ترجمة وإعداد: بسمة ناجى
يُعتبر كتاب «صنع الله إبراهيم: ثائرٌ يكتُب» للأكاديمى والمترجم البريطانى بول ستاركى، والصادر فى عام 2016 ضمن سلسلة «دراسات إدنبره فى الأدب العربى الحديث»، إضافة مهمة للدراسات الأكاديمية باللغة الإنجليزية حول الأدب العربى الحديث. يقدم الكتاب نظرة شاملة على روايات صنع الله إبراهيم، أحد أبرز الروائيين المصريين والعرب المعاصرين، ويملأ فجوة واضحة فى الدراسات المتاحة، حيث لا يوجد، بحسب ستاركى، دراسة شاملة لروايات إبراهيم ككل باللغة الإنجليزية.
يقدم الكتاب للقارئ الأجنبي، وبخاصة طلاب الأدب العربى والدراسات الشرق أوسطية، تحليلًا متعمقًا لمسيرة صنع الله إبراهيم الروائية التى امتدت لأكثر من خمسة وأربعين عامًا ويتميز نهج ستاركى بالجمع بين التحليل الأدبى وقراءة السياق السياسى والتاريخي، حيث يربط بين مواضيع الروايات والتطورات السياسية والاجتماعية فى مصر والشرق الأوسط.
كما يتناول الكتاب أعمال صنع الله من منظور «ماركسى ومناهض للرأسمالية»، ما يجعله مدخلًا لفهم الأدب العربى فى نصف القرن الماضى والاتجاهات التاريخية فى مصر والمنطقة.
يتكون الكتاب من أربعة عشر فصلًا، تتضمن مقدمة، ثم تحليلًا لكل رواية من رواياته المنشورة حتى تاريخ تأليف الكتاب، بالترتيب الزمنى لنشرها، وخاتمة.
يبدأ بول ستاركى كتابه بالتأكيد على العلاقة الوطيدة بين الأدب المصرى الحديث والأدب العربى بشكل عام، وبين التطورات السياسية والاجتماعية فى المنطقة، وارتباطهما غالبًا بأحداث سياسية محورية.
يُركز ستاركى بشكل خاص على تأثير نكسة 1967، التى أدت إلى فترة من «النقد الذاتى المؤلم» ودفعت جيلًا من الكُتّاب، عُرف بـ «جيل الستينيات»، لإعادة تقييم الأشكال الأدبية ودور الكاتب فى المجتمع. يُعتبر صنع الله إبراهيم، أحد رواد هذا الجيل، رغم عدم انتمائه المباشر لمجلة جاليرى 68 التى جمعت هذا الجيل، وتُعد روايته القصيرة «تلك الرائحة» (1966) عملًا محوريًا فى إرساء هذا التيار الجديد.
يؤكد ستاركى ارتباط جميع روايات صنع الله إبراهيم، تقريبًا، بشكل أو بآخر بأحداث سياسية معاصرة أو تاريخية فى مصر والشرق الأوسط. كما يتطرق إلى دور النهضة فى إدخال أشكال أدبية غربية جديدة مثل الرواية والقصة القصيرة، ودور شخصيات مثل رفاعة رافع الطهطاوى فى توثيق الانطباعات عن الغرب، وهو اتجاه يعود إبراهيم إليه فى روايته «أمريكانلي».
يُقدم أول فصول الكتاب سيرة ذاتية موجزة لصنع الله إبراهيم، الذى وُلد فى القاهرة عام 1937، ويصف ستاركى عائلته بأنها «غير متجانسة إلى حد ما»، حيث كان والده موظفًا حكوميًا رفيع المستوى، وكانت والدته من خلفية فقيرة.
كما يذكر أن صنع الله تربى على قيم دينية وفى الوقت نفسه على كراهية المحتل البريطانى والملك، وكان على الاستعداد للتمرد على الأفكار السائدة.
يتتبع ستاركى مسيرة صنع الله إبراهيم السياسية المبكرة، بدءً من انضمامه إلى مجموعة «الثقافة الجديدة» ثم انخراطه المباشر فى العمل السياسي، وانضمامه إلى منظمة «حديتو» التى دعت إلى إسقاط الديكتاتورية العسكرية فى عهد ناصر، ثم اعتقاله وسجنه لمدة خمس سنوات ونصف.
بعد إطلاق سراحه، سافر صنع الله إلى ألمانيا الشرقية والاتحاد السوفيتي، حيث عمل فى الصحافة ودرس السينما، لكنه قرر أن الكتابة هى مهنته الحقيقية. يعود ستاركى ليؤكد قرار صنع الله، منذ عودته إلى مصر فى عام 1974، بأن يصير روائيًا متفرغًا، ويعتبر كل عمل من أعماله «بيانًا سياسيًا» بطريقة أو بأخرى.
