نِصفُ ضريبة

أخبار الأدب
أخبار الأدب


> سارة أبو العز

بالبعضٍ القليل الذى حُكِى أمامها -لا له ا- وبالبعض الأقل الذى استطاعت ذاكرتها الاحتفاظ به، كتَبَتْ:

كانت تسهر الليل تُعِّد بعضًا من طعام الغد وتُرَّتِب بعضًا من أولويات نهارِه، وببراءة وجهٍ لا تختلف عن براءة الطفلة التى تحتويها أحشاؤها، كانت تستيقظ صباحًا لتمارس مَخاضًا وتستعد لآخر - تُمارِس مخاض الثانوية العامّة وتستعد لمخاض الولادة- كانت تَوَّدُ أن تطوى جدران بيتها معها لكن حقيبتها لم تكن تتسع! 

فإذْ بها ووزنها لم يتعدَ الخمسين تحمل الكتب والجنين وتجرى بهما وهى تغرق عرقًا من رأسها حتى أخمص قدميّها لاستكمال الطعام لأن موعد الغداء على وشك البدء.

كانت تبكى مرتيّن أثناء الامتحان لو فقدت سؤالاً صعبًا؛ مرةً لأنه كان صعبًا، ومرةً لأنها تلَّقَت ركلة من الجنين الذى لم يكن بمزاجٍ جيدٍ وقتها!

استقبلت هى ومولودها الأول نتيجة الثانوية العامة؛ فرح الاثنان دون علمٍ بالذى سيلقيانِه فيما بعد. وفى أولى أيام الجامعة - لهما - وبعد أن استراحت أحشاؤها من حمل الجنين؛ توَّلَى مرفقاها المهمة.

كل شىءٍ قد اختلف؛ حتى الليل الذى كانت تقضيه بين إعداد للطعام والمذاكرة، حَلَّ عليه ضيفٌ جديدٌ صغيرٌ يبكى ويتركها تكتشف سبب بكائه وبكائها!

دفعت البطن الطفلة من ظلامها؛ ليلتقطها ظلامٌ من نوعٍ آخر، ظلامٌ باردٌ برائحة البشر، وحولها أكياس مليئة بالمُقبِّلات والحلوى التى جاءتها هدية من زميلات الأم، لم يلفت نظر الطفلة لمعان الأكياس، فالخوف الذى كانت تشعر به فى معدتها لم يهدأ؛ حتى اكتشفت أنَّ هٰذا الفراغ لم يكن جوعًا، كان حاجةً للاطمئنان بأنَّ ساقى الأم موجودتان من بين تلك السيقان الكثيرة!

لم يكن أمام الأم شىءٌ تفعله تجنبًا لتكرار التنبيهات والتحذيرات بعدم اصطحاب الأطفال للجامعة إلاَّ أنْ خبئت طفلتها تحت الطاولة، وتحوَّلت ساق الأمان لعباءة ظلام، لكن الطفلة كان لها رأى آخر؛ أرادت خرق القوانين وهى فى عقدِها الأول، وكأنها كانت تشعر أنها ستعجز عن فعل ذلك عندما تكبر!

صرخت الطفلة صرخةً مدويةً سمعها كل مَن فى القاعة؛ اضطرت الأم للانصراف بالطفلة وهى تتعثر فى حُمرة خجلها ومن هنا بدأت الأم فى دفع نصف الضريبة الأول؛ حيث قررت ترك الطفلة فى بيت جدها، وكان للطفلة فى كل بيتٍ حوله أخٌ أو أختٌ فى الرضاعة لم تتحمل الأم غيابًا أكثر مما مضى؛ فعادت لاصطحاب الطفلة معