رواية لا تشبه غيرها

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم


محمد عبد الجواد

تعرفت على صنع الله إبراهيم فى وقت مبكر، بالثالثة عشرة من عمرى تقريبًا، فور خروجى من عالم روايات مصرية للجيب، مرافقة فريق نور الدين وأكرم فى المخابرات العلمية فى سلسلة «ملف المستقبل» ثم العجوز رفعت إسماعيل فى «ما وراء الطبيعة»، وكان تعارفًا ثقيلاً على مراهق لا زال مغلفًا بزلال الطفولة الذى لم يجف بعد، ولكنه يتطلع بتوق إلى مرحلة جديدة واعدة بالاكتشافات. كان إبراهيم أصلان بـ«خلوة الغلبان» من سهل الانتقال الآمن بين المرحلتين، مجموعة من القصص فى محيط فضل الله عثمان، تبعث على الشجن والتفكير فى العادى باعتباره غيرعادى.

درس مبكر فى الأدب للكاتب الذى كان يتكون داخلى بهدوء، عوالم نجيب محفوظ الثرية؛ الدراما والرمز، ثم أعقبها عوالم كتاب مصريين وعرب وأجانب، كنت أبحث عنهم بعد قراءة رواية، ولكن الوحيد الذى بحثت عنه قبل معرفة رواياته؛ وبسبب الاسم وحده؛ كان صنع الله ابراهيم.

الاسم الغريب، والذى جاء من القرآن رأسًا: «صنع الله الذى أتقن كل شىء»، أحالنى للتفكير فى كاتب لبنانى من شيعة الجنوب أو إيرانى مثلاً بسبب انتشار أسماء مثل نصر الله وآية الله الخ، كما أن صوره التى تظهره بملمح مختلف: نظارات دائرية سوداء وأنف طويل وحالة عامة توحى بالتلصص على شيء ما طوال الوقت، جعلتنى أنجذب له بسهولة، وأقرأ عنه أكثر لأصطدم بالحقيقة: هذا من المجددين القلائل الحقيقيين فى الأدب المصرى والعربي، والذين ابتكروا وسيلة خاصة بهم فى القص، يمكن تسميتها وسيلة صنع الله بارتياح وبلا مبالغة.

بدأت باللجنة، ثم عرجت على رائعته «ذات»، وهكذا فوجئت بأسلوبه الخاص الذى يقارب التقرير الصحفى ولا يقربه، مع حس التوثيق العالي، لأحتار فى توصيفه، بعيدًا عن كل ما كتب فى حقه؛ هل هو موثق أدبي، ممكن؟، روائى وموثق وصحفى وباحث، كأنه أراد لنفسه التحرر من المسمى ليكتب على سجيته.

من بين كل الروايات التى قرأتها له، أحمل إعجابًا وامتنانًا يحمله طالب لمعلمه وقارىء لكاتبه لروايتى التلصص و١٩٧٠. غلاف التلصص، والذى يحمل صورة لطفل مقطوع الرجلين - أكل اطار الغلاف قدميه - يقف وسط سماء بيضاء مفعمة بالذكريات والغموض، يمثل عنوانًا مناسبًا لروايته، التلصص هنا كان بوابة صنع الله إبراهيم للدخول لعالم الأدب المبكر.

لا تحوى الرواية أحداثًا ببداية ونهاية واضحة، ولكنها تكشف بهدوء عن فضيلة التلصص التى اكتشفها الطفل صنع الله بنفسه، ووجد فيها براحًا يمكن معه فهم ما يحدث حوله، هكذا تطابقت ملامح الطفل ذاهل النظرات بملامح الصقر العجوز بنظراته السوداء الدائرية، ليصير أشبه بأينشتاين أدبى يبحر فى عالم جدير بالتلصص: كان هذا أول درس أدبى جاد أتعلمه فى حياتى، رغبتى الملحة بالتلصص لا تندرج تحت بند التجسس أو معرفة أخبار الآخرين، وإنما التلصص لسرقة الساحر من العادى، فهم جماليات الحياة بالتلصص الحميم على تفاصيلها.

تابعت الطفل فى الرواية وأباه وتعلقت بهما حتى أدركت أن صنع الله إبراهيم قد صاغ رواية لا تشبه غيرها، تماما مثله، تحمل الكثير من التفاصيل التى تدفعنى دفعًا لقراءتها أكثر من مرة عندما أحتاج عملا يدخلنى فى عالم حميمي، ينقطع فجأة لنهاية الرواية لأشعر بأننى لم أرتو بشكل كافي، ولعل الونس الذى صاحبنى طوال القراءة كان كافيًا لأتتبعه فى كتاباتى لاحقًا، لأننى أدركت جمال أن يشعر القارىء به، ما العالم سوى محيط فسيح لا يصير مألوفًا سوى بالتلصص على تفاصيل تشبهنا، تلصص منى على صنع الله الذى تلصص على أبيه وعلى طفولته، ليصير الكاتب الذى كانه. تلصص حميد يجعلنا نفهم الإنسان بسهولة. 

بعدها بما يقرب من ربع قرن، كان موعدي، وقد صرت كاتبًا روائيًا بالفعل، مع درس جديد فى الكتابة. طالما سألت نفسي؛ كيف مرت مصر بما مرت به بدون أن يخرج كاتب ليوثق حياة الحاكم من داخله؟، كتابات تشبه خريف بطريرك ماركيز أو غيره، وكانت الإجابة فى المحب الناصرى الذى يجاهر بمحبته هذه، عندما قرر أن يكتب رواية ١٩٧٠، والتى اختارها كعنوان مناسب لآخر عام فى حياة عبد الناصر فى إشارة رمزية أخرى لآخر عام فى حياة حلم مصرى وعربى لم يكتمل. رغم معرفتنا أن عبد الناصر سيموت فى سبتمبر من هذا العام، وجدت نفسى مدفوعًا برغبة حميمة فى معرفة كيف ستأتى اللحظة وسط كل هذا الزخم، دخل صنع الله إبراهيم رأس عبد الناصر واتحد معه لنقرأ الأخبار بصوته؛ ما بين الرواية بنفس ضمير مُسائل، كأن الكاتب هو صوت الجموع أو صوت ضمير عبد الناصر نفسه، وبين الأخبار التوثيقية البحتة، التى هى من فضائل عالم صنع الله إبراهيم المميزة، تسير الرواية بانسيابية وتلخص تاريخ مصر وعبد الناصر بسهولة، المحبة واضحة فى الكتابة مع الألم، لأن الضمير الشعبى ينفصل فى النهاية ويحاكم الرئيس، هكذا كتب الكاتب وثيقة تاريخية بعد وفاة عبد الناصر نفسه بما يقارب نصف قرن، كأنه استوعب تأثيره طوال هذه السنوات وبحث عنه بعد خفوت متوقع ليفاجأ أنه لا زال حيًا بل ويحتاج لمشرط جراح محب. قرأت الرواية أربع مرات بلا مبالغة، واكتشفت كل مرة أننى أزداد حبًا لعبد الناصر وفهمًا له مع إعجاب غير منقطع بصنع الله إبراهيم الذى علمنى الدرس الجديد: اكتب عنه كما كان يفكر، قدر الإمكان، ضع العيوب والمميزات ترى إنسانًا طبيعيًا بعيدًا عن وهج النبوة والقداسة.

للمفارقة، كان الغلاف يظهر صورة متآكلة الأطراف لوجه عبد الناصر، عينين حزينتين فى لقطة التنحى الشهيرة، اللقطة التى انهار فيها المقدس والحديدى لصالح طينة إنسانية طوعها الحزن، تظهر الإنسان المنكسر وهو يحتمى بشعبه، يعترف بسقوطه، الاعتراف فى حد ذاته وسيلة للارتفاع ليصل إلى قلبه البشرى بعد الزعامة لزمن طويل كاد فيه يتحول إلى إله فرعوني.

الخلفية من سماء بيضاء متوهجة، تشبه خلفية الطفل صنع الله فى رواية التلصص، كأنه يرسم خيطا رفيعًا بين التلصص كطفل على أبيه وعلى الحياة، ثم التلصص وهو كاتب كبير؛ بروح طفل لا يكبر، على عبد الناصر أو الزعيم أو الأب بصورة أو بأخرى، وكلاهما مكلل بالبريق لأن نتيجتهما واحدة: الإنسان مذهل بكل ما فيه، العادى أكثر من غير العادي، وكان صنع الله إبراهيم، باسمه حتى، والذى يكرس الانسان كصنعة مميزة لله فوق قمة خلقه كلهم؛ مثالاً حيًا على ذلك، ولعله الآن سيكتب روايته الجديدة وقد صارت الخلفية البيضاء هى حياته نفسها، يتلصص على الجنة والنار مثل دانتي، مبتسمًا مثل طفل أبدى.