يشدد ستاركى على أنه إذا كان هناك قيمة واحدة يعتبرها صنع الله نفسه قد هيمنت على مجمل أنشطته الأدبية، فهى الإخلاص للحقيقة. وبحسب الكاتبة سامية محرز، التى ينقل عنها ستاركي، كانت مسألة «الحقيقة» هى الموضوع الأساسى المركزى لمحاضرة جورج أنطونيوس التى ألقاها صنع الله فى أكسفورد فى أبريل 2005؛ كما أنها تظهر بشكل بارز فى خطاب القبول الذى ألقاه عند حصوله على جائزة ابن رشد لحرية الفكر لعام 2004 فى برلين - وهو خطاب عكسى للكلمات التى رفض بها جائزة الدولة المصرية.

وقد تم أيضًا ربط هذا الإخلاص للحقيقة كدافع رئيسى للفنان، فى حالة صنع الله إبراهيم نفسه، بالتزام سياسى قوى وصريح، استمر طوال مسيرته ككاتب منذ سنواته الأولى كعضو فى الحزب الشيوعى المصرى - وهو دافع يشكل صورة عكسية، إن صح التعبير، للخصائص السلبية التى ذكرها فى «يوميات الواحات» ضمن تعريفه لدور الكاتب فى مصر المعاصرة على النحو التالي:
لا أن يكتب أى شيء يحلو له لقيمةٍ جمالية بحتة. لا أن يتوه فى بحثِ مشاكلَ فكريةٍ وفلسفية فقط، لا أن يعيش أسير تجربته الفردية التى قد تُسلمُه للانعزال والإحساس بالضياع والعدم.
لا أن يكتفى بتسجيلِ ما يحدُث فى المجتمع تسجيلًا انطباعيًّا حياديًّا سطحيًّا إن فنان مصر اليوم يجب أن يعمل بنشاط وتفاعل ويغوص فى أعماق الشعب وفى أعماق الفرد يكشف ويغيِّر الطريق ويوجِّه، يقود ويلعب دورًا فى الحركة اليومية مسلحًا بالتكنيك والتجربة الذاتية والوعى والمثابرة والتضحية.
حاول ستاركى تلخيص بعض السمات الرئيسية لروايات صنع الله ومسار تطورها على مدار مسيرة كتابة امتدت لنحو نصف قرن وأشار، أولًا، إلى أنه على الرغم من الطول المثير للإعجاب لمسيرته ككاتب، فإن إنتاج صنع الله إبراهيم الروائى ليس كبيرًا من حيث الحجم، حيث يبلغ حوالى اثنتى عشرة رواية (بمعدل واحدة كل أربع سنوات تقريبًا)، اثنتان منها «تلك الرائحة» و»اللجنة» يمكن تصنيفهما على أنهما روايتان قصيرتان.
ويُرجِع ستاركى الفاصل الزمنى الطويل بين نشر الروايات المتتالية إلى عاملين رئيسيين: الأول، البحث الدقيق الذى تطلبه عدد من أعماله؛ والثاني، حقيقة أنه على عكس معظم زملائه ومجايليه من الكتاب المصريين - الذين قبل الكثير منهم مناصب حكومية - حاول صنع الله إبراهيم، طوال مسيرته الأدبية، أن يحافظ على مسافة بينه وبين المؤسسات الأدبية «الرسمية» وغيرها من مظاهر رعاية الدولة، مفضلًا من حيث المبدأ الاعتماد على دخله الهزيل كروائى وتدعيمه بأنشطة مثل كتابة كتب الأطفال، والترجمة وما شابه.
«لا حاجة للقول إن التمسُك بهذا الموقف لم يكن سهلًا فى المناخ الأدبى المصرى خلال الخمسين عامًا الماضية. ومع ذلك، فقد ميَّزه هذا بشكل واضح عن زملائه الكتاب مثل جمال الغيطاني، الذى كان سعيدًا بقبول عدد من هذه الأدوار، (وفى حالة الغيطاني، على الأقل، كان أداءه لهذه الأدوار متميزًا). ونتيجة لذلك، اكتسب صنع الله إبراهيم، سمعة الاستقلال والانفصال عن السلطة، واحتفظ بها إلى حد كبير، وهو انفصال كان مظهره الأكثر وضوحًا رفضه العلنى لجائزة الدولة لعام 2003 لأسباب سياسية فى الأساس وليست أدبية».
بالانتقال إلى خصائص الروايات نفسها، يرصد ستاركى الطبيعة الرائدة للأسلوب البرقى فى «تلك الرائحة» وهو عمل يعكس حالة الإحباط التى بدأت تسيطر على العالم العربى حتى قبل حرب 1967 العربية الإسرائيلية، ويبشر بمرحلة جديدة فى تطور الأدب المصرى (والعربي) الحديث.
يشير ستاركى إلى أن الأعمال اللاحقة، على الرغم من تصويرها المعقد لشخصيات تحاول استعادة حياتها بعد السجن، أظهرت تطورًا كبيرًا فى التقنية الأدبية لدى صنع الله إبراهيم مع الحفاظ على ثبات الرؤية.
