كلاسيكيات صنع الله إبراهيم

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم


أحمد غريب

منذ سنوات، وفى فورة استخدام الفيسبوك، أذكر أن صديقاً طرح سؤالاً، أو ربما كان السؤال على صفحة صنع الله إبراهيم نفسها، «ما أجمل روايات صنع الله؟» وقد ترك فى نفسى هذا السؤال أثراً جميلاً، أعاد تلك المتعة التى يشعر بها قارئ أدب هذا المبدع أثناء تلقف عمل جديد له.

كانت التفضيلات تتأرجح بين «اللجنة» و«ذات»، وكانت إجابتى المطبوعة فى الذاكرة منذ التسعينات «نجمة أغسطس»، ثمرة مناقشات بينى وبين أصدقاء فى تلك الفترة حول السؤال نفسه، لكنه اختيار قد لا يجد أنصاراً كثيرين فى الوقت الحالي، وقد كان موضع استغراب على نحو ما على الفيسبوك.

سؤال الفيسبوك نفسه كان مصاحباً للفترة التى فاض فيها إنتاج صنع الله إبراهيم، وتتالت إصداراته تباعاً بوتيرة لم يعرفها قراؤه فى الثمانينات والتسعينات، واتساع دائرة محبى أدبه بعد عرض مسلسل «ذات»، وكان ذلك فى حد ذاته أحد بواعث إعادة التفكير فى سؤال «ما أجمل روايات صنع الله إبراهيم؟»، وأيضاً إعادة صياغته.

بالنسبة لى أفضّل حالياً طرح السؤال كالتالى: «أى أعمال صنع الله إبراهيم أصبحت من كلاسيكيات الأدب المصرى الحديث؟»، أو «أى أعمال صنع الله هى الأكثر كلاسيكية فى سياق أسلوبه الأدبى المميز؟»

بشكل أو بآخر، يتنافس صنع الله إبراهيم فى دردشاتى مع أصدقائى على مكانة أفضل روائى مصرى بعد مرحلة نجيب محفوظ ويوسف إدريس، لكن تعبيرات مثل «أفضل» لا تفى بفهم أثر الأدباء الكبار، وإن كانت تجرى على اللسان محبة لأعمالهم. 

لكني، مؤخراً، وجدت سؤال «ما أفضل روايات صنع الله؟» قد أصبح رئيسياً على باحث جوجول، كلما كتبت اسم كاتبنا الكبير.

تجدد السؤال، من دردشات شخصية فى التسعينيات، ليجد مكاناً فى دردشات الفيسبوك بعد نحو عقدين، ثم يأخذ مكانه على الإنترنت، يشير إلى لذة ما فى مشاركة مثل هذا السؤال مع آخرين، ومناقشة تفضيلاتهم، تلك المتعة فى أن تفهم لماذا ترك هذا العمل الأدبى أثراً مستمراً فى النفس.

وقد دفعنى تجدد السؤال إلى البحث عن إجابة له فى كتاب «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكى؟» لإيتالو كالفينو، مستضيئاً بتعريفاته الـ 14 لما هو كلاسيكي. كما شدتنى كتابة هذه السطور إلى إعادة قراءة «اللجنة» و«نجمة أغسطس».

ولعل فى أحد تعريفات كالفينو تفسيراً لهذا الشوق إلى إعادة القراءة: «الكتاب الكلاسيكى هو الكتاب الذى يمنحك فى كل إعادة قراءة له نفس القدر من الإحساس بالاكتشاف كما فى القراءة الأولى».

لكن ذلك لم يكن الباعث الوحيد على إعادة قراءة هذين العملين الجميلين، لأعترف أننى كنت فى التسعينيات من عشاق رواية «ذات»، وكنت منحازاً لها كأفضل رواية كتبها صنع الله إبراهيم، لكن بعد أن أهدانى الراحل وائل رجب نسخته من «نجمة أغسطس» وشاركنى إعجابه بالبناء الروائى المتشابك لها، ملكنى الإعجاب ببنية هذه الرواية التى نُشرت فى بداية السبعينات من القرن الماضي.

يختصر البعض، بإخلال شديد، «نجمة أغسطس»، فى تلخيص يقول إنها رحلة صحفى لتسجيل مرحلة ما من مراحل بناء السد العالي، وإنها تتميز بجماليات الواقعية التسجيلية.

بينما يوجد 3 مستويات من السرد فى الرواية، لكل مسار منها كثافة لغوية مختلفة، تأخذ القارئ إلى مستوى معين من الأسئلة التى تطحن وعى الراوي. ولكل مستوى منها شكل الحرف الطباعى الخاص به. 

