رحم العالم: الأمومة كخطاب عابر للحدود والثنائيات

رحم العالم
رحم العالم


د. نيفين النصيرى


فى كتابها اللافت «رحم العالم: أمومة عابرة للحدود» (دار تنمية، 2024)، تقدم د. شيرين أبو النجا، أستاذ الأدب الإنجليزى والمقارن بجامعة القاهرة، قراءة متعمقة للمفهوم الثقافى والاجتماعى للأمومة، متجاوزةً النظرة العامة التى طالما رسختها المخيلة العربية حول هذه التجربة لا تتعامل أبو النجا مع الأمومة كغريزة طبيعية أو تجربة وجدانية محضة، بل بوصفها خطابًا مؤسسيًا عابرا للحدود، ينتج ويعيد إنتاج أنماط السلطة داخل النسيج الاجتماعى والدينى والثقافى تندرج هذه المقاربة ضمن تقليد فكرى نقدى تبنته تيارات متعددة فى دراسات الجندر والنسوية، من بينها أفكار أدريان ريتش، بيل هوكس، جوليا كريستيفا، أنجيلا ديفيس، وشاندرا موهانتى إلا أن «رحم العالم» كتاب يتجاوز التخصص الأكاديمى السائد إلى مشروع فكرى يفتح الباب أمام مساءلة الجذور الثقافية لما نظنه طبيعيًا أو غريزيًا. الكتاب دعوة راديكالية لإعادة النظر فى بنية الخطابات المؤسسة للأمومة، ورفض تأطيرها فى رموز صماء أو تمثيلات مثالية، فيعرى دور الأم فى الحفاظ على منظومة السلطة، كما يكشف إمكانيات المقاومة التى تنشأ عندما تُفكر النساء فى أمومتهن كأفعال شخصية لا كواجبات ثقافية.

السؤال المحرّم
منذ مقدمته، يفضح الكتاب كيف لم تسمح الثقافة العربية بتحويل الأمومة إلى سؤال بحثى، بل عملت على «تسييجها داخل إطار يختلط فيه الدينى والمحرم والمقدس والوطنى» (ص29) ما يجعل الأمومة، رغم حضورها الطاغى فى الأدب والفن والقانون والخطاب الاجتماعى، واحدة من المسلمات التى لا تُمس وهنا تكمن شجاعة المشروع النقدى الذى تقترحه أبو النجا: تفكيك هذا الحصن فترى أبو النجا أن «الأمومة بكل حمولها الثقافية والاجتماعية والعائلية تتحول إلى خطاب يهيمن على الذات النسوية من ناحية تحققها أو كبح تعبيرها عن نفسها» (ص7) تنطلق أبو النجا من تفكيك الأساس الفطرى المزعوم للأمومة، لتعيد قراءتها كفعل ثقافى، يُصاغ داخل أنظمة السلطة، يتشكل تحت تأثير طبقة متشابكة من القوى: سياسية، دينية، اقتصادية، نفسية وثقافية (ص36). وهى بذلك تعيدنا إلى الأطروحة المؤسسة لأدريان ريتش فى كتابها «عن المرأة المولودة: الأمومة كتجربة ومؤسسة» (ـ Of Woman Born: Motherhood as Experience and Institution) (1976)، حيث تميز ريتش بين «تجربة الأمومة» التى تعيشها النساء فعليًا، و«مؤسسة الأمومة» التى تخدم مصالح النظام الأبوى وبنفس الروح، تسائل أبو النجا الكيفية التى يتحول فيها الجسد النسائى إلى موقع للصمت والإذعان، لا سيما عندما يتم اختزال الأمومة إلى وظيفة تضحية أو وعاء رمزى للهوية الوطنية، فتعيد إنتاجها داخل سياقات ما بعد كولونيالية وعربية. ويتقاطع هذا التحليل مع قراءات جوديث بتلر (Judith Butler) عن الجسد والأداء الجندرى، خصوصًا فى كتابها أجساد مهمة Bodies That Matter 1993)) حيث تشير إلى أن الجسد لا يُولد بمعنى، بل يُنتج ضمن نظام دلالى واجتماعى يملى عليه كيف يكون «ذكرًا» أو «أنثى»، «أمًا» أو «زوجة». هكذا، تصبح الأمومة لدى أبو النجا فعلاً سياسيًا وثقافيًا مشحونًا، لا مسألة طبيعية أو قدرًا بيولوجيًا. فى أحد أكثر أطروحات الكتاب إضاءة، تحذر أبو النجا من تحول الأم إلى رمز يتجاوز فردانيتها: فهى الوطن، التضحية، الشهادة، الصمود، بحيث «إذا جاء نموذج الأم مخالفًا للصورة الراسخة فى الوعى الجمعى، تم التعامل معه بوصفه نشازًا يستحق العقاب أو التجاهل» (ص8). ولعل المقارنة التى تعقدها المؤلفة بين أم الشهيد وأم الوطن، أو بين الأم التى تختفى وراء نجاح أولادها وبين الأم التى تُذنب فى حال فشلهم (ص27)، تسلط الضوء على عنف رمزى قائم على إفراغ الأم من فرديتها، واختزالها إلى مجرد وظيفة «حارسة للقيم»، كيف أن الأم تُختزل إلى وظيفة رمزية تؤدى دورها داخل سرديات الوطن والمجتمع، لا باعتبارها ذاتًا مستقلة.

