عبد الله محمد
أصعدُ السُلَّمَ قفزًا أتخبَّطُ بين الجدارِ والدرابزين أسمعُ صوتَ أقدامٍ خلفى لا أنظر أستمرُّ فى القفز أقفُ أمام باب شقةِ ماما فى الدور الثانى أفكِّرُ بسرعة لا يجب أن أعرِّضُهم للخطر لن أفعلَ ذلك اصعد لا تكن غبيًّا أقفزُ على السُلَّم سلاح سلاح، واجههم فى السطحِ وأمرك لله صوتُ الصراخِ والشتيمة يقترب أغيِّرُ الخِطة أبحثُ عن شقةٍ أختبئُ فيها قبل أن يصلوا إلىَّ لم يَعُد أحدٌ من الأصدقاءِ القدامى موجودًا؛ جميعهم تركوا شققهم بسبب تعنُّت صاحب العمارة الجديد، واستقطابه للسودانيين ربيع! أتذكرُ ربيع عندما أصل للدورِ الخامس لم يغادرْ ربيع بَعد أقفُ أمام الشقةِ، ولا أترددُ فى طَرْقِ الباب.
ــ مَن؟
ــ افتحْ يا ربيع، أنا مصطفى..
عندما اتصلَتْ ماما، وعرَضَتْ أن نجتمعَ عندها يوم الجمعة لنتعشى معًا، لم أوافقْ تمامًا، ولم أرفضْ، لكنى حايلتُها بقولى المائع: «سأحاول واللهِ» وبغريزةٍ أمومية بحتة عرِفَتْ ماما أننى لن أحاولَ ولا يحزنون وأننى على استعدادٍ لفعلِ أى شىءٍ فى ذلك اليوم إلا الذهاب إليها؛ وعلى هذا الأساس راحتْ تتصلُ يوميًا لتغرينى بصنوف الأكل، وبمجىء سارة وهبة وزوجيهما وأطفالهم.
سألتُ فاطمة عن رأيها فى الأمر، على أمل أن تدعمَ رغبتى فى عدم الذهاب، لكنها وافقتْ بسرعة، وكأنها كانتْ تنتظر سؤالى قلتُ لماما مُخادعًا: «فاطمة تُماطل، وتدَّعى التعب، لكنى سأُجبِرها على المجىء، لا تقلقى يا حبيبتى» تصيحُ فاطمة قبل أن أنهى المُكالمة: «يا كذَّاب!».
يفتحُ ربيع يقفُ خلف الباب، ووراءه أمه أنهج ينظران إلىَّ بريبة أرتبك منذ متى لم أرَهما؟ أحاول الكلام أتلعثم: «آسف.. لازم..» أدفعُ الباب، وأدخل، وأغلقه خلفى أقفُ فى منتصف الصالة يسألُ ربيع خائفًا: «كلُّ هذا من أجلِك يا مصطفى!» لا أدرى بماذا أجيب لا بُدَّ أنهم سمعوا صوتَ الشتيمة والزعيق أرنو إليه صامتًا أقولُ أخيرًا: «لا لا، نزلتُ فقط لأجل..» أجدُ صعوبةً فى الاستمرار ساقاى ترتجفان يسحبُنى ربيع نحو الكنبة، ويتجهُ ناحيةَ المطبخ، ثم يعودُ بكوبِ ماءٍ دافئ. أتجرعُه على مرَّةٍ واحدة. تنظرُ إلى أمُّه بخوفٍ مكتوم قائلة:
ــ خُذ نفسَك، واهدأ، واحكِ ما حدث.
