أحمد الزناتى
لا يمكن وصف الفيلسوف الكورى - الألمانى بيونج - تشول هان إلا بأنه صندوق مُغلق، حيث لا يُعرَف عن حياته الشخصية إلا أقل القليل، هذا بالإضافة إلى بعض المقابلات القليلة، التى يوافق أحيانًا على إجرائها على مضض وُلِد هان فى سيول عام 1959، وبدأ حياته المهنية فترة قصيرة فى مجال التعدين قبل أن ينتقل إلى ميونيخ فى الثمانينيات لدراسة اللاهوت، والأدب، والفلسفة وهو يعمل حاليًا أستاذًا للفلسفة والدراسات الثقافية فى جامعة الفنون (UdK) فى برلين.
ربما تكون عزلته المتعمدة، وعزوفه عن الأضواء هما ما أنقذاه من مصير الفيلسوف السلوفينى المرموق سلافوى جيجك، الذى تخلت عنه أوساط اليسار بعد أن استُهلِك على يد وسائل التواصل الاجتماعي، وابتُذِلَ بسبب كثرة ظهوره الإعلامى.
استُقبل هان بحفاوةٍ متحفظة، فالرجل صموت، مُحب للعزلة (وإن كنت أعزو ذلك إلى خلفيته الحضارية المتأثرة بالبوذية ومذهب الزن)، كما أنه رجل غزير الإنتاج (ينشر فى السنة الواحدة ثلاثة كتب أو أكثر فضلًا عن المقالات) وصفته صحيفة الجارديان بأنه «النجم الفكرى» للحركة الرومانسية الجديدة فى ألمانيا، بينما أبدت صحيفة لوس أنجلوس إعجابها بنقده العنيف لسيطرة النيوليبرالية على الفرد، ونقده الأعنف لإشاعة ثقافة الإباحية بوصفها حجبًا لكل شىء، وليست تعريةً لكل شىء.
والحقيقة أننى قبل كتابة هذه المادة طالعتُ عددًا من حوارته القليلة المنشورة، فاكتشفت أن صعوبة تصنيف هان أو توظيفه سياسيًا راجعة إلى طبيعة أفكاره نفسها، فالرجل لا ينتقد قضايا / شخصيات سياسية محددة، بل يقدم نقدًا شاملًا للثقافة الغربية الرقمية الحديثة باعتباره مفكّرًا هايدجرى الطابع كما يصف نفسه، وأقصد بــ (هيدجرى) – فى جانب من جوانب فكر هايديجير - اهتمامه بالكشف عن حقيقة الوجود الإنسانى، والتحذير من مخاطر التقنية، يهتم هان بتجربة الفرد والذات الإنسانية فى العالم الرقمى.
يقول هان فى أحد حواراته:
(نشهد اليوم تغيرًا جذريًا يتمثل من التحوِّل من عصر الأشياء إلى عصر اللا- أشياء؛ فلم تَعُد أشياء البيئة المحيطة هى التى تشكّل بيئتنا وتمنحها ثباتها، بل غدت المعلومات هى العنصر الحاكم والمهيمن لم نَعُد نعيش بين فى أحضان «الأرض والسماء»، بل صرنا نسكن عوالم افتراضية اسمها جوجل إيرث Google Earth و«السحابة الرقمية – iCloud» ، وأمسى العالم أكثر غموضًا وتجريدًا، أقرب إلى طيف شاحب، لا جوهر له، ولا ثقل، ولا ملمس ولا رائحة. يستحضر هذا المشهد فى ذهنى رواية «شرطة الذاكرة» للكاتبة اليابانية يوكو أوغاوا؛ هناك، فى جزيرة نائية لا اسم لها، تبدأ الأشياء بالاختفاء بصمت واحدًا تلو الآخر – أربطة الشَعْر، والقبعات، والطوابع، والورود، وحتى الطيور ومع ذهاب الأشياء تتلاشى الذكريات، كما لو أن الذاكرة لا تقوم إلا على ما يمكن لمسه والاحتفاظ به. ويغدو الناس أسرى شتاء دائم قوامه النسيان والفقدان، حتى تبدأ أجسادهم هى الأخرى فى التلاشي، لتبقى فى النهاية أصوات معلّقة فى الهواء، بلا أجساد، ولا موطىء قدم على أرض الواقع).
