سوفوروف ميخائيل نيكولايفيتش
إعداد وترجمة: رولا عادل رشوان
فى مشهد الأدب العربى المعاصر، يظل اسم صنع الله إبراهيم حاضرًا فى الأدب المصرى الواقعى النقدى المعاصر بوصفه واحدًا من أكثر الأصوات جرأة وابتكارًا، وكاتبًا لم يتوقف عن مساءلة الواقع من خلال تجربته الإبداعية الممتدة، رسم صنع الله ملامح مشروع أدبى فريد، تتقاطع فيه السيرة الذاتية بالتاريخ الجمعى، ويتجاور فيه الوثائقى مع المتخيل، ليشكلا معًا نصًا لا يكتفى برواية الحكاية، بل يشتبك مع أسئلة السياسة، والذاكرة، والتحولات الاجتماعية هذه الخصوصية، إلى جانب التزامه الفنى والفكرى، جعلت أعماله محورًا للبحث والنقد، وموضوعًا لتجارب قراءة متعددة عبر اللغات والثقافات. جمع صنع الله فى كتابته بين السرد الواقعى والتحليل الاجتماعى والسياسى العميق. نستعرض فيما يلى الموازنة الواضحة فى رواياته بين الملاحظة الدقيقة للواقع، والتجربة الشخصية للراوى، مع التركيز على الأسلوب والسرد كأدوات لفهم المجتمع والتاريخ، بعيدًا عن التعقيد المبالغ فيه أو الغموض غير الضروري.
وعبر تحليل موجز لاثنتين من رواياته، نبدأ بما صرّح به الروائى الجزائرى الطاهر وطّار عن رواية صنع الله إبراهيم التلصص، قائلًا بأنه قد قرأها وأنهاها فى أقل من أسبوع، وواصفًا إياها بأنها «رواية ملحمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى»، وبأن بطلها المراهق يمثل «عيننا البصيرة، التى عبرها استطعنا أن نكوّن صورة شاملة لمصر فى أربعينيات القرن العشرين.»
جدير بالذكر أن هذا العمل يعيد إلى الواجهة شخصية البطل التى عرفناها فى الروايات الأولى لصنع الله إبراهيم، والتى تمثل بديلًا عن المؤلف نفسه (alter ego).
غير أن الكاتب يعود هذه المرة إلى طفولته، متخليًا عن أسلوبه المعتاد القائم على إدراج الوثائق داخل النص الروائى، عائدًا إلى الأسلوب الوصفى فى السرد، والذى تنبثق طاقته الداخلية وتوتره من لغته ذاتها، ومن كون الحكاية، تروى فى الزمن الحاضر وعلى لسان مراهق.
يصف الكاتب إبراهيم فرغلى الرواية قائلًا: «فى النص إيقاع مدهش يقرّبه من النص الشعرى، المشيّد وفق قوانين الموسيقى. هناك انتقاء دقيق للكلمات، وغياب لأدوات الربط وأسماء الإشارة، وجمل إخبارية بصيغة المضارع. تضافرت التقنية الكلاسيكية فى الكتابة هنا مع أسلوب وودى آلن فى السينما: حيث تندمج شخصية الراوى مع شخصية المؤلف فتتحول الحكاية إلى شيئًا يشبه السيرة الذاتية وإنما بطريقة غير مباشرة.»
كما أسلفنا، فإن الراوي-البطل فى معظم روايات صنع الله إبراهيم يحمل طابعًا ذاتيًا واضحًا، لكننا نستطيع أيضًا تفسير قوة المشهدية البصرية فى التلصص بتأثر الكاتب بالسينما، ولا سيما بأفلام وودى آلن.
وتأتى لغة الرواية ممزوجة بسلاسة بين العربية الفصحى واللهجة المصرية، كأنها محاولة لاتباع نهج توفيق الحكيم الحكائى، الرجل الذى اجتهد كثيرًا فى صياغة هذا «الوسيط» اللغوى فى الأدب.
