يوميات الأخبار

علاء عبد الهادى يكتب: اعتراف

علاء عبد الهادى
علاء عبد الهادى


«لم يعد هناك ما يغرى القارئ لكى يبطئ من سرعة حركة إبهامه على شاشة المحمول» 

لم يعد من السهل على أى كاتب صحفى أن يكتب فى قضية تجذب انتباه القارئ، وتستحوذ على اهتمامه لأسباب كثيرة جوهرية ومتشعبة، أولها وأهمها أننا كدنا، كصحفيين، أن نفقد دورنا كحراس للبوابة، ولم نعد أوصياء على العلاقة بين المسئول، أيًا كان، وبين المواطن الذى تحول هو نفسه إلى «مواطن صحفى» يصنع إعلامه بنفسه، ويأتيه رد الفعل مباشرة من رواد مواقع التواصل الاجتماعى، ومن المسئولين.

ببساطة لم يعد، من وجهة نظره، فى حاجة  إلى دورنا الذى يحتاج إلى التحقق والتيقن من المصادر، وقد يمارس البعض دور الرقيب فى منع ما يعتبرونه ضد الأعراف والتقاليد، أو القانون، إلى آخر الضوابط التى تحدد عمل الصحفى. الأمر حقيقة صعب، لم يعد هناك ما يمكن أن يجعل القارئ يبطئ من وتيرة تنقله بإبهامه على شاشة المحمول أمامه، وما قد تكتبه، ربما يعرف هو أكثر منه، والأهم أن المنصات غيرت سلوكيات التلقى عند القارئ، فالأجيال الجديدة يستوقفها الفيديو الذى يتضمن الخلاصة، يفضلونه على الصورة، ويفضلون الأخيرة على النص المكتوب مهما كانت جودته، لم يعد الكاتب الصحفى، مهما كان ماهرًا يحتكر الحقيقة أو المعلومات، ولم يعد كما كان ملكًا متوجًا فى فضاء الإعلام، بل أصبح، على أرض الواقع يمثل الحلقة الأضعف فى السلسلة، ربما لأنه يقيد ويلزم نفسه بضوابط أخلاقية وقانونية ومهنية، لا يلتزم بها غيره من الذين «دخلوا على الخط»، وللأسف فالواقع العملى يقول أنهم أصبحوا أباطرة، وأصبحوا فعلًا وقولًا هم الذين يتصدرون المشهد، وتفتح لهم كل الأبواب المغلقة. أتابع تحركات الكاتب الصحفى ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام لمحاولة ضبط إيقاع الإعلام المصرى، ومحاولة توجيه بوصلته فى اتجاه يصب فى صالح محددات الأمن القومى المصرى، ويشارك فى التنمية، لا أن يكون معول هدم وعبئًا على الدولة.. مهمته صعبة ولكنها ليست مستحيلة، ولكن لا بد له من أدوات وإمكانيات على الأرض، وأعتقد أن حل مشاكل الإعلام فى مصر، لن تكون فقط بتعيين وزير للإعلام، ولكن الأهم أن يكون لديه أدوات يصلح بها ما فسد خلال العقد الأخير، وحتى لا تموت المهنة موتًا إكلينيكيًا.

تراجع المواليد 

الأرقام الرسمية تبشرنا أن معدلات المواليد تتراجع، وأن المعدل سجل 18.1 لكل ألف مواطن، مقارنة بـ 19.4 لكل ألف فى عام 2023. كما انخفض معدل الإنجاب الكلى لكل سيدة، إلى 2.4 طفل بعد أن كان يقارب 2.6 طفل فى عام 2023..المؤكد أن مثل هذا الخبر يجب أن يكون مصدر سعادة فى دولة مثل مصر، على اعتبار أن كل تراجع فى مؤشر المواليد الجدد سوف نجد صداه الإيجابى فى الإحساس بثمار التنمية؛ فى وظيفة جديدة، فى كرسى جديد فى مدرسة، وفى سرير فى مستشفى...إلخ، فالزيادة غير المنضبطة تلتهم أى ثمار للتنمية، وتجعل المواطن لا يشعر بأى إنجاز مهما عظم، ولكننا نرتكب خطأ كبيرًا إذا اعتقدنا أن هذا التراجع سببه زيادة وعى المواطن، أو أنه جاء ترجمة لسياسات انتهجتها وزارة الصحة، مع كامل احترامى لوزير الصحة الذى أكن له كل الاحترام والتقدير، ولكن يجب أن يتم دراسة الأسباب الحقيقية لهذا التراجع، والتى قد يكون على رأسها أسباب اقتصادية واجتماعية، لذلك يجب أن تخضع الأرقام لتشريح علماء الاجتماع.