يلاحظ هان أن تطبيق فيسبوك يرفض إضافة زر «عدم الإعجاب»، لأن السلبية تُعيق التواصل الذى يُقاس بكمية المعلومات وسرعة تبادل المحتوى. فى مجتمع الإيجابية الشفاف، تُعد السلبية عدو «الريتش» – أى مدى الوصول – الذى يُشكل أساس الأرباح الاقتصادية للمنصات الرقمية. فالتعبير عن الإيجابية، بأزرار مثل «إعجاب» أو «حب»، أو «تعاطف» تحفز التفاعل وترضى الأنا، وتشبع رغبة المستخدم فى البحث عن الرضا اللحظى فى أعين الآخرين، ومن ثم تزيد تعلقه بالتطبيق محل الاستعمال.
على عكس زر «عدم الإعجاب» يتبنى فيسبوك زر «أغضبنى»، لأن الغضب، كما يُشير أومبرتو إيكو فى أكثر من لقاء مُذاع على يوتيوب فى حديثه عن رواية «مقبرة براج»، أكثر سخاءً وحرارةً، ويشمل البشر أجمعين، فعاطفة الكُرْه أشيع وأكثر انتشارًا بين البشر، وإن زعموا غير ذلك.
ولئن كان هان يرى السلبية عائقًا اقتصاديًا، فإن إيكو (مات سنة 2016) تنبَّأ كيف يحول الغضبُ الخلافات إلى تفاعلات مُنتجة، أو بتعبير اليوم تدر الأرباح؛ وهكذا فإن زر «أغضبني» يشعل العداوات الافتراضية بين أفراد قد يتحولون إلى أصدقاء على أرض الواقع (وهى فى الأغلب عداوات فى قضايا معقدة تفوق إداركهم، وحجم معرفتهم، ولا تتجاوز الأخبار المضروبة على التايم لاين، فالحقيقة بالغة القسوة، ولا يمكن لأغلب المجتمع أن يتحملها كما يذهب ليو شتراوس)، لكنه يحقق الغرض التجارى بزيادة التفاعل هكذا، تحول المنصات الرقمية العواطف الإنسانية إلى أدوات للربح، وهو فى الحقيقة موضع نقد هان العنيف فى كل أعماله تقريبًا.
يطرح هذا التحول من وجهة نظر هان تساؤلات أخلاقية عن كيفية استغلال المنصات الرقمية لطبائع البشر لتعميق الاستقطاب وتعزيز الأرباح على حساب العلاقات الحقيقية وفق هان لم تعد تأتى السيطرة على عقول الناس من منع الأشياء عنهم، بل من الإفراط فى الحرية، ووضع كل شيء بين أيديهم، ورهن إشارتهم، بداية من طلبات التسوق والطعام، وحجوزات الطيران والفنادق والمصايف، وصولًا إلى تطبيقات تقديم الخدمات الجنسية، التى تجلب الفتيات إلى المنازل فى المجتمعات الغربية وغيرها.
كتب أحد علماء الاجتماع الألمان المعاصرين ذات مرة (وسأتعرّض له مطوَّلاً فى مناقشة قادمة) إن الحصول على المجلات الإباحية قبل عشرين أو ثلاثين سنة كان يتطلب من المراهقين جهدًا، ومحاولات وسعيًا ومالًا، وإخفاءً عن أعين الوالدين، وهو ما كان يُضفى عليها فى أعينهم قيمة على الأقل، أما اليوم فصار استدعاء المواد الإباحية على الهاتف أسهل من طلب أوبر.