المقارنة كأداة تفكيك

يُبنى الكتاب على تقنية «المقارنة المتوازية» (juxtaposition) بين نصوص أدبية وذاتية عديدة تنتمى لسياقات ثقافية وزمنية متباعدة لا لجمع التشابهات، بل «لإبراز المسكوت عنه بشكل عابر للحدود» (ص36) فالمقارنة هنا أداة تفكيك وتعرية لا تصنيف وترتيب المقارنة بين سيمون دى بوفوار وفاطمة المرنيسى، أو بين عائشة التيمورية وإيلينا فيرانتى، لا تهدف إلى خلق تجانس، بل إلى إضاءة التباينات الطبقية، الثقافية، والدينية فى فهم الأمومة. فتجربة الأم البرجوازية فى باريس تختلف جذريًا عن تجربة الأم فى المغرب داخل بنية تقليدية متقاطعة مع الدين والسلطة الأبوية. فى هذا السياق، يمكن استحضار أعمال بيل هوكس، خاصة النظرية النسوية: من الهامش الى المركز

‏ Feminist Theory: From Margin to Center (1984)، التى تفضح مركزية النسوية البيضاء الغربية، وتدعو إلى تفكيك مفاهيم مثل الأمومة فى ضوء الطبقة، العرق، والاستعمار. كما تتقاطع أعمال أبو النجا مع قراءات شاندرا موهانتى فى كتابها تحت عيون الغرب Under Western Eyes (1988)، الذى ينتقد النزعة الاستشراقية فى تمثيل نساء الجنوب العالمى داخل النسوية الغربية فمقارنة دى بوفوار بـفاطمة المرنيسى، أو عائشة التيمورية بـإيلينا فيرانتى، تكشف كيف تختلف شروط الأمومة بحسب الطبقة، والسياق التاريخى، والاستعمار، والتحولات الجندرية وتوضح المؤلفة أن تجاوز الحدود الجندرية ليس تهديدًا للهوية بل «تلويث مقصود لنقائها» (ص42) فالخادمة فى منزل دى بوفوار، أو نساء الطبقة الدنيا عند المرنيسى، يمتلكن حريات قد تكون غائبة عن نساء الطبقة المتوسطة المحافظة. هكذا تتحول الأمومة إلى ممارسة جندرية وطبقية، وليست مجرد حالة وجدانية فى حالة المرنيسى، تُشكل الأمومة تقاطعًا بين السلطة الذكورية والخطاب الدينى، بينما تعيش دى بوفوار صراعها فى قلب بنية برجوازية كاثوليكية محافظة (ص60).