فتحتْ زينب ذراعَيها فور رؤيتى. عانقتُها بتكاسُلٍ، ودخلتُ تبعتْنى فاطمة بنشاطٍ ومزاجٍ رائق، وسألتْ عن ماما، مُتلفتة فى كلِّ اتجاه. أخبرتْها زينب - وهى تُقبِّلها- أنها دخلتْ غرفةَ عادل بعد نزولِه لتنام، وسوف توقظها عند وصول أختيها ليبدءا فى تحضيرِ العشاء خلعتُ حذائى، واستلقيتُ على الكنبة القديمة جدًّا، وطلبتُ من زينب أن تفتحَ التلفزيون، وتناولُنى الريموت والطفَّاية أشعلتُ سيجارة، وشردتُ فى الشاشة المُعلَّقة على الحائط لثوانٍ. تسحَّبتْ زينب بخُبثٍ إلى غرفتِها، وخلفها فاطمة. تمنيّتُ من كلِّ قلبى أن يمرَّ اليوم بسرعة، وبدون رؤية عادل.
أبدأُ فى الحكى. أتلعثمُ. أشردُ للحظاتٍ. يحدِّقُ ربيع فى وجهى. أُكْمِل. نسمعُ صوتَ أقدامٍ فى الخارج. تأمرُنى أم ربيع أن: «اخفضْ صوتك!» أَصْمُتُ. أتلفتُ كأنى ما زلتُ مُطاردًا. يقومُ ربيع لينظُرَ من العينِ السحرية.
أُفكِّرُ فى ذلك الوغدِ الجبان الذى تركنى منذ أكثر من عقدين تحت سورٍ من الطوبِ الأحمر فوق السطح، وقفزَ على السُلَّمِ هاربًا حتى لا تكتشفَ أمه أنه كان يلعبُ معى فى هذه اللحظة تحديدًا. ها أنا ألجأُ إليه الآن، وأختبئُ فى بيتِه. يعودُ ليقعدَ أمامى. يقولُ: «أحدٌ ضخم صعدَ إلى السطح». تستحثنى أمه على إكمال الحكاية.
أتلعثم تمتعضُ عندما تعرف أنهم كسروا باب العمارة تحدجُنى وكأننى السبب أشعرُ بكُرهٍ عظيمٍ تجاهها يباغتُنى ألمٌ فى قصبةِ ساقى اليُمنى أمسكُها بوهن أرتبك أرفعُ البنطلون قليلًا يسألُنى ربيع: «تأذيت؟». أقوم.
ــ سوف أنزل الآن!
ــ انتظر حتى..
أصرَّتْ ماما على أن أقعدَ معهن فى غرفة السفرة أثناء تحضير العشاء أعرفُ كيف تفكِّرُ ماما جيدًا أنا أيضًا لم أكن أريد الاصطدام بعادل، ولا رؤية وجهه بَعد شجارِنا الأخير.
طاوعتُها تاركًا سيد ومعتز فى الصالة يشاهدان التلفزيون، والأطفال ينتشرون فى كلِّ مكان. عبثتُ فى الموبايل لدقائقٍ. أشعلتُ سيجارة أفزعتنى موسيقى زاعقة اقتحمتْ الشقة من الخارج قالتْ ماما بفتور: «الظاهر فيه فرح». لعنتُ حظى الهباب، وراودتنى رغبة شديدة فى الهروب.
ــ لن أنتظر!
توقفَ صوتُ الموسيقى والغناءِ البشعِ بعد سنينٍ طويلة، وبدأَ الزعيق فجأة ماذا حدث؟ لِمَ؟ كيف؟ لا أحد يدرى! الكثير من الزعيق والشتيمة فقط. قامتْ سارة المشهورة فى عائلتنا بفضولِها لتعرفَ السبب.
وقفتْ تراقبُ ما يحدث من خلفِ الستارة. أدركتْ فجأة أن سيارة معتز -زوجها- مركونة أمام العمارة طلبتْ منه بنبرةٍ متوترة أن ينزل، وينقلَ العربة بعيدًا عن الخناقة.
لم يُجِبْها، ولم يُكلِّفْ نفسه عناء الالتفات.
قامَ من مكانِه بتثاقلٍ، وبحثَ عن مُفتاحِ العربة، واتجهَ نحو الباب.
تابعتُ ما يدور حولى بعينين ضجرتين.
لم يلقِ سيد بالًا لكلِّ ما يحدث، واستمرَّ فى مشاهدة التلفزيون، كأنه لا يمتُّ لنا بصِلَة.
كذلك هبة لم تكُفْ عن لفِّ الكرنب وحشى الفلفل.
قالتْ ماما: «كُن حذرًا يا معتز!»، ونظرتْ تجاهى.
أعرفُ كيف تفكِّرُ ماما جيدًا.
قمتُ على مضض، ونزلتُ وراءه.
أتجهُ ناحية الباب.
أفتحهُ ببطءٍ،
وألقى
بنفسى
فى الخارج.
وقفَ معتز بجسدِه الضخم أمام بابِ العمارة دفعتُهُ قليلًا، وأخرجتُ رأسى، ونظرتُ نحو الشارعِ باحثًا عن مكانِ العربة.
مشهدٌ سريالى يتكون من مجموعةٍ من الرجالِ نصف عرايا، يمسكون أسلحةً بيضاء، ويبحثون عن المدعو أحمد حنظل.
لا يملكون زمام اتزانهم بسببِ الهباب الذى يعبثُ فى رؤوسِهم.
يتطوحون فى كلِّ اتجاه فاجأتْنا هرولة أحدُهم ناحية مدخلِ العمارة.
تراجعَ معتز خطوتين. رفعتُ رأسى تجاه الزائر.
وضعَ سلاحًا أبيض فوق رأسى، وأمرنى بنبرةٍ مُتعالية: «اطلع.. اطلع..».
كرَّرها مرَّات، وأنا أجيبُهُ ببلاهةٍ أن لا علاقة لى بكلِّ هذا.
خرجَ الزائر، وأغلقَ معتز الباب خلفه.
ــ تعرفه؟
ــ أبدًا!
دفعَ آخرٌ غاضب البابَ بقدمِه بكلِّ قوتِه؛ كسرَه، واتجه نحوى شاهرًا سلاحه.
لمحتُ معتز يلتصقُ بالحائط، ويكتمُ أنفاسَه. أكاد أضحك من منظره.
أتراجع. سألَنى الزائر الغاضب: «أين هو!» أتراجع.
دخلَ خلفه ثلاثة غاضبين آخرين أتراجعُ أكثر.
رفعَ سلاحَه، وقبل أن ينزلَ به على جسدى -دون سببٍ واضح- أبدأُ القفزَ على السُلَّم مُتخبطًا بين الجدارِ والدرابزين.
أنزلُ على مهلٍ. تسبقُنى أذنى. لا صوت. يزدادُ الألمُ فى ساقى.
أستند على الدرابزين.
أصلُ إلى الدور الثانى بَعد مشقَّة.
أسمعُ بكاءَهم. أطرقُ البابَ بوهن.
«مَن؟». يفتحن. أدخلُ بهدوءٍ.
تعانقنى ياسمين ووردة ابنتا سارة.
تقفُ فاطمة مصدومة فى غرفةِ السفرة، وتبكى فى صمت.
تتداخلُ أصوات ماما وسارة وهبة:
ــ ماذا حدث؟
ــ لِمَ أنتَ، هل تعرفهم؟
ــ معتز قال إنهم يركضون خلفك.
ــ أين ذهبتَ؟ معتز وسيد يبحثان عنك!
لا أجيبُهم أقعدُ على الكنبةِ القديمة جدًا، وأطلبُ من زينب أن تفتحَ التلفزيون.
أشعلُ سيجارة. ألمحُ شبشبى الذى وقع منى وسط القفز. أبتسم؛ تركَنى ابن الكلب، وأنقذَ الشبشب.
تتصلُ سارة بزوجِها يأتى مع سيد ويسألنى: «أين كنت؟ بحثتُ عنك فى السطح ولم أجدك!».
لا أجيبُه أيضًا. يخرجُ عادل من غرفتِه، وينظرُ نحوى.
أسحبُ نفسًا طويلًا من السيجارة.
يبتسمُ بخبثٍ، وينقلُ عينيه ناحية ماما سائلًا: «العشاء جاهز؟».
تبكى أشعرُ بألمٍ عظيم فى ساقى. يختفى عادل مرةً أخرى.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