لم نعد نُمنع من أشياء، بل نُغرَى بعمل / قول كل شيء وأى شىء، أيًا ما كانت سذاجة الكلام، أو جهل صاحبه. وبدلًا من السيطرة عبر الرقابة المباشرة، تُمَارِس التقنيةُ سلطتها - التى حذَّر منها هايديجير قبل خمسين سنة - عبر تحفيزنا على مراقبة أنفسنا، من خلال أدوات مثل الهواتف الذكية، التى يشبهها هان بـ«مِسبحة علمانية»، لأنها تخدم غرض المراقبة الذاتية؛ إذ صار الإنسان الرقمى - فى تفسيرى لكلمته البليغة (مسبحة علمانية) - يُسبِّح بحمد هاتفه الذكى ويلهج بذكره، ويضرع لزيادة عدد (فانزاتى = Fans) بتعبير سيدات التيك توك الفضليات (ولن أنطق هنا حرف التاء شيناً). وهو ما حوَّل أغلبهم إلى عبيد من طراز عصرى؛ حتى إذا ضاع متابعوه / متابعوها على وسائل التواصل لسبب تقنى أو لأى سبب آخر، أحس أن نهايته أوشكت، وأن ساعته اقتربت.
وأضيف إلى كلام هان أن إنسان اليوم الرقمى صار مُراقبًا، مسلوب الإرادة، وإن كان يدعى كذبًا أنه حر، ويزعم أنه يقول ويكتب ما يشاء، بينما هو نَكِرَة، لا رأى له، ترس فى الآلة الكبيرة التى يزعم أنها يعارضها، يقول ويكتب ما يُمليه عليه الفضاء الأزرق وترينداته، مُقدِّم فقرات فى برنامج ما يطلبه المهرجون؛ كائن مسحوب من أصابعه، كما كان العبيد يُسحبون فى عهود الرِق من أعناقهم.
فى كتابه «مجتمع الإرهاق»، وله ترجمة عربية جيدة، يلاحظ هان أنَّ لكل عصر أمراضه المميزة، وأنَّ عصرنا لا يعيبه انتشار البكتيريا أو الفيروسات، بل شيوع أمراض عصبية مثل: الاكتئاب، واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، واضطراب الشخصية الحدية، ومتلازمة الإرهاق، والسبب معروف بالطبع.
لم يكن غريبًا علىَّ بعد أعماله الغزيرة فى نقد الحداثة والإنسان المُرقمن، ناهيك عما أطلق أنا عليه (حقبة الوثنية الرقمية)، فضلًا عن كتاب آخر مهم لعل ترجمته إلى العربية تصدر قريبًا بعون الله، أقول لم يكن غريبًا أن يكون كتاب هان الجديد الصادر فى شهر مايو الماضى بعنوان (حديث عن الله: حوار مع سيمون فايل).
يسلك بيونغ- تشول هان مسارًا تأمليًا غير مألوف، يزاوج فيه بين حسٍّ تأملى عميق وتواطؤ روحى خافت مع المفكرة والصوفية الفرنسية سيمون فايل (1909–1943)، التى لا يعرض أفكارها بقدر ما يصغى إلى صوتها ينبض فى داخله، كما لو أنها تقيم فيه وتتكلم من خلاله لا ينخرط هان هنا فى سجال نقدى أو عرض أطروحات مرجعية؛ بل يكتب من موقع من سُحِرَ بلقاءٍ فكرى جعله يعيد اكتشاف العالم، لا عبر الحجج الصارمة، بل عبر التجاوب الوجدانى، والتشابك التأملى، والانخطاف فى فكرةٍ تمسّ القلب والعقل معًا الموضوع الظاهرى للكتاب هو «الحديث عن الله»، غير أن المقاربة التى ينتهجها هان تبتعد عن محاولات التعريف والتحديد اللاهوتى المعتادة.