وتتكون الرواية من قسمين، الأول يتعامل فيه الرصد التسجيلى مع صعوبات الرحلة وتناقضات الأشخاص فى تعاملهم وتعايشهم مع تحكّم السلطة، وثقل الرقابة، ووصف ممتع لعمليات البناء المعقدة للسد، وتغير خريطة الأرض التى يُبنى عليها من يوم لآخر، وصراع آلات الحفر والطحن والتركيب مع طبيعة الصخر وقوة الماء، تقوم فيه مستويات اللغة نفسها بشحن التوتر القصصي.

وينتقل مستوى آخر إلى طبقة أعمق فى تجربة الراوى، وهى آلام السجن وقهر السلطة الغاشمة التى يمارسها السجان، لكن فقرات هذا المستوى، التى تتمتع بكثافة لغوية مختلفة، وتعكس عمق الألم فى النفس، لا تنتهى بعلامة الترقيم الطبيعية للفقرات (.) وإنما بفاصلة (،) يعود بعدها السرد إلى مجرى الحدث التسجيلى من جديد فى مهارة لغوية لافتة.

المستوى الثالث، هو فقرات منتقاة من كتاب يقرؤه الراوى عن مايكل أنجلو، النحات، الذى يشكل الصخر بإحساسه، ويختار موضوعه من واقع تلك الثنائية بين ما فى وجدانه وبين طبيعة الحجر الذى يشكله، مقاوماً موضوعات تفرضها الكنيسة، وسلطتها، ولهذا المستوى صراعه وكثافته اللغوية، وأيضاً شكله الطباعى الخاص.

مهارة وسلاسة الانتقال بين مستويات السرد، ليست وحدها ما يميز بنية هذه الرواية الكبيرة، وإنما هيكلة فصول الرواية، فالعمل ينقسم إلى قسمين، يرقّم الأول تصاعدياً: 1-2-3-4، بينما يرقّم الثانى تنازلياً: 4-3-2-1.

هذا الترقيم يحيل بشكل ما إلى ترقيم حجرات السد حسبما تراها من أى جهة، والسرد نفسه، فى لحظات متعددة تختلط فيها الأمور نتيجة الحاجة إعادة التعرف المستمر على خريطة أرض السد المتغيرة، يشير إلى محددين ثابتين: جهة السد التى تواجه القاهرة، وجهة السد التى تواجه منابع النيل، وكلاهما يرى الترقيم بشكل عكسي، وهى ثنائية ستتجلى أكثر فى محتوى كل قسم من قسمى الرواية.

سلاسة الانتقال الأفقى فى السرد بين المستويات (أو الفقرات) التى لا تفصل بينها نقطة وإنما فاصلة، هى محاكاة لغوية بشكل ما لجريان الماء عبر حجرات السد العالى نفسه. وهذه السمة تحديداً يستحيل أن يلخصها أحد، إنها سمة جمالية ممتعة، لا غنى عن قراءتها فى الرواية نفسها، وهذه السمة، «استحالة تلخيص عمل كلاسيكى»، هى إحدى السمات الفرعية التى يوردها كالفينو، ضمن شرحه للتعريفات الـ 14.

ختام القسم الأول، والذى يعادل ما يصفه الراوى فى بناء السد بـ «النواة المصمتة» التى تتوسط بناء السد العالي، تختلط فيه كل مستويات السرد المشار إليها، وتتداخل حكاية الراوى أو الصحفى الشخصية، مع استشهاد شهدى عطية تحت التعذيب، مع طحن الصخور والرمال الخشنة ومزجها مع مواد بناء السد لتشييده، مع حكايات الملك رمسيس التى تمتز فيها غلبة السلطة بانتصارات كاذبة، مع تلك العلاقة الغرامية قصيرة المدى بين الصحفى وسكرتيرة روسية.

بينما فى القسم الثانى يتجه السرد إلى وجهة أخرى، لا تنظر إلى القاهرة حيث السلطة، وإنما فى اتجاه معبد أبو سنبل، أو المنابع الثقافية، لا يتعامل فيه الراوى الصحفى مع قلق رقابة السلطة، ولا ارتباكات التعامل مع الروس على الرغم من تشابه خضوعهم إلى السلطة القوية مع المصريين، وصعوبات التعامل مع حر الصيف لقادم فى أغسطس من شمال مصر إلى أسوان. 

هنا يغيب تأثير الحر وهو بصحبة عمّال وصعايدة على متن صندل نيلي، إنهم جميعاً على متن قارب واحد: ابن الصعيد، وابن الدلتا، وابن القاهرة.

تذهب مستويات السرد الأعمق، ذات الشكل الطباعى المميز بالطبع، إلى ذكريات الرومانسية الشخصية للراوى، وأساطير وحكايات التاريخ الفرعوني، بحثاً عن عمق اجتماعى ونفسي، وبحثاً عن أحلام أبسط وأقرب إلى القلب. 

لا يحتاج الراوى إلى النوفاجلين والأسبرين للتغلب على الألم كما كان يفعل فى القسم الأول، فهنا على القارب حكايات أحمد وجرجس وفهمى وذُهنى، وأساطيرهم الخاصة عن كيفية ولادة تعبير «يا ليل يا عين» مثلاً، وأهازيجهم الشعبية التى تروّق البال، وتطلعات كل منهم نحو مَرْسَى لحياته.

ما أحاول أن أعرضه هنا عن تشابك البنية المعقدة فى رواية «نجمة أغسطس» ليس إلا هيكل الرواية، وبتبسيط شديد كما فهمته، لكن الكلاسيكية فى هذا العمل الكبير، من وجهة نظرى، تأتى من المحتوى نفسه، الذى يوثق بعين لمّاحة أدق التفاصيل، وخفة ظل عالية، كعادة صنع الله إبراهيم، ليقدم لنا قطعة أصلية عن وعى المثقف فى الستينات، وعن ملامح عديدة، غنية، وثرية، من حياة مصر، وشبابها، ورجالها، وطبقاتها، وفئاتها، والتحولات التى مروا بها فى الستينيات.

إنه، أيضاً، عمل يجيب، بشكل روائى، عن تلك الإشكالية التى يراها البعض فى رأى صنع الله إبراهيم الشخصى الذى يقدّر المرحلة الناصرية على الرغم من تعرضه هو نفسه للسجن خلالها. 

والإجابة الروائية لا تكون فى الاحتجاج بفكرة، أو بمنطق محدد، بقدر ما تكون فى الإمساك بما هو تحت الضجيج الإعلامي، والاجتماعى، لتقديم صورة أشمل وأدق لحيرة وأقدار البشر.

الصورة التى تقدمها الرواية شديدة التميز لمرحلة الناصرية، من أصغر نكتة ترد فى الرواية، «دهان الشاحنات الصفراء الإنجليزية باللون الأخضر لتبدو كأنها روسية أثناء زيارة خرشوف»، إلى مستويات الوعى وبناء الرواية الكبير. 

فـ «العمل الكلاسيكى هو عمل يحصر ضجيج الحاضر فى الخلفية، وهو الضجيج الذى لا تستطيع الأعمال الكلاسيكية أن توجد بدونه فى نفس الوقت»، كما يقول كالفينو.
والأجمل، أن جماليات السخرية، والرصد الدقيق، والتشويق التى تميز أعمال صنع الله هى نفسها القوة التى تحرك القارئ ليلتهم صفحات هذه الرواية ويقلبها تباعاً.

 شخصياً أجد صعوبة دائماً عندما أقرأ عملاً لصنع الله إبراهيم فى أن أتوقف عن القراءة، لأنى تأخرت عن موعد النوم، أو علىّ القيام بعمل ما.

لكن ماذا عن «اللجنة»؟ لماذا يحبها الناس على الرغم مما فيها من ألم وحسرة.

إذا كانت «نجمة أغسطس» هى أيقونة التشابك البنائى للرواية فى كلاسيكيات صنع الله، وتعدد وتداخل مستويات اللغة كدافع ومحرك رئيسى للتوتر القصصي، فإن «اللجنة» هى مقلوب ذلك.

اللغة صافية، لا تشعر ببنية ما، هى أشبه بحلم كابوسي، بدأ وانتهى تحت ضوء ضعيف، إنها قصة الإمساك بجوهر الانهيار، والذى يتجسد بأن يأكل الراوي، المثقف، بعضه، هنا يكون غياب أى ضجيج للبناء الروائى هو البنية نفسها، إن جاز التعبير، فقط صوت الراوي، وحضور السلطة.

كم تمنيت لو كانت رغبة نور الشريف فى تحويل هذا العمل إلى الشاشة، كما كنا نسمع، قد نجحت وماذا لو لم يتأخر انتشار كتب صنع الله إبراهيم، لما بعد نشر رواية «شرف» فى دار الهلال، وأتيحت فرصة تعريف الجماهير بإنتاج صنع الله مبكراً؟

لكن، عودة إلى سؤال ما أفضل روايات صنع الله إبراهيم؛ كيف أزاحت «نجمة أغسطس» رواية «ذات» من الأفضلية فى ذاكرتى، أو زاحمتها «اللجنة» على تلك المكانة؟

كان أول عمل قرأته لصنع الله إبراهيم هو "تلك الرائحة"، وقد كان اكتشافاً أبهرني، ووسّع من إدراكى لحدود ما يمكن للكتابة أن تقدمه. 