شهادات نسوية وتمثيلات شخصية
سرعان ما ينتقل الكتاب من التحليل النظرى إلى قراءة شهادات نسوية حميمة – شعرًا ورسائل وسيرًا – كما فى حوارية سارة عابدين ومروة أبو ضيف، أو تأملات إيمان مرسال وأليف شافاك تتكرّر الأسئلة الكبرى: كيف تكونين أما دون أن تفقدى ذاتك؟ هل يمكن للأمومة أن تكون مصدرًا للفهم لا للفقد؟ هل يمكن أن تحب الأم أطفالها من دون أن تملكهم؟ تؤكد أبو النجا أن الذات الكاتبة غالبًا ما تُغرقها الأمومة فلا تترك لها مساحة للتأمل أو الكتابة (ص73–82) فى تجربة مرسال، تصبح الصور الفوتوغرافية للطفولة وسيلة لاستعادة الأم الغائبة أو المختفية خلف ستار الأمان. فتقول أبو النجا عن صور الأطفال التى تختبئ أمهاتهم خلف ستار، إن هذه الصور تعيد تشكيل علاقة الأم بالغياب والحضور، بين «الستار الذى يمنح الأمان» و«الهوية التى لا تُرى» (ص85). أما فى أعمال شافاك، فتغدو الكتابة فعل التئام، يتجاوز جراح الأمومة الخاصة إلى جراح النساء فى المجتمع.

جسد الأم: من المقبرة إلى الأداة المعرفية
فى تحليل لرواية «دنيا زاد» لمى التلمسانى، يتجلى الجسد كموقع للمعرفة لكنه يتحول أيضًا إلى مقبرة، حيث يتحول فقد البنت إلى صدمة جسدية ومعرفية. كما تستدعى صورة جيسى فى مسرحية «تصبحين على خير يا أمى» حيث تنتحر الابنة للتخلص من استحواذ الأم تقول أبو النجا: «التشبث بالبنت هو أحد أشكال الأنانية» (ص95)، حيث تُفنى الأم ذاتها فى الابنة، وتمنع عنها الهواء قصة الشاعرة عائشة التيمورية التى فقدت ابنتها، فقامت بحرق أشعارها كقربان رمزى، يقابلها مشهد سرقة «ليدا» الدمية فى رواية فيرانتى، لتستعيد الأم ابنتيها المسروقتين فى الحالتين، الأمومة مشبعة بالذنب، والخسارة، والمحو الذاتى (ص123). كما تُذكرنا تأملات أبو النجا فى صور الأمهات الغائبات بأعمال ريغينا سيلفا، التى أرخت لتجربة «أمهات ساحة مايو» فى الأرجنتين – وهى حركة نسائية شكلتها أمهات المفقودين قسرًا أثناء الديكتاتورية العسكرية (1976-1983). رفضت هؤلاء النسوة اختزال الأمومة إلى حزن خاص، وحولنها إلى نضال سياسى جماعى، مما يعكس نموذجًا للأمومة المقاومة، والمناهضة للمؤسسات القمعية (ص123–166). ربما أكثر فصول الكتاب إثارة للجدل هو تحليله للأم الأبوية – تلك التى تُعيد إنتاج سلطة الأب وتحرس حدود النظام الأبوى فى قصة «فتاة» لجمايكا كينكيد، تتحول الأم إلى جلاد رمزى، توكل إليها السلطة الاجتماعية مهمّة الضبط الكامل لسلوك الابنة كذلك فى قصة نوال السعداوى «موت معالى الوزير سابقًا» (ص198)، فالأم هنا تنوب عن الأب فى فرض الضبط والسيطرة، بل تفوقه فى شدة الانضباط، حيث تصبح الأم أكثر قسوة من الأب ذاته.

الكتابة كجسر نحو التعددية والالتئام
كما ان الكتاب يرفض ثنائية الأم الملاك/الشيطان، ويقترح قراءة للأم كذات تتأثر بالواقع وتؤثر فيه، ككيان هش، متغير، يتصارع بين المحبة والتضحية، وبين الرغبة فى الامتلاك والقلق من الفقد. ترى أبو النجا أن الأمومة لا يجب أن تُؤطر فقط فى تمثيلات الأيقونة أو القديسة أو الشهيدة، بل كفعل يومى هش، يتخلله التوتر والندم، كما فى حالة عائشة التيمورية التى حرقت أشعارها بعد فقدان ابنتها. ولى الكتاب أهمية للسير الذاتية والشهادات النسوية التى تعيد صياغة الأمومة من موقع ذاتى هش. من شعر إيمان مرسال ورسائل مروة أبو ضيف، إلى روايات أليف شافاك وإيلينا فيرانتى، تُقرأ الأمومة كتجربة تمزق داخلى، لا كصورة متجانسة. فى The Lost Daughter (2006) لفيرانتى، مثلاً، تُروى تجربة أم تخلّت عن ابنتيها لتستعيد ذاتها الأكاديمية. هذا النموذج، الذى ينزع الهالة عن الأم، كان صادمًا لكثير من القرّاء، لكنّه يفتح بابًا لتحرير السرديات من القوالب الجاهزة.

خاتمة: الكتاب كوثيقة جندرية وثقافية
وفى النهاية لا تسعى أبو النجا إلى صياغة نموذج بديل «مثالى» للأم، بل تدعو إلى قراءة الأمومة كفعل يومى هش، متناقض، ومتعدد، يستوعب التجربة الفردية. وهى بذلك تُحرّر الأمومة من ثنائيات «القديسة/الشيطان»، وتُعيدها إلى الحقل المعقد للذات والجسد والسلطة والكتابة. فكما تقول: «العبرة ليست فى اختيار النصوص، بل فى كيفية قراءتها… أردت أن أزحزح حدود النموذج المعروف سلبًا أو إيجابًا، من أجل تناول نماذج قد تبدو عادية أحيانًا أو غير لافتة… لكنها تنهل من الواقع اليومى الذى نعيشه» (ص49). كما تُوجه أبو النجا نقدًا حادًا للنسوية الغربية البيضاء التى تفرض نماذجها المفاهيمية عن الأمومة على الجنوب، دون فهم لتقاطعات الدين، الاستعمار، الفقر، والقبلية. تؤكد أن الأمومة تتشكل دومًا ضمن “شبكة من القوى المتقاطعة”، وتتطلب تحليلاً تقاطعيًا عابرًا للحدود (ص238) وهنا نجد صدى لمشروع كيانجا-ياما تايلور وأنجيلا ديفيس فى مساءلة المؤسسات التى تحكم حياة الأمهات السود فى أميركا، وكذلك أعمال سبيفاك فى انتقاد «الحديث بالنيابة» عن نساء العالم الثالث. 

فى نهاية المطاف، يشكل «رحم العالم» نصًا معرفيًا مركّبًا، يفتح آفاقًا جديدة لفهم الأمومة لا كمفهوم معطى، بل كفضاء للكتابة، والتجريب، والمقاومة. إنه كتاب يتحدّى القارئ، ويدعوه إلى الإنصات إلى أصوات الأمهات المتكلمات، الهشات، والمتوترات… أى الأمهات الحقيقيات، لا الرموز. «رحم العالم» يُشبه ما سمته المؤلفة نفسها فى مقدمته “اقتحام جبل من المقدسات». 

«رحم العالم» هو بحق، واحد من أهم النصوص النسوية العربية الحديثة، ليس فقط فى محتواه، بل فى طريقته المركبة فى التفكير والنظر والمقارنة. الكتاب عمل نقدى يتسم بالشجاعة المعرفية، ويمنح الأمومة صوتًا لا كرمز ولا كأداة سلطة، بل كذات متكلمة، متعددة، ومتوترة. «رحم العالم» نص يجب أن يُقرأ ببطء، وتأمل، وربما… بامتنان أيضًا.