يعيش الفتى-التلميذ مع والده، فيما تلوح صورة الأم فى ذهنه بين الحين والآخر كذكرى طفولية غامضة، ولا ينكشف إلا فى خاتمة الرواية أنها تقيم فى مصحّة للأمراض النفسية، فى تلميح سبق أن ظهر أيضًا فى أولى روايات صنع الله إبراهيم تلك الرائحة. نجد هنا أيضًا أن العلاقة بين الأب والابن وثيقة للغاية؛ إذ يرافق الابن والده فى كل مكان، سواء إلى المتاجر أو فى زيارات الأقارب والمعارف، مراقبًا عالم الكبار، ومصغيًا إلى أحاديثهم وتعليقاتهم ونكاتهم حول أسعار السلع، والأحداث السياسية، مغامرات الملك فاروق العاطفية. كما يرصد الأفلام المعروضة فى دور السينما، والمظاهرات التى تعمّ الشوارع، والفوارق المعيشية الصارخة بين أغنياء القاهرة وفقرائها، إضافةً إلى التناقضات الدينية، والمعتقدات المشتركة بين المسلمين والمسيحيين، والموضات الرائجة آنذاك، والمعايير الأخلاقية السائدة فى المجتمع.
صوت الراوى هنا يسجّل كل تلك التفاصيل فى وعيه من دون أن يعبّر عن رأى صريح، غير أن النص يعيد تركيب هذه الملاحظات فى صورة واقعية شاملة للحقبة، وهو ما يبرر وصفها بأنها رواية ملحمية. وعلى الرغم من وجود مشاهد تربط أحداث الأربعينيات بالواقع المصرى المعاصر، فإن السرد، بفضل التزامه الصارم بصوت المراهق، يخلو من الإشارات السياسية اللاذعة التى اعتادها القارئ فى أعمال صنع الله إبراهيم الأخرى.
والآن، دعونا نحلل رواية أخرى من روايات «صنع الله إبراهيم»، وهى رواية «أمريكانلي»، والتى يحمل عنوانها صورتين مختلفتين: «أمريكانلي» و«أمرى كان لي»، أو ما يمكن إعادة صياغته إلى: «كان عليَّ أن أقرر بنفسي». معنى الصيغة الأولى من العنوان يوضحه كلام الراوى التقليدى المعتاد فى روايات صنع الله إبراهيم، وهو الـ alter ego الخاص بالمؤلف، وهو هنا يُدعى شكرى، أستاذ التاريخ الذى جاء إلى الولايات المتحدة لإلقاء محاضرات فى جامعة سان فرانسيسكو. يقول شكري: «كنت قد بدأت محاضرتى بمدخل استفزازى. قلت إنى ألفت فى طفولتى أن أسمع َّ تعبير «أمريكاني» يطلق على أى سلعة ذات مظهر براق وسريعة التلَف.».
يصف الراوى، بترتيب شبه كرونولوجى، أيامه الأولى فى سان فرانسيسكو: المنزل الذى أُسكن فيه، الحديقة الملحقة به، صناديق القمامة النظيفة ذات الأغطية المحكمة، والأثاث القائم فى الشقة، وهو لا يتجاوز الضرورى، إلى جانب الأجهزة الكهربائية التى بدت قديمة بعض الشيء وتحتاج إلى إصلاح. كما يتوقف عند الكتب التى تركها الساكن السابق، والتى تكشف عناوينها ملامح شخصيته واهتماماته.
بعد ذلك ينتقل إلى سرد أولى رحلاته إلى الجامعة: الأشخاص والمتاجر الذين صادفهم فى الطريق، القاعات والمكاتب الجامعية وما تحويه من تجهيزات، التعارف الأولى مع الموظفين، ثم سلسلة الأوراق التى ينبغى على الوافد الجديد ملؤها، وتعليمات السلامة التى تلقاها. وفى طريق العودة، يروى مشترياته: أغذية، صحف، وأشرطة فيديو لأفلام تتناول عمليات الكوماندوز الإسرائيلى ضد «إرهابيين» عرب.

وبالأسلوب نفسه، وبذات التفصيل الدقيق، يعرض الكاتب ما تلا ذلك من أيام البطل فى سان فرانسيسكو: تفاصيل الحياة اليومية، ومجموعة طلاب الماجستير الذين يشرف عليهم فى حلقة دراسية حول التاريخ العام، والمدرّسون والأشخاص الذين يتعامل معهم – من أمريكيين ولاتينيين ويهود وعرب – وبعضهم متزوج من أمريكيات. يصف سير الحصص الدراسية، والكتب التاريخية والمصادر المعتمدة فى إعداد رسائل الماجستير، والعروض التى يقدمها الطلاب، والنقاشات التى تدور حولها. كانت موضوعات الحصص الأولى تتمحور حول بدايات التاريخ ومفهومه لدى عدد من المفكرين، مثل بوليبيوس، وأوغسطينوس، وكارل ماركس، وفوكوياما الذى رأى فى تفكك الاتحاد السوفيتى «نهاية التاريخ»؛ أى حلّ جميع الصراعات العالمية وتحقيق الانتصار النهائى للرأسمالية.