خسائر اسرائيل

لا يزال الغرب يتعامل مع قضايانا بنفس الفكر الاستعمارى المتوارث، قد يتغير الشكل، وقد يرتدى ثوبًا جديدًا، وقد يتخفى وراء كلمات رنانة أو شعارات جوفاء لا تعبر عن واقع، أو يتمترس وراء منظمات دولية صنعها هو لخدمة أغراضه وتوجهاته. ولكن وقت اللزوم يكشف الاستعمارى عن وجهه الحقيقى. ولكن يبقى الفن ساحة للشرفاء الذين ينحازون للحقيقة حول العالم، ففى حرب الإبادة التى خاضتها دولة الكيان ضد شعب غزة الأعزل وقتلت، ضمن من قتلت، 1700 طبيب وعامل رعاية صحية، وقامت بسجن 400 آخرين، حملوا حياتهم على أكفهم، لإنقاذ أرواح من كانوا يتساقطون حولهم فى كل مكان، تحت شعار براق إنحازت هيئة الإذاعة البريطانية فى البداية لإعداد فيلم وثائقى على الأرض يكشف الحقيقة، وتم تكليف راميتا نافاى بإعداده مع فريق من الصحفيين، اكتشفوا أهوالًا ارتكبتها إسرائيل، كان من بينها أن اسرائيل قتلت بدم بارد قرابة 270 من زملائهم الصحفيين بتهمة نقل الحقيقة ولاسكاتهم إلى الأبد، المفاجأة أن الرجل الاستعمارى فى إدارة ال (BBC) رفض بث الفيلم رغم أن الهيئة هى التى أنفقت على إنتاجه، حتى لا تغضب إسرائيل!.. هذا الفيلم الذى كان تحت عنوان «غزة.. أطباء تحت النار» حاز على جائزة «بافتا» لأفضل فيلم وثائقى. 

من قراءاتى الأخيرة:

البحث عن خُنُومَ

الدكتورحسين عبد البصير، من الشخصيات الاستثنائية التى يمكن أن تقابلها، فهو رجل موسوعى؛ أغبطه على تعدد مهاراته، وفى كلِ منها سوف تجده متحققًا، فهو عالم آثار من العيار الثقيل، له عشرات الإصدارات بالعربية وبالعديد من اللغات الحية، تبوأ العديد من المناصب المهمة آخرها مدير متحف آثار مكتبة الإسكندرية، وهى مسئولية لو تعرفون عظيمة، حاضر بقوة كخبير على شاشات الفضائيات، ويشارك فى الكثيرمن الأفلام الوثائقية عن حضارة مصر الفرعونية، ومحاضر أمام أهم المؤتمرات فى الداخل والخارج، وهو فى الوقت نفسه متمرس فى الكتابة الصحفية، وناقد فنى، وأدبى، يمتلك أدواته النقدية التى أهلته عن جدارة لإدارة العديد من الندوات الثقافية المتخصصة، وهو أيضًا صاحب مشروع روائى، صدرت له مؤخرًا رواية «البحث عن خُنُومَ» تمثل أفضل استثمار لأسرار الحضارة الفرعونية فى صورة عمل روائى ساحر وبديع.

الرواية صدرت لأول مرة قبل سنوات ولكنها لم تنل ماتستحقه من الانتشار، رغم أنها لاقت استحسان عميد الرواية العربية نجيب محفوظ الذى رأى أنها «تذكره برواياته عن مصر الفرعونية»، ورأى فيها أستاذى الراحل جمال الغيطانى «استعادة لروح مصر الفرعونية فى الأدب المعاصر»، كما اعتبرالروائى الكبير الراحل سمير ندا أنها «تعطرت بعبق الأسرار وسحر المجهول فشفت نفسها وصفت دون أن تفقد صلتها الرمزية بالحاضر».

نحن أمام عمل روائى يمزج التاريخ الفرعونى بالغموض والروحانية، برؤية معاصرة، عبر رحلة تقوم بها «رخت» وابنها عبر مدن مصر القديمة، فتتحول إلى رحلة لاكتشاف الذات  وأسرار الحياة.

حفيف أجنحة إسرافيل!

..وإسرافيل هو المَلَك الموكل بالنفخ فى الصور إيذانًا من الله عز وجل بانتهاء الدنيا وقيام الساعة وبدء الحساب، اتخذت الدكتورة شماء الشريف من إسرافيل؛ ثالث الملائكة، بعد ميكائيل وإسرافيل، بطلًا وشاهدًا فى قصص مجموعتها القصصية «حفيف أجنحة إسرافيل» حيث تختتم كل قصة، من القصص العشرين للمجموعة بجملة ثابتة لا تتغير، تشبه فى وظيفتها وظيفة الخرطوش الملكى الذى ما إن يراه الباحث على جدران المعابد، حتى يعرف أن هذا النص خاص بملك، تقول فيها«ولا يزال إسرافيل ينتظر الأمر والإشارة».

المؤكد أننا سوف نظلم المجموعة القصصية إذا توقفنا فى قراءتها عند مستواها الأول المباشر الذى يتضمن سردًا لقصص قد يتعرض أى منا لأمثالها يوميًا،  بل إنها فى حقيقة الأمر مليئة بالكثير من الرسائل والإسقاطات الرمزية، بما يدعو إلى إعمال العقل، لذلك لم يكن غريبًا فوز «المخطوطات البابلية» إحدى قصص المجموعة بجائزة صالون إحسان عبد القدوس للرواية والقصة القصيرة.

عودة الضوء 

فى النصف الأول من القرن العشرين، تصدرت المقالات الأدبية اهتمامات الجماعة الثقافية، وكان منتهى أمل الكثير من أعلام التنوير المصرى كتابة مقالات أدبية تحظى بالاهتمام، وتختلف حولها الآراء، لذلك ازدهرت المجلات الثقافية، التى شهدت صفحاتها الكثير من المعارك الثقافية، ولكن هذا الفن تراجع، ولم يعد كما كان، وأصبح عدد المخلصين له معدودين، لأسباب كثيرة ليس هذا وقت ذكرها، وعندما كنت أشرف برئاسة تحرير «أخبار الأدب» عرفت المستشار محمد خلف، الذى كان لصديقى الكاتب طارق الطاهر، الذى سبقنى إلى رئاسة التحرير فضل اكتشاف إمكانياته الأدبية، إضافة إلى كونه قاضيًا، وأفسح له صفحات المجلة ليكتب فى الكثير من القضايا الأدبية والاجتماعية، ولكن بأسلوب أدبى بليغ ومشوق، ورغم عمق الطرح إلا أنه يستخدم لغة تجمع بين الرصانة والسهولة التى يكاد يكون من المستحيل تحقيقها، فتنفذ الى العقل والقلب بيسر، وتظهر شخصية القاضى من بين السطور فى عدالة طرح القضية التى يتصدى لتفكيكها، واستعراضها من مختلف الزوايا، وفى المسحة الدينية لم تغلب عن كل المقالات التى تضمنها الكتاب الذى صدر مؤخرًا عن هيئة الكتاب تحت عنوان «عودة الضوء.. مقالات أدبية واجتماعية».