أنهم «الوكلاء الشرعيون الوحيدون للتغيير وتجسيد الحضارة».

 الأفنديّة الجدد

فى عام 1872، اشتكى المفتش العام للتعليم المصرى المولود فى سويسرا، إدوارد دور، من أن الآباء المصريين بحاجةٍ إلى فهم أن واجبهم المقدس يتمثل فى رعاية تعليم أطفالهم، عوضًا عن ـ على حد تعبيره ـ «ترك تعليم أطفالهم لرعاية قائم المقام»، يقصد بذلك الخديو إسماعيل ومبادرته من أجل تأسيس مدارس حديثة. إلا أنه فى العقدين التاليين، ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، نجد أدلة متزايدة على تبنّى الآباء المصريين بالفعل قضية التعليم الحديث من أجل أبنائهم. وخلال زيارةٍ لقرى نائية فى صعيد مصر، قال اللورد كرومر إنه ضُغِطَ عليه لفتح المزيد من المدارس. ويعلّق محمد عبده بمرارة على عدد العائلات القادمة إلى نظارة (وزارة) التربية والتعليم لطلب إعفاء من الرسوم حتى يتمكنوا من تعليم أبنائهم. تحوّل المزاج العام بسرعة إلى شكوى قوية ضد السياسات التعليمية للبريطانيين والتى هدفت إلى إبقاء الالتحاق بالمدارس عند الحد الأدنى. فى العقود الأولى من القرن العشرين، أصبح من المستحيل التغاضى عن التطلعات والمعضلات التعليمية فى الثقافة الشعبية المصرية.

ولكن ما الدوافع التى زجت بالعائلات التى تعانى من صعوبات مالية أو معضلات ثقافية باتجاه إرسال طفل إلى مسارٍ تعليمى مكلف فى المدينة الكبيرة أو الخارج؟

ترى لوسى ريزوفا فى كتابها «عصر الأفندية»، الذى ترجمه إلى العربية محمد الدخاخني، أن الطموح الجديد للتنقل والترقى الاجتماعى كان أمرًا حاسمًا بالنسبة للكثير من هذه العائلات للإقدام على هذه الخطوة التى تسميها الباحثة «الأفندنة» أى عملية جعل ابن المرء أفنديًا. ويتعلَّق هذا الطموح نفسه بتغيير فى الفهم لما يعنيه التعليم بالإضافة إلى تغيّر فى وظائف الدولة. إن نظرة عامة موجزة على النظام التعليمى المعقد لمصر فى الفترة الاستعمارية تُبيّن كيف أسهم التعليم منذ ستينيات القرن التاسع عشر - مع مبادرة الخديو إسماعيل لتحويل مصر إلى دولة حديثة - فى نشوء الجيل الأول من الأفنديّة.

وفى مصر فى القرن التاسع عشر، اتخذ لقب أفندى معنى محددًا مرتبطًا عضويًا ببناء دولة حديثة. كان أفنديو القرن التاسع عشر عادةً من خريجى المدارس الحديثة الذين وظّفتهم بيروقراطية الدولة الآخذة فى التوسع. ومن الناحية الرسمية، أشار لقب أفندى إلى المرتبة الإدارية الثالثة، مباشرةً بعد لقبى باشا وبيه، واللذين كانا، خلال معظم القرن التاسع عشر محجوزين بشكلٍ حصرى تقريبًا للنخبة التركية الممصرة. ومع مرور الوقت، شرع المصريون الأصليون فى الدنو من النخبة الإدارية، وشيئًا فشيئًا، شرعوا أيضًا فى أخذ مكانتهم بوصفهم جزءًا من النُخب الوطنية. وتم توطيد وتيرةٍ يتم بموجبها الدخول إلى مستوى النخبة الوطنية من خلال الانضمام إلى هذه الطبقة، أى من خلال كون المرء أصليًا ومُحدَّثًا، أى أولئك الذين أصبحوا حديثين دون أن يولدوا على هذا النحو، وهذا بالضبط ما أقيمت المدارس الحديثة من أجله.

وبين الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، تغيّرت المواقف تجاه حمل لقب أفندى. فبينما فى مطلع القرن العشرين، كان المصطلح يعنى ضمنيًا مكانةً اجتماعيةً كبيرة، فإنه خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، فقدَ اللقبُ الكثير من بريقه وأصبح أكثر ارتباطًا بالذكر الحضرى الفصيح والمتبنى للحداثة، ولكن الذى غالبًا ما يكون عاطلًا أو عاطلًا جزئيًا أو يتقاضى أجرًا منخفضًا. وأصبح الجيل الأخير معروفًا للباحثين باسم «الأفنديّة الجدد».

مع ذلك، سرعان ما بدأ المعنى الأول، الرسمى، لمصطلح الأفندى كرتبةٍ بيروقراطية، بالاندماج مع معنى ثانٍ، ثقافى للمصطلح. بشكلٍ نموذجي، أظهر الأفندية علامات تشكيل معينة للزى، دالين على تعليمهم ووظائفهم الحديثة والغربية والعلمانية، عادةً فى بيروقراطية الدولة وأيضًا فى المهن الحُرة الناشئة. بيد أن الأفنديّة لم يكونوا مختلفين فقط عن بقية الأهالى بسبب زيهم وتعليمهم وعملهم؛ لقد ميّزوا أنفسهم بثقافتهم المختلفة التى غالبًا ما كانت مؤكدة على نحوٍ واعٍ بذاته.