طَرْحُ هان لافت للأنظار، لأنه يربط أزمة الدين بنقص الانتباه عمومًا؛ لنقرأ ما كتبه هان عن الفصل الأهم فى اعتقادى بعنوان الانتباه (Aufmerksamkeit):
«ليست أزمة الدين فى زمننا ثمرة فقدان بعض المعتقدات لمصداقيتها، ولا هى ثمرة غياب الإيمان بالله، بل هى أزمة عميقة الجذور، بعيدة عن إدراكنا، لكنها السبب الكامن وراء انحسار حضور الله فى حياتنا ومن بين هذه الأسباب الهيكلية يبرز تدهور الانتباه، فالأزمة الدينية هى كذلك أزمة انتباه، أزمة رؤية وبصر وسمع لم يمت الإله كما قال نيتشه، بل مات الإنسان الذى تَجَلّى له الله ولم يعد قادرًا على رؤيته لقد صارت حواسنا تأكل بلا توقف، وصارت جائعة إلى حد الإفراط، تفتقد إلى سعة أفق تأملية تُثريها بالهدوء والصفاء أصبح الاستهلاك الموقف الأساسى الذى تستند إليه إدراكاتنا ومن ذلك ما تسمّيه الثقافة الحديثة بـ المشاهدة الهوسية، التى هى تعبير دقيق عن جشع النفس فى الأخذ والتلقّى وتعنى الإفراط فى التهام كل ما يقع تحت الأنظار، فتُغدَق حواسنا بما يشبه النفايات المعلوماتية، والضجيج البصرى والسمعى الذى لا يُحصى، حتى نتحول إلى ما يشبه الكائنات الاستهلاكية المتعطشة إدراكنا يزداد اندفاعًا، مدفوعًا بالإثارة والإدمان، مشغولًا فقط بالأكل، فلا يعود قادرًا على المشاهدة تتجلى أزمة الانتباه اليوم فى أننا نرغب فقط فى التهام كل شىء، بدل أن نمتلك القدرة على النظر والتأمل لا يحتاج الإدراك الجشع إلى انتباه، بل يلتهم دون توقف كل ما يُعرض عليه.
والنفس التى تصوم وحدها هى القادرة على أن تشاهد فعلاً فى الصيام، تبدأ النفس «الالتهام الذاتى» الذى يستهلك الأجزاء السفلى المتعطشة من ذاتها هذا الالتهام الذاتى للنفس هو وحده ما يُنقذنا ويهدينا إلى الله، لأن الجزء الأزلى من النفس يتغذى بالجوع. عندما تمتنع عن الأكل، يهضم الجسم لحم نفسه ويحوّله إلى طاقة، والنفس تفعل مثل ذلك النفس التى لا تأكل تهضم الجزء الزائل منها وتحوله جوع النفس قاسٍ، لكنه الدواء الوحيد للمرض أن تجعل الجزء الفانى من نفسك يموت جوعًا وهو حىّ، هكذا يصل الجسد الحىّ مباشرة إلى طاعة الله أما النفس التى تأكل بلا توقف ولا تشاهد، فتفقد قدرتها التأملية بدل الالتهام الذاتى، تصاب بالسمنة الروحية. الجزء الطبيعى الفانى المسؤول عن الأكل يتضخم ويزداد ثقلًا، بينما الجزء الإلهى يتلاشى ويذبل. الانتباه التأملى هو الجوهر الذى يُمكّن من المشاهدة. إنه النظر إلى الأشياء من دون محاولة امتلاكها أو ابتلاعها.

والحقيقة أنّنى بعد قراءة هذه الفقرة لم أعد أعرف هل بيونغ شول هان هو من يتكلَّم أَمْ حجة الإسلام الإمام الغزالى فى (أيها الولد) و(كيمياء السعادة)، ويبدو أن الاثنين يصدران من مشكاةٍ واحدة.
فى هذا السياق، يُصبح الوعى بالله نقيضًا للموضوعات التى تحتكر وعينا المعاصر: الأخبار المتدفقة، الترفيه الرقمي، وسائل التواصل، الاستهلاك المتسارع. وهى فكرة عرفانية خالصة: (اتركْ نفسكَ وتعالَ، أو أريدُ ألا أريد فى قول البسطامى، وغيره).
يتتبع هان عبر هذا التأمل، سلسلة من التحولات الوجودية التى تقرب الإنسان من الله، أو تبعده عنه. فيراه يُبتلى بالغربة عن المقدّس حين يستغرق فى «الأنا» النهمة الراغبة فى امتلاك كل شيئ، التى تستهلك العالم استهلاكًا شرهًا وتحوّله إلى موضوع لمتعها، فتنمو لديه ما يسميه هان «سِمنة / تُخمة الروح» – تلك الحالة التى يُصاب فيها الإنسان بانغلاقٍ وجودى نتيجة فرط الالتهام الحسى والمعلوماتى. هذا النمط من الإدراك، الذى يبحث دومًا عن الإثارة، لا يُبقى على مسافة تبصر، بل ينقض على الأشياء كما ينقض المستهلك على السلعة. ويُعزز هذه الجفوة الروحية أيضًا، حسب هان، وهم الخيال الذى يكسو العالم بأهوائنا، والذكاء الذى يُختَزل إلى حسابٍ وعدّ (ربما يقصد عدِّ الـمتابعين، والأرباح، إلخ..). فإنسان اليوم لم يعد يرى إلا الكمَّ ويتغافل عن الكيف، مدللًا على ذلك بتفشى الإباحية، التى حولت نظر الإنسان المعاصر عن الجنس كغريزة فطرية ، أو بتعبير هان نفسه: الجنس من حيث هو بركة الحياة، وحرّضته على رؤية الإباحية على أنها شكل أداتى عادى وواجب التعميم، يرى فى امتهان جسد المرأة شيئًا عاديًا، وأداة لجلب المال، ووسيلة للحط من شأن عاطفة الحب.
