أنفاس صنع الله إبراهيم اللاهثة

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم


آية طنطاوى

فكرت كثيرًا قبل الكتابة عن صنع الله إبراهيم، هل أختار كتابًا حديثًا قرأت له؟ أم أعود بذاكرتى لقراءاتى القديمة له؟ أم أكتب خواطر عما يقوله ويكتبه عن الكتابة الإبداعية؟

 تشبثت ذاكرتى بـ«تلك الرائحة» أول عمل قرأته لصنع الله إبراهيم، قررت أن أعيد قراءته فى محاولة أخرى لإعادة قراءة نفسى ونظرتى للقصة بعين جديدة، والواحد منّا ليس الشخص ذاته فى كل الأزمان. انتهيت من قراءة القصة وترسب بداخلى نفس الشعور القديم، المتناقض جدًا، المتعة والحزن وانقطاع النَفَس.

كتب صنع الله إبراهيم، القصة(١٩٦٦م) بعد قضائه خمس سنوات فى سجون جمال عبدالناصر بتهمة الشيوعية، ولا يمكن إغفال الظرف النفسى الذى كتب فيه القصة التى تعد أول عمل أدبى ينشره بعد الحرية يسهل على أى شخص أن يتخيل طبيعة الحياة داخل جدران السجن لكن الواقع دائمًا غير ما نتخيله. 

من بين ما تخيلته عن السجن أن السجين يبقى وحيدًا لا يملك أشياء يفعلها فيعقد صداقة مقيمة مع الملل والوحدة والمرور البطىء للوقت، الزمن فى الحبسة لا يمر، والثوانى والدقائق ثقيلة ولها وزن مخيف، مؤكد أن كاتبا يخرج من السجن بعد تلك العلاقة العميقة مع الوقت ستكون كتابته الإبداعية تأملية أكثر وغارقة فى الذهنية، أقرب للتداعى الحر، لكن توقعاتى لم تكن فى محلها.

الزمن فى قصة «تلك الرائحة» سريع، متجاوز، يقفز فوق كل شىء، ولا يقف على شعور واحد، لكنه يطوى بداخله تنويعات على شعور واحد متكرر باللاجدوى واللاشىء.

تبدأ القصة بالبطل الذى لا نعرف اسمه يخرج من السجن مكبلاً فى يد العسكرى ومطلوب منه أن يدله على عنوانه ليسلمه تقريرًا يوميًا عن حياته. تبدأ رحلة البطل الحياتية، نعرف أسرته وعلاقاته وأصدقائه، شبكة العلاقات الاجتماعية والعاطفية، يرصدها الراوى بطل القصة بأسلوب أقرب لتفريغ المواقف والحوارات والمشاعر إن وجدت كأنه يسرد لنا فى القصة مقتطفات من تقاريره إلى الدولة بعد الإفراج عنه.

ما من تأمل هنا، ولا أرض ثابتة، الزمن يقفز ويتبدل والأماكن أيضًا فى لغة السينما وتحديدًا فى المونتاج نسميه Jump Cut  وهى واحدة من سمات اللغة السينمائية للمخرج الفرنسى جودار الذى تمرد على اللغة الكلاسيكية فى السينما الفرنسية وطور أدواته ليصنع إيقاعًا سريعًا يشبه شخصياته التى تجرى فى الحياة وتتمرد وتلاحقها الأفكار ولا تستقر على أرض ثابتة.



الجديد فى قراءتى الثانية لتلك الرائحة هو قراءة مقدمة يوسف إدريس وحديثه عن أسلوب ومهارة صنع الله فى الكتابة لدرجة أنه شبهه بدستويفسكى معللاً بأنه «يكتب بطريقةٍ منسابة فياضة تُحسُّ أن وراءها نبعًا لا ينضب».

ورغم البعد الظاهرى فى الأسلوب بينهما خاصة فى تلك القصة تحديدًا إلا أننى غرقت فى تلك المقارنة، ووصف الإنسياب الفياض، فما حصدته من تلك الرائحة هو بالفعل فيض من المواقف والأفعال واللحظات التى لم أعرف كيف ستتوقف ومتى. يصف إدريس القصة بأنها ثورة بينما يتحسر عليها يحيى حقى ويتهم صنع الله بانحطاط الذوق، ربما انزعج حقى لأن بطل القصة فى مشهد من مشاهدها تجرأ وأطلق ريحًا أمامنا وجعلنا نشاهد بعينيه البول والخراء يجريان فى المجارى.

يعقب صنع الله على نقد يحيى حقى لتلك الرائحة ويشرح طبيعة الظروف الداخلية والخارجية لكتابتها، فيقول: «كنتُ أقضى بقية اليوم فى التعرُّف على عالم ابتعدتُ عنه أكثر من خمس سنوات.

وما إن آوى إلى حُجرتى، حتى أجد نفسى مدفوعًا لأن أُسجِّل بلمساتٍ سريعة ما مَر بى من أحداث ومشاهَدات كانت تهزُّنى بعنف وتبدو لى عجائبية» ثم يلحق كلامه بأنه من داخل جدران السجن كان يتابع ويقرأ تطورات الفن والأدب فى الاتحاد السوفيتى والموجة الفرنسية الجديدة ومصر، وأنه أعجب بثورة الفنانين والكتاب فى كسر النمط الكلاسيكى، وفى صدارة الأمثلة يذكر تغيير نجيب محفوظ لأسلوبه وبعده عن بلزاكيته.

الحالة النفسية المفعمة بالحصار النفسى والتقييد مع مواكبة الفن حول العالم والرغبة فى التحرر كلها عوامل بلورت شكل وأسلوب صنع الله المتجدد فى الكتابة، نفس الأسباب لم تعجب أستاذه يحيى حقى وأغرم بها يوسف إدريس. 


مع تواكب العصور وتقلب الظروف والمزاج العام والخاص يبقى الشىء الوحيد الثابت هو اختلاف الأجيال فى الذوق والتلقى. حتى الآن نصطدم بتلك الاختلافات بين الأجيال، وبحكم وجودى أيضًا بين أجيال مختلفة وسعيى للبحث عن صوتى الخاص فى الكتابة أجد أن ما فعله صنع الله إبراهيم يشكّل درسًا ملهمًا يؤكد أن مواكبة السائد والسير بجوار الحائط هو طريق يسلكه العاديون، أما التمرد والسير فى طرق مختلفة وجديدة يحمل شيئًا من الصدق والرغبة فى ترجمة الذات وعدم التزييف.



يقول صنع الله «لماذا يتعيَّن علينا عندما نكتب ألا نتحدَّث إلا عن جمال الزهور وروعة عَبقِها، بينما الخِراءُ يملأ الشوارع ومياهُ الصرف الملوَّثة تغطِّى الأرض، والجميع يشمُّون الرائحة النتنة ويشتكون منها؟» لا أحتاج الكثير من الكلام بعد كلماته تلك لأقول أن مواجهة الخراء أهم وأصدق أحيانًا من جمال الزهور. نفس المنطق يذكرنى بالمخرج الإيطالى بازولينى أحد أهم مخرجى الموجة الإيطالية الجديدة المشهور بقدرته على تجسيد جماليات القبح.

«وتوقَّف السائق فى الطريق ليضع قطعة أفيون فى فمه ويشرب الشاى. وفكَّرتُ أنه محظوظ؛ فقد وجد طريقةً يستعين بها على مواجهة الحياة»

يعكس الاقتباس السابق من تلك الرائحة خلاصة القصة والحالة المزاجية لبطلها، الذى خرج إلى الحياة كطفل يخرج من رحم أمه وعليه أن يساير الحياة ويعيشها. لم يستطيع بطلنا الذى لا نعرف اسمه أن يواجهها وكل ما يفعله هو الإنسياب، مواكبة ما يحدث له وحوله، يتفاعل مع شبكة علاقاته المحيطة كما هى دون تزييف، يسمى الأشياء بمسمياتها، يفعل أو لا يفعل، وهذا هو جوهر القصة، أنه يفعل الكثير جدًا لكنه فى الحقيقة لا يفعل شيئًا. 

ما لم يفارق بطلنا داخل السجن وخارجه هو تلك الرائحة، ربما كتب صنع الله إبراهيم تلك القصة ليخرج تلك الرائحة من أنفه، الرائحة العفنة، المقززة، التى تربطه بالحبس. «كانت الرائحة لا تُطاق».

درس جديد تعلمته بعد القراءة الثانية لتلك الرائحة يتعلق بالبناء الأدبى، أن شعورًا واحدًا لا نستطيع أن نفارقه يصلح ليكون عظام قصة قصيرة أو نوفيلا، المهم أن نحافظ على هذا الشعور، وليس بالضرورة نفهمه أو نبرر وجوده تمنيت أن يكون أرشيف صنع الله إبراهيم مليئًا بالقصص القصيرة، لكنى فى كل مرة أرغب فى استعادة أنفاسى بقراءة عدد من القصص القصيرة، سأعود لتلك الرائحة.