أعتبر نفسى من الذين آمنوا بأن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات، وأن التدريب ليس نشاطًا هامشيًا، بل هو قلب الإعلام والصحافة وعقلهما معًا.
لا تُقاس قيمة الرجال بعدد المناصب التى شغلوها، وإنما بما تركوه من أفكار قادرة على البقاء بعد أن يغادروا مواقعهم.. وبعض الرجال يكتفون بإدارة الواقع، بينما يختار آخرون أن يغامروا بمحاولة صناعة المستقبل.
أعتبر نفسى من هؤلاء الذين آمنوا بأن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات، وأن التدريب ليس نشاطًا هامشيًا على جدول الأعمال، بل هو قلب العملية الإعلامية والصحفية وعقلهما معًا.
أتذكر أن قضية التدريب كانت تحتل مساحة خاصة فى رؤية المرحوم الكاتب الصحفى الكبير مكرم محمد أحمد خلال رئاسته للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام «مرحلة التأسيس»، فقد كان يدرك بحكم تجربته الطويلة أن أزمة الإعلام والصحافة ليست فقط فى التشريعات أو الإمكانيات، وإنما فى إعداد الكوادر القادرة على مواكبة عالم يتغير كل يوم.. ومن هنا أسند لى رئاسة لجنة التدريب، جنبًا إلى جنب رئاسة لجنة الشكاوى بالمجلس، وهو اختيار قائم على معرفة حقيقية بأننى شخصيًا وكعضو المجلس أستطيع أن أجعل من التدريب مشروعًا شخصيًا وقضية مهنية مؤمنًا بها.
وبالفعل تم عقد العديد من الدورات الناجحة للإعلاميين والصحفيين المصريين والأفارقة، وذلك من خلال معهد التدريب والدراسات الإعلامية الإفريقية، التابع للمجلس، والذى يرجع تاريخه للسبعينيات، هذا المعهد الذى شهد تخرج المئات من المتدربين من مصر ومختلف الدول الإفريقية، سواء الناطقون بالإنجليزية أو الفرنسية، أو العربية.. ولأهمية هذا المعهد لم تكن نظرتى له على اعتباره قاعات محاضرات أو مكانًا لمنح الشهادات.. بل كنت أرى فيه مؤسسة استراتيجية قادرة على أن تصبح نافذة مصر الإعلامية والصحفية على إفريقيا، وجسرا لتبادل الخبرات والمعرفة، ومنصة لتأهيل أجيال جديدة من الإعلاميين والصحفيين المصريين والأفارقة والعرب.
ومن منطلق هذه الرؤية عرضت مشروعًا طموحًا لتطوير المعهد وتحويله إلى أكاديمية إعلامية متكاملة، ولأن الفكرة لم تكن مجرد تغيير اسم أو لافتة، بل إعادة فلسفة كاملة للتدريب.. تبناها الراحل مكرم محمد أحمد ووافق عليها أعضاء المجلس حين ذاك.. وقمت بإعداد تصور شامل للتطوير، وتم وضع اللوائح المنظمة للأكاديمية، ودراسة احتياجات البنية الأساسية، وتمت صياغة برامج تستجيب لمتطلبات الإعلام الحديث وصناعة المحتوى الرقمى والذكاء الاصطناعى.. وخلال هذه الجولة جمعت بين التفاصيل الصغيرة والرؤية الكبرى فى آن واحد.
وتمت مناقشة المناهج وطرح الأفكار، والبحث عن أفضل السبل لتطوير المحتوى التدريبي، مؤمنًا بأن الاستثمار الحقيقى ليس فى الأجهزة والمبانى، وإنما فى العقول التى تديرها.
وبدأ بالفعل اتخاذ الخطوات الجادة لتحويل المعهد إلى أكاديمية، لكن لأسباب عديدة، أهمها القدر الذى كان أسرع من الحلم ، فبرحيل مكرم محمد أحمد عن رئاسة المجلس توقفت الكثير من الملفات التى كانت تنتظر الاستكمال، وكان مشروع الأكاديمية واحدًا منها.. دخل المشروع الأدراج، لا لأنه فقد أهميته، بل لأنه فقد من كان يدافع عنه ويتبناه ويمنحه الزخم اللازم للاستمرار.
ومع ذلك أرى أن الأفكار الجيدة لا تموت، وما تم إنجازه فى ملف التدريب يظل شاهدًا على رؤية أدركت خلالها أن معركة الإعلام تبدأ من قاعة التدريب، وأن جودة الرسالة الإعلامية لا يمكن أن تتجاوز جودة من يصنعها.
فى الحقيقة لم أكن أدير اللجنة، بل كنت أحاول أن أضع قواعد مشروع نهضة مهنية حقيقية، هذا المشروع الذى لو كُتب له الاستمرار لكان اليوم أحد أهم روافد القوة الناعمة المصرية فى محيطها الإفريقى والعربي.
لقد خرجت من تلك التجربة بدرس بالغ الدلالة، بأن المؤسسات تتقدم بالأفكار، لكن الأفكار تحتاج دائمًا إلى من يحميها حتى لا تتحول إلى أوراق محفوظة فى الأدراج.
فلوس.. فلوس
ليست المشكلة فى أن «الفلوس» مهمة، فهذه حقيقة عرفها الإنسان منذ أن عرف معنى الجوع والخوف والحاجة.. المشكلة أن «الفلوس» لم تعد مجرد وسيلة للحياة، بل أصبحت فى أحيان كثيرة هى المعيار الذى تُقاس به الحياة نفسها.