بعيدًا عن الإيجاز الذى اتسمت به رواية «تلك الرائحة» (التى لم تتجاوز الأربعين صفحة)، اتجهت أعمال إبراهيم التالية، باستثناء «اللجنة»، نحو الحجم الأكبر والتعقيد البنائي.
فمثلًا، بلغت رواية «وردة» عام 2000 حجمها يزيد على 400 صفحة، بينما قاربت رواية «أمريكانلي» عام 2003 على 500 صفحة. هذا التوسع فى الحجم صاحبه تعقيد فى البناء، حيث استخدم صنع الله نمطًا من وجهات النظر السردية المتعددة.
كما هو واضح فى روايتى «ذات» و«شرف»، بالإضافة إلى استخدامه المتكرر لتقنيات التناص. هذه التقنيات، التى تجمع بين الواقع والخيال فى ما يُعرف بالخيال الوثائقى أو الدوكيوفيكشن، أصبحت من سمات أسلوبه المميزة. يظهر هذا بوضوح فى روايتى «ذات» و «وردة»، على الرغم من اختلاف طبيعة المواد الوثائقية المستخدمة فى كل منهما. كما يلاحظ ستاركى تكرار مواضيع معينة فى رواياته، مثل الاهتمام بالمثلية الجنسية والعجز الجنسي.
يشير ستاركى أيضًا إلى تفضيل صنع الله للسرد الفكري، الأدبي، بصيغة المتكلم، التى يستخدمها فى جميع أعماله تقريبًا باستثناء «ذات» و «شرف»، ما يضفى على العديد من أعماله نكهة شبه ذاتية تم تأكيدها فى بعض الحالات مثل «نجمة أغسطس»، على سبيل المثال، من قِبل المؤلف؛ والمثال الأكثر تطرفًا على هذه السمة «التلصص»، وهى أشد روايات صنع الله ذاتية وأقلها سياسية، والتى يمكن اعتبارها بشكل أساسى مذكرات طفولة.
من السمات البارزة الأخرى التى رصدها ستاركى لروايات صنع الله بصيغة المتكلم أن آفاقها الجغرافية تتوسع بشكل تدريجي: من صعيد مصر «نجمة أغسطس»، إلى بيروت «بيروت، بيروت»، إلى شبه الجزيرة العربية «وردة» وأمريكا «أمريكانلي» - وتكتمل السلسلة برحلات إلى فرنسا «القانون الفرنسي»، وكذلك، بأثر رجعي، إلى الاتحاد السوفيتى فى «الجليد».
يتم إدخال تعقيد إضافي، فى حالة «وردة»، من خلال حقيقة أن العمل لا يتوسع جغرافيًا فحسب، بل يتضمن أيضًا سلسلة معقدة من القفزات الزمنية ذهابًا وإيابًا بين الماضى والحاضر.
وفى ضوء هذا التنوع فى الأساليب، ربما يكون من المهم أن الشخصية الرئيسية الوحيدة فى أى من روايات المؤلف التى يمكن وصفها بشكل معقول بأنها «بطل» بدلًا من «بطل مضاد» لا تنتمى إلى مصر فحسب، بل تنتمى أيضًا إلى الماضى وليس الحاضر.
يُختتم الكتاب بالتأكيد على أن صنع الله إبراهيم، برغم الارتباك الذى سببته بعض تصريحاته الأخيرة، لا يزال يُعتبر «أحد المدافعين الأشد ثباتًا عن قضية الحرية الشخصية ضد تجاوزات الحكم الشمولي» وأنه يُرى كمثال للنزاهة فى التاريخ الأدبى المصرى الحديث، وأن سمعته هذه مستقرة وراسخة.
فى كتابه، ينجح بول ستاركى فى تقديم دليل شامل ومهم لفهم أعمال صنع الله إبراهيم فى سياقها السياسى والتاريخي، ويُثبت تأثيره فى المشهد الثقافى العربى كثائرًا يكتُب.
بول ستاركي: أكاديمى بريطانى متخصص فى الأدب العربي. حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة أكسفورد، وكانت رسالته عن أعمال الكاتب المصرى توفيق الحكيم. عمل أستاذًا فخريًا فى قسم اللغة العربية بجامعة دورهام، وكان أيضًا مديرًا مشاركًا لمركز الدراسات المتقدمة للعالم العربى (CASAW). ستاركى مؤلف كتاب «الأدب العربى الحديث» (2006)، ولديه العديد من المقالات والأبحاث حول الأدب المصرى فى فترة الستينيات، مع التركيز بشكل خاص على كُتاب مثل صنع الله إبراهيم وإدوار الخراط. كما ترجم للعديد من الروايات العربية المعاصرة، ونُشرت ترجماته فى مجلة بانيبال، وشارك فى لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