تتلاقى التمثيلات الإعلامية للأفنديّة، وكذلك السرديات فى السير الذاتية، على حقيقة أن كون المرء أفنديًّا كان أكثر جائزة مرغوبة اجتماعيًا يمكن الحصول عليها. إلا أن البعض رأى فى صورة الأفندى تمثيلًا محتملًا للفساد الذى جلبته الحداثة بشكلٍ قوى خلال فترة ما بين الحربين العالميتين.

قدَّم أفنديّة مطلع القرن العشرين أنفسهم باستمرار على أنهم «الوكلاء الشرعيون الوحيدون للتغيير وتجسيد الحضارة»، وهو الموقف الذى حافظوا عليه من خلال إنتاج المعرفة الفنية والأخلاقية والفنية والاجتماعية حول آخريهم الاجتماعيين التابعين. وعرَّف الأفنديّة - بصفتهم المدعين الوحيدين للوسط الاجتماعى التقدمى - أنفسهم أيضًا قبالة من هم أعلى منهم رتبةً من الناحية الاجتماعية، النخبة العثمانية، التى حرمها افتقارها للإنتاجية وعاداتها المحلية غير الحديثة بدون أدنى شك من أهليتها كمدّعيةٍ لمكانةٍ نخبوية متوافقة مع النظام الحديث.

إمبراطورية الاكتئاب

هل يمكن للعقاقير ردم الصدع الداخلى الذى يشعر به مرضى الاكتئاب؟ ومتى يصبح الحزن مرضًا؟

سؤالان يجمعان بين الأمل والخوف فى عالمٍ يعانى من الآلام التى تعذِّب الروح والجسد.

للألم النفسى تاريخ أيضًا.

إن إحصاء حالات الاكتئاب أصعب بكثير من رصد الأوبئة الأكثر وضوحًا. فى مواجهة زيادة حالات تشخيص الاكتئاب عالميًا، وفى ظل ضعف بيانات العلاجات ومضادات الاكتئاب، تبدو عودة الطب النفسى إلى الأساسيات أمرًا ضروريًا.

من هنا تأتى أهمية كتاب «إمبراطوريّة الاكتئاب: تاريخ جديد» لمُؤرِّخ الطب جوناثان سادوسك، والذى ترجمه إلى العربية د.نور محمد العربى، حيث يحاول المؤلف رسم الخطوط العريضة لتاريخ معاصِر لمرض الاكتئاب فى علاقته بالجماعات العلميّة، والمنظومة الرأسماليّة، والثورة التقنية، ونمط الحياة المُعاصِرة والمرضى أنفسهم. 

لقد اقترن الاهتمام العلميّ والمُجتمعيّ بالاكتئاب بثورة الطب التجريبيّ وانفتاحه على قطاع الأدوية والعقاقير. صحيح أن هذا المرض ملازم لتاريخ الإنسانيّة بالضرورة، فى حين أن الثورات التقنية والصناعيّة لم تعمل سوى على الرفع من وتيرته وتعزيز المُصالحة الجمعية مع الأمراض النفسيّة على حساب الحالات الاعتيادية والسوية، إلّا أنه ما زال إلى اليوم بلا تشخيص دقيق أو علاج واعد. لقد أسهمت الثنائيات المُحايثة لتطوُّر النظر العلميّ إلى المرض (العضويّ/النفسيّ، الاقتصاديّ/الثقافيّ، وغيرها) فى تزايد الانقسام الحاصل بين الجماعات العلميّة بالشكل الذى ضخَّم من الصورة المُجتمعية للمرض. وعليه، أصبح الاكتئاب خلال القرنين الماضيين قابعًا بين حدود القلق والكآبة أكثر من الاكتئاب نفسه. 

قبل أعوام، أعادت جَائِحة كورونا تسليط الضوء على هشاشة الصحّة النفسيّة والعقليّة للإنسان المُعاصِر بالشكل الذى يعمِّق من حدة الانقسامات الحاصلة بين الجماعات العلمية، مع ارتفاع رقم معاملات شركات الأدوية والعقارات، دون أن تنتهى هذه السجالات بتوافق فيما بينها حول النهج المُتداخل الاختصاصى والتفكير فى مسابقة الزمن لعلاج المرض بالأساس. إن صراعنا الطويل مع الاكتئاب ظلّ صراعًا مع خوفنا منه. لهذا، نأمل فى تكثيف الجهود العلمية مستقبلًا للبحث عن علاجات واعدة لأمراض العصر (الاكتئاب، السرطان، الإيدز، الألزهايمر، وغيرها) التى تهدِّد صحّتنا العامة ونوعنا البشريّ فى المُستقبل
افتقاد

أفتقدُ موسيقى ياسر عبد الرحمن. أحببتُ دومًا الحكايات الموسيقية التى نسجها عبد الرحمن، وتنوعتْ بين موسيقى خارجة من رحم الصعيد «الجوانى» فى مسلسل «خالتى صفية والدير»، و«الضوء الشارد» ناهيك عن «الليل وآخره»؛ مع اهتمامٍ خاص بموسيقى الحياة، عبر «يا دنيا يا غرامى»، وبصمتهِ فى رصد الحلم السياسى فى موسيقى كلٍّ من فيلمى «ناصر 56»، و«أيام السادات».

أفتقده ببساطة.