فعندما كان الفلاسفة يتحدثون عن القيم الكبرى، كانوا يضعون المال فى مرتبة أدنى من الحب والكرامة والوفاء والصداقة.. أما إنسان هذا الزمان فقد وجد نفسه أمام واقع مختلف.. فالحب يحتاج إلى بيت، والبيت يحتاج إلى مال، والكرامة تحتاج إلى استقلال، والاستقلال يحتاج إلى مال، وحتى الحرية، تلك الكلمة التى تغنى بها الشعراء والثوار، اكتشف الناس أنها تصبح أكثر هشاشة كلما ضاق الجيب واشتدت الحاجة.
إن الفقير لا يعانى فقط من نقص ما يملك، بل من نظرة المجتمع إليه.. فالعالم يميل بطبيعته إلى احترام القادرين.. والقدرة الآن تُترجم غالبًا إلى أرقام وحسابات وأرصدة.. لذلك يشعر كثير من الفقراء أنهم لا يخوضون معركة للحصول على المال فقط، بل يخوضون معركة للحصول على الاعتراف بوجودهم الإنساني.
والغريب أن المال لا يغير الأشخاص بقدر ما يكشف حقيقة من حولهم.. حين يملك الإنسان المال يكتشف فجأة أن هاتفه لا يتوقف عن الرنين، وأن الناس أكثر لطفا، وأكثر اهتماما، وأكثر استعدادا للاستماع إليه.. فيظن لأول وهلة أن الدنيا أحبته.. لكنه يكتشف بعد أول تعثر مالى أن الدنيا لم تكن تحبه، بل كانت تحب ما فى جيبه.. وهنا تبدأ المأساة النفسية الحقيقية.. فالإنسان يريد أن يُحب لذاته، لا لثروته. ويريد أن يُحترم لعقله، لا لرصيده ويريد أن يشعر أن وجوده له قيمة مستقلة عن ممتلكاته.. لكنه يصطدم كل يوم برسائل صامتة تقول له عكس ذلك.
إذا مرضت ولم تملك ثمن العلاج، فإن العلاج يصبح هما مُضاعفا.. وإذا جعت ولم تملك ثمن الطعام، فإن الجوع يتحول من إحساس جسدى إلى جرح فى الكرامة.. وإذا احتجت، ولم تجد، فإن الحاجة لا تؤلم المعدة وحدها، بل تؤلم الروح أيضًا.. لهذا أصبح المال بالنسبة لكثير من الناس مرادفًا للأمان.. ليس لأنهم يحبون الترف بالضرورة، وإنما لأنهم يخافون العجز.. يخافون تلك اللحظة التى يمد فيها الإنسان يده طالبًا ما لا يملك.
فالإنسان قد يتحمل التعب، لكنه لا يتحمل الإحساس بأنه أصبح رهينة لرحمة الآخرين.
ومع ذلك فإن أخطر أوهام عصرنا أن المال قادر على شراء كل شيء.. صحيح أنه يشترى النفوذ، ويشترى الراحة، ويفتح أبوابًا مغلقة، ويختصر طرقًا طويلة.. لكنه يبقى عاجزا عن شراء الطمأنينة الحقيقية إذا مات الضمير، وعاجزا عن شراء المحبة الصادقة إذا تحولت القلوب إلى أسواق.
صحيح أن المال قوة هائلة، وربما كان أقوى قوة اجتماعية عرفها الإنسان الحديث.. لكنه يظل فى النهاية وسيلة لا غاية.
أما المأساة الكبرى فليست فى وجود المال أو عدم وجوده، بل فى عالم جعل قيمة الإنسان تُسأل عنها المحافظ قبل أن تُسأل عنها القلوب والعقول.. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا يصبح السؤال: كم يملك الإنسان؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا: هل بقى للإنسان ثمن غير المال؟
طيبون .. ولكن !
يخلط الكثيرون بين الطيبة والسذاجة، وبين التسامح وقلة الفهم، وبين الصمت والعجز عن الرد. الإنسان الطيب، الهادئ، المتسامح، يُوضع غالبا فى خانة الأبرياء «العبط» الذين يمكن تضليلهم بسهولة.
ورغم أنه ليس أقل الناس معرفة بالنفوس، بل لعله أكثرهم معرفة بها.. لأنه لا ينشغل بإثبات ذكائه للآخرين، وإنما ينشغل بفهمهم.. وهناك فرق كبير بين من يقرأ الكلمات، ومن يقرأ الدوافع التى تصنع الكلمات.
إن الطيب يرى ما لا يراه غيره.. يرى الخوف المختبئ خلف الكذب، والضعف المتخفى وراء الادعاء، والنقص الذى يحاول أصحابه ستره بالمبالغة.. ولذلك فهو كثيرا ما يكتشف الحقيقة قبل أن تكتمل الرواية وقبل أن تنتهى المسرحية.
ولهذا يبدو الطيب أحيانا وكأنه يصدق ما يسمع، بينما الحقيقة أنه يمنح الطرف الآخر فرصة كاملة ليكشف نفسه بنفسه.
إن الطيب لا يُخدع بسهولة، لكنه لا يحب أن يحرج أحدًا.. يعرف، ولكنه لا يفضح.. يفهم ولكنه لا يُشهر فهمه فى وجوه الناس.

الثقافة المصرية وتهافت النخبة
٣٠ يونيو .. حكاية وطن
السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟








