محمد الناصر
لم يكن مريضا، ولا جفونه تعانى من الثقل، كل ما فى الأمر، لقد قرر أن يفتح عينيه ببطء، وليستمتع بهذه الحركة البسيطة، وهى تتخلق، مثل لقطة سينمائية، قررها المخرج لأسباب تتعلق بالتأثير البصرى، ومن ثم التأثير النفسى على المشاهد، فى الأوقات العادية، كان الزمن الذى يتطلب، لكى يفتح جفنيه بعد أن يستيقظ، ربما أقل من ثانية، لكنه هذا الصباح، استغرق دقيقتين على الأقل.
لم يكن فتح الجفنين، اللقطة السينمائية البطيئة الوحيدة هذا الصباح، بل استغرق زمن نهوضه، وجلوسه على السرير خمس دقائق على الأقل، ثم تنزيل رجله، كى يرتدى الشبشب أسفل السرير، ما لا يقل عن7 دقائق، منها ثلاث دقائق لكى يُدخل رِجْله فى «الشِبْشِب»، أما النهوض واقفا فقد استغرق 4 دقائق.
لا بد أن نعترف، أن مسألة التوقيت الدقيق بالدقائق والثوانى، لمسار حركة «فَزْلُوك»، منذ أن استيقظ إلى أن بدأ التحرك تجاه «الحَمَّام»، كانت تخمينية بعض الشىء، ليست بالدقة التى ذكرناها، لكن العملية كلها، رصدتها كسارد لهذه القصة، منذ أن انطلق ضجيج المنبه فى الساعة 7 صباحا، حتى دخوله الحمام.
«فَزْلُوك» لقب أطلقه عليه ناقد كبير أثناء نقاش، حول مائدة تحتوى خمس زجاجات بيرة، لخمسة أشخاص، بعد أن زهق من فزلكته، ثم شرح له الفرق بين الفَزْلَكة والسَفْسَطة، اعتراضا على وصف أحد الجالسين له «بالسُفُسْطائى»، لذا احتراما للعلم، الذى كان يندلق على المائدة مثل البيرة فى الأكواب الزجاجية اللامعة، سنلتزم فى قصتنا بهذا اللقب، ولن نذكر اسمه الحقيقى، لأنه لن يخدم القصة، كثير من أسمائنا الحقيقية لا تناسب شخصياتنا، هكذا أقول دائما.
هل كان «فَزْلُوك» يعانى من مقدمات شلل؟هل أسرف فى احتساء البيرة فى «الجِرْيُون» ليلة الأمس؟ هل استلبت نشاطه مومس فى وسط البلد، فى شقة صديقه العازب؟، بالطبع كل هذا لم يحدث، لقد قرر ليلة أمس، أن يقضى الليلة فى بيته يشاهد التلفزيون، مادا ساقيه باسترخاء، يحسده عليه المصمم الهولندى «سبورت»، فما فعله فزلوك وهو جالس أمام التلفزيون، هو خلق مساحة للاسترخاء، كما جاء فى المقال، الذى قرأه على الإنترنت منذ عدة أيام، نضيف إلى ذلك، عبارة الفيلسوف الإنجليزى جرانت، التى تملأ رأسه، وتدور فيها مثل طفل يلهو «بالبسكليته» فى ملعب دائرى، وهو يتحدث عن مفهوم اقتصاد المتعة «تخلى عن الأشياء التى تبحث عن تحقيقها فهو أمر ممتع لك»، لم تجعله عبارة جرانت يركز فى مباراة البريدج، التى يشاهدها فى التلفزيون، الذى لم يلعبه يوما، ولا عِلْمَ له بقوانينه، لكن الفكرة تدهشه، أن يلتف عدد من الناس، حول مائدة، تتحول الحياة وقتها، إلى مجرد أوراق لكوتشينة، تتنقل بين أيدى اللاعبين والمائدة، لأنه على يقين أن هؤلاء المستغرقين فى الورق، لا يأتى فى بالهم كوميديا الواقع، للحد الذى يجعله كثيرا ما يردد عبارة «العالم اقترب من نهايته»، لكن ما يجب أن يقال ونحن ننهى هذه الفقرة من القصة أن السيد «فَزْلُوك»، رغم اهتماماته الفكرية التى يمكن وصفها بالعميقة، بعد أن ننحى اتهام الناقد الكبير له بالفزلكة، لم ينشر سطرا لا فى صحيفة ولا مجلة، ولا حتى كتاب مشترك، لأن فكرة نشره لكتاب بمفرده، لا يمكن أن تأتى على باله بالمرة، ليس له صفحة فى الفيسبوك، ولا حساب فى التويتر، هو كما يسمى نفسه «كائن شفاهى»، كان من المفروض أن يوجد على الكوكب، فى عصر ما قبل الكتابة، لكنه للحق قارئ نهم، حتى إنه يقرأ كل إعلانات الشوارع، فى طريق ذهابه وعودته من الشركة، بأسلوب يمكن وصفه ضمن مناهج البحث بتحليل المضمون.
قبل أن يندس «فَزْلُوك» ليلة أمس فى سريره، فى غرفتة الخاصة، لأنه من النوع البشرى الذى يوصف بخفة النوم، وهذه عادة المفكرين أمثاله.
كما كان يقول دائما لزوجته، وهذا سبب يراه مقنعا، يحفظ لها كبرياءها، من إهانة يومية من زوج، لا يرغب فى النوم بجوار زوجته، لقد قرر أمس أنه زهق من اللهاث، ليلبى احتياجات أسرته، وطموحاته الشخصية، ونزواته الخفية، التى لا تعلم عنها زوجته شيئا، فقرر أن يجرب تكتيكا آخر مع الحياة، لقد قرر ببساطة أن يعيش بطيئا، وهذا القرار اتخذه بمجرد أن وقع بصره على عنوان رواية «البطء» لكونديرا، فتحول العنوان بسرعة البرق إلى إضاءة سريعة لكل حياته، لم يقرأ الرواية، وربما لن يقرأها، لكن العنوان ملهم، من المؤكد أنه سيعيش أطول وبصحة أفضل، هكذا تقول سيرة السلاحف، منذ أن وجدت على الكوكب من ملاين السنين، خذ الحكمة من «سلحفة»، سيأكل ببطء، ويفرِّش أسنانه ببطء، ويضاجع زوجته ببطء، وسيمشى فى الشارع ببطء، ويؤدى عمله ببطء، لكن الأمتع فى ذلك بلا شك، هو تدخين السجائر ببطء.
اندهشت زوجته عندما رأته يخرج من الحمام، كأنها تشاهد مشهدا بطيئا فى فيلم، كتمت ضحكة، بعد أن خبطت على صدرها.
لاااااااااا أكيد إنت بتهزر!!!
لم يهتم بما قالت، لكنه قال: «ص ب اااااااح اااااااااال خ ى ر»، وعندما وصل إلى «السُفْرَة»، كان قد استغرق ما لا يقل عن ثلث ساعة، منذ أن خرج من «الحَمَّام»، حتى إنها زهقت، فجلست على كرسى، لكنها لم تستطع أن تكتم ضحكة، عندما لاحظت أنه استغرق ما لا يقل عن ثلاث دقائق، حتى يحتسى الشفطة الأولى من الشاى، وأن تناول بسكويته بعد ذلك والانتهاء من مضغها، استغرق اثنتى عشرة دقيقة تقريبا، شرح لها بجدية تكتيكه الجديد مع الحياة، لكن هذه العملية الشارحة، رغم قلة الجُمل التى نطق بها، استغرقت أكثر من 30 دقيقة على الأقل.
لما رأت بأن زوجها يمر بحالة لا تفسير لها، بعد أن بدأ التكلم ببطء، تحايلت على الطفلين، حتى يذهبا لمدرستهما، وطمأنتهما على صحية أبيهما، فهو من المؤكد يريد أن يبدأ يومه بالمرح معهما، حتى وإن كان مرحا يدخل فى دائرة اللامعقول، ولما تخيلت زوجها يمشى بالشارع ويركب أتوبيس الشركة ببطء، ويدخل إلى الشركة ويمارس عمله ببطء، تحايلت عليه، بحجة أنها ترغب أن تمرح معه فى السرير مثل فرسة، قبل ذهابهما للشركة، وأن يجربا هذا البطء اللذيذ، لكن هذا المرح النزق يسلتزم أن تربطه بالسرير.
عندما انتهت من ربطه، من يديه وقدميه، نهضت، وتركته يحدق فى السقف بكامل ملابسه، وهى تخرج لتلحق بأتوبيس الشركة، حذرته بلهجة صارمة، أنها تريد عند عودتها، أن يكون قد توقف عن تكتيكه الجديد مع الحياة، وستحرص على العودة قبل أن يعود الطفلان من المدرسة، حتى لا يشاهدا أباهما مربوطا من يديه وقدميه فى السرير.
قبل أن تغلق باب الشقة وراءها، سمعته يدندن «يا سُلْحُفِ الحب الصافى»، وهذه طبيعته عندما يكون رائق المزاج، يقوم بتغيير كلمات الأغانى بما يناسب الموقف، لكنه فى هذه المرة، كان «فَزْلُوك» يدندن ببطء، وما يقلل من انسجامه، هو أنه لم يستطع وضع ساقه المربوطة فى السرير فوق ركبته، كى يتأمل حركة مشط رجله وهى تتحرك بمرح بطىء، كى يسأل نفسه السؤال المكرر، لماذا هى بخمسة أصابع وليس أكثر أو أقل؟
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