مرة أخرى أقول: هذه الأمراض أصولها نابعة من بنية حضارتنا الرقمية، حيث تُقاس القِيَم بالأرباح، ويُختزل الإنسان إلى وظيفة وأداة فى هذا الكتاب الموجز يرسم هان ملامح طريق مضاد: طريقٌ يبدأ من انتباه غير نفعى، لا يحكم ولا يشتهى، إنما يصبر على الحياة ويُصغى إلى آيات الله، التى لا تنهى أبدًا.
وهو طريق قوامه الفراغ (ولو شئت لأسميته التخلِّى بتعبير الصوفية المسلمين)، ليس كنزعة عدمية، بل بوصف الفراغ فسحة يُكتَشَف فيها ما هو أعظم من الإنسان المادى. يطالب هان إنسان اليوم المُرقمَن بالصمت والصمت هنا ليس غيابًا للكلام، بل امتناع عن الضجيج الذى تنتجه الذات/الأنا لإرضاء غرورها ويصل هان، من خلال تأمّل أفكار سيمون فايل، إلى دعوة أخرى عميقة الأثر: ضرورة «شَعرنة العمل»، أى إضفاء الصبغة الشاعرية الرهيفة على كل فعل ذلك أن العمل (وهو يُطلق الكلمة Arbeit على إطلاقها، ويقصد بها -فى تأويلى الشخصى - العمل الإنسانى اليومي، والفعل الدينى الطقسىّ سواءً بسواء) إذا خلا من البعد الرمزى، ومن توقير الشعائر، يصير عبودية. ويقول نصَّا:»ينبغى أن يُعاد إدراج عمل الإنسان فى نسيج المعنى، أن تُعاد صلته بالأعياد الدينية، وأن يُوشِّى حياته بالرمز»، وربما يتقاطع الرجلُ هنا مع أفكار كارل جوستاف يونج حول أهمية الالتفات إلى رمزية الطقوس الدينية فى الأديان السماوية الثلاثة، وأنَّ الرمزية تكاد تساوى قيمة الفعل الدينى نفسه.
نقطة أخيرة أحبُّ الإشارة إليها؛ لا ريب أن هناك من سيعيدون، بعد قراءة هذا الكتاب، تكرار انتقاداتهم المعتادة لهان: تشاؤم، غياب الصرامة التحليلية، وأن مقالاته المُطوّلة ليست سوى انطباعات تأملية أو فلسفية محضة تخلو من تحليل علمى منهجى رصين. المفارقة أن هذه الانتقادات قد تُظهر صحة ما يذهب إليه هان نفسه؛ أن وعينا الحديث بات أسيرًا لنمط معرفى مقولب لا يعرف كيف يُنصت.
من بين كلمات هان الأثيرة عندى: أن أول خطوة فى طريق أفول الفلسفة وانحطاطها هو الزعم أنها علم. والفلسفة الأكاديمية التى تنحصر وظيفتها فى تلقين الدروس والمحاضرات تمسى عاجزة عن التأمل.
لا يكتب هان ليقنع القارئ، بل ليشاركه ما يؤرق باله، وحواره مع سيمون فايل، لا ينشد الانتصار فى مسألة جدلية، بل ينشد الاقتراب من الحقيقة. وما من طريق إلى الله، إلا عبر هذا الإصغاء الشاق، وهذه المجاهدة الهادئة، التى لا تعِد بشيء – لكنها قد تُنير كل شىء.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