يتسع أفق الراوى شيئًا فشيئًا، ويزداد اندماجه مع إيقاع المدينة، ويتعرف على عدد متزايد من الأشخاص، ويحضر اجتماعات منظمات مختلفة، وينغمس فى جوانب شتى من الحياة الأمريكية المتعددة الأعراق والإثنيات والأديان.
كما يتوسع نطاق الكتب التاريخية التى يذكرها ويناقشها مع طلابه، لتشمل أعمال مؤرخين وأدباء عرب معاصرين. وترد لكل كتاب ومؤلفه شروح وافية فى الحواشى، مما يضفى على الرواية طابعًا أقرب إلى العمل الأكاديمى الموثق.
ومع ذلك، يتجنب الراوى إصدار أحكام مباشرة بشأن القضايا التى يعرضها، مكتفيًا بتحليل نقدى لآراء المؤلفين الذين يقتبس منهم، تاركًا المجال لطلابه، ولعدد كبير من محاوريه، وللكتّاب فى الصحافة الأمريكية، وكذلك لمخرجى الأفلام الساخرة التى يشاهدها على أشرطة الفيديو، والتى تكشف بدورها مستوى معرفة المواطن الأمريكى العادى بالتاريخ والجغرافيا والسياسة الدولية.
وكما فى أغلب أعماله السابقة، يوظف صنع الله إبراهيم أدوات «الشعرية الوثائقية»، بحيث يترك للقارئ حرية استخلاص ما يشاء من الاقتباسات والملاحظات والحقائق المعروضة أمامه.
هذه المرة، ليست الرواية عملاً ساخراً أو هجائياً على غرار «اللجنة» (1981)، بل هى محاولة للتعمق فى معرفة «ما هى أمريكا»، وما مصدر قوتها، وما مزايا وعيوب المجتمع الأمريكى ونمط حياته. ويحافظ الكاتب، قدر المستطاع، على نبرة موضوعية، رغم أن التهكم يطل أحيانًا من بين سطور الراوى.
ومع ذلك، لا يتردد فى الخوض فى القضايا الأكاديمية بجدية، إيمانًا منه بأن ملل القارئ أو شدّه لا يعتمد على أسلوب السرد فحسب، بل على جوهر ما يُقال ومضمونه.
توجَّه الرواية إلى القارئ العربى بوصفها محاولة لتثقيفه بتاريخ وحاضر الولايات المتحدة، وبموازاة ذلك بتاريخ مصر، بل وبالتاريخ كعلم شامل، داعيةً إلى النظر إليه بوصفه علمًا صارمًا وموضوعيًا، لا مزيجًا من الافتراضات الانتهازية. وفى الوقت نفسه، يذكّر الأستاذ شكرى طلابه دومًا بصعوبة، وأحيانًا باستحالة، الوصول إلى الحقيقة التاريخية، وبأن الجهر بها قد يكون أكثر صعوبة.
وتستحضر رواية صنع الله إبراهيم إلى الأذهان عمل أول المصلحين المصريين، الشيخ رفاعة الطهطاوى، تخليص الإبريز فى تلخيص باريز (1834). وكما منح الطهطاوى وصفه طابع «رحلة فى طلب المعرفة»، يولى الراوى هنا أهمية قصوى للمعرفة العلمية الموثوقة، مدعّمًا نصه باقتباسات وفيرة من المصادر الأكاديمية ومواد الصحافة المعاصرة، إلى جانب ملاحظاته الحية عن حياة البلد الذى يراه لأول مرة. وهذه الرحلة، وإن جرت بعد نحو 180 عامًا على رحلة الطهطاوى، تبقى وفية لجوهر هذا الجنس الأدبي.
لكن بينما كان الطهطاوى ينظر إلى العلوم الأوروبية فى مطلع القرن التاسع عشر باعتبارها متقدمة، ويدعو بإلحاح أبناء وطنه إلى التعلم منها ونقل منجزاتها، يوجّه صنع الله إبراهيم نقده لتحيزات النظرة التاريخية ولنظريات العديد من العلماء الأمريكيين والأوروبيين. أما ما يشاهده فى سان فرانسيسكو من «العجائب والغرائب»، سواء فى مظهر الشباب وسلوكهم، أو فى أعداد المشردين النائمين فى الشوارع، فيستدعى نبرة من السخرية، تُثرى النص بإحساس لاذع بالمفارقة.
إلى جانب القضايا الجادة التى تتناولها الرواية حول علم التاريخ ومنهجيته، تبرز بقوة، كما فى معظم أعمال صنع الله إبراهيم، المسألة الجنسية أكثر من العاطفية. فالراوى، وهو رجل فى سن متقدمة، يعود بعد انتهائه من محاضراته لطلبة الماجستير، التى تدور حول موضوعات مثل تطور مفهوم «التقدم»، وتاريخ الفتوحات الاستعمارية الأوروبية، والصراع العربي – الإسرائيلى، ليشاركهم ذكرياته المفصلة عن تجاربه الجنسية الأولى، وعن «خيانته» حين آثر، خشية الإضرار بمساره الأكاديمى، الصمت وعدم إعلان دعمه العلنى لأشخاص يوافقهم الرأى. ويبرّر هذه المكاشفة لتلامذته برغبته فى «إيضاح دور العوامل المختلفة، بما فيها الشخصية البحتة، فى تكوين المؤرخ». غير أنّه، فى أعماقه، يشعر بالرضا لأنه استطاع من خلال هذه «القصص الفاضحة» أن يستثير اهتمام طلابه بمحاضراته.
كما لا يتوقف الأستاذ شكرى عن إبداء إعجابه بمفاتن الطالبات الشابات. أما كلمته فى الاجتماع السنوى لـ«جمعية المصريين المقيمين فى الولايات المتحدة»، التى قدّم فيها برؤية ساخرة قراءته للتاريخ الحديث لمصر، فقد قوبلت بالاستياء من علية القوم، لينهى محاضرته أمام قاعة شبه فارغة. هكذا يلعب الكاتب مع قارئه، فيصدمه حينًا، ويكسر جديّة الطرح التنويرى العلمى بمشاهد إيروتيكية طبيعية حينًا آخر، أو يحوّل النقاشات التاريخية الرصينة إلى تهكّم. وربما كان هذا التناوب المستمر بين المسارات العلمية والموضوعات الجنسية محاولةً لشد انتباه القارئ، أو لعلّه انعكاس لاقتناع صنع الله إبراهيم منذ بداياته بأن ماركس وفرويد هما المرجعيتان الأساسيتان لفهم التاريخ والإنسان معًا.
فالعالم الفكرى للأستاذ شكرى يرتكز على هذا الأساس المزدوج ذاته: تحليل العملية التاريخية من منظور المادية التاريخية، وفهم الطبيعة الإنسانية عبر نظرية التطور النفسي–الجنسى للفرد.
غير أن السؤال الحاسم يظل قائمًا: ما القرار الذى كان على شكرى اتخاذه فى النهاية؟ يبدو أن الإجابة تتجسد فى كلمته أمام مؤتمر المؤرخين العرب، الذى انعقد فى سان فرانسيسكو وجمع باحثين من مختلف البلدان العربية، حيث عرض، هذه المرة من دون أى تهكّم، رؤيته للتاريخ المعاصر لمصر.
لكن حديثه، على عكس ما حظى به الخطباء السابقون من تصفيق وإعجاب، لم يلق استحسان الحضور، ولم يشاركه الرأى سوى مؤرخ واحد من لبنان. وكان شكرى يدرك تمام الإدراك أن ما قاله فى تلك الجلسة قد أغلق أمامه باب تجديد عقده مع الجامعة، على الرغم من رغبته فى البقاء فصلًا دراسيًا آخر فى سان فرانسيسكو. ومع ذلك، فقد مضى فى خياره بنفسه وعن وعى تام.
أستاذ كلية الدراسات الشرقية بجامعة سانت بطرسبرج
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