ثم قرأت «ذات»، وكنت طالباً فى كلية الإعلام أدرس الصحافة، وكان للرواية تأثير الزلزال فى نفسي، أحببتها كما لم أحب كتاباً من قبل، لأنى كنت أعيش الشرخ نفسه الذى تحكيه الرواية، بموضوعها وبنيتها، وكنت وقتها أجمع أرشيفى الخاص من قصاصات الصحف، كطالب.


ولعلى أجد تفسيراً لهذا الأثر الكبير فى تعريف كالفينو: «العمل الكلاسيكى هو العمل الذى يظل بمثابة ضوضاء فى الخلفية، حتى عندما يكون الحاضر مسيطراَ بشكل لا يتوافق معه تماماً» ينطبق ذلك بامتياز على كسر الأطر فى كل من «تلك الرائحة» و«ذات».

 لكن مغامرة صنع الله مع "ذات" تختلف، وتزداد ثراء، فى أنه كتب عن امرأة، فى خروج عن نموذج الراوى المثقف أو الصحفى المعتاد فى أعماله السابقة.

كما كانت البنية الثنائية فى «ذات»؛ المراوحة بين فصول لقصاصات الصحف، وبين فصول تروى رحلة ذات من أحلام الشباب والزواج إلى خسارة كل الأحلام، لاذعة فى طريقة إمساكها بالتناقضات فى الثمانينات وما بعدها، والشروخ الكبيرة والصغيرة فى حياتنا، كما أنها تجسيد للفصام من أوجه عديدة، على المستوى الفردى أو الاجتماعى، أو السياسى.

فى جدلى المنحاز لـ «ذات» خسرت تقريباً نقطة، عندما لفت انتباهى بعض الأصدقاء إلى أن ترجمة الرواية للغات أخرى استبعدت فصول قصاصات الصحف، وتم ذلك بالتنسيق مع مؤلف الرواية. لكن بإمكانى أن أستعيد النقطة، بعد القبول الجماهيرى الواسع للمسلسل المأخوذ عن الرواية، وأيضاً بتعريف كالفينو:


«إن العمل الكلاسيكى هو العمل الذى يولد باستمرار سحابة كثيفة من الخطاب النقدى حوله، ولكنه دائماً ما يهز جزيئاته».

فإذا كان التخلى عن فصول القصاصات عند انتقال العمل إلى ثقافة أخرى ينتقص من جزء منه، فإن أهمية انتقال العمل إلى ثقافة أخرى، على الرغم من الاستغناء عن جزء منه لتطويعه ليناسب قارئ ثقافة أخرى، تحسب له.

بشكل ما، تَلْقى كتابات صنع الله إبراهيم قبولاً واسعاً، وتُلقِى بأثر قوى فى نفس المتلقى فى كل بلد عربى، ولدى كل الأجيال تقريباً فى للحظة الحاضرة. فالكلاسيكيات، كما يقول كالفينو: «هى تلك الكتب التى تصل إلينا محمّلةً بهالةٍ من التفسيرات السابقة، وتاركةً وراءها آثاراً فى الثقافة أو الثقافات (أو حتى فى اللغات والعادات) التى مرّت بها. وهذا ينطبق على الكلاسيكيات القديمة والحديثة على حدٍّ سواء».لا أعرف إذا كان المنحازون لـ «اللجنة» يخسرون نقطة أيضاً عندما يقول أحد إن الفكرة العامة لهذا العمل تحاكى «المحاكمة» لكافكا. 

بالنسبة لى، «اللجنة» هى العمل الأكثر أثراً فى النفس عن تحولات السبعينات، والتى كانت بمثابة انقلاب على النفس، وقد حملت الرواية ملامح هذا الهم على مستوى الشكل والمضمون، بتفاصيله المصرية الخالصة. وتشابه التيمة مع عمل كبير ومؤسس، لا يحجب رؤية الإبداع فى كل من تفاصيل وكلّيات رواية صنع الله.

فى قراءتى الأحدث لـ «اللجنة» شعرت بثراء هذا العمل قليل الصفحات، وقدرة كل عبارة فيه على أن تحمل جديداً فى المعنى.

«الكتب الكلاسيكية هى كتب، كلما اعتقدنا أننا نعرفها من خلال الأقاويل، وجدناها أكثر أصالة وغير متوقعة ومبتكرة عندما نقرأها بالفعل»، كما يقول كالفينو.

والكلاسيكيات أيضاً، بحسب تعريف الكاتب الإيطالى الكبير: «هى كتب تمارس تأثيراً خاصاً، سواء عندما تطبع نفسها فى مخيلتنا على أنها لا تُنسى، أو عندما تختبئ فى طبقات الذاكرة متخفية فى صورة اللاوعى الفردى أو الجماعى»، وهكذا هى كلاسيكيات صنع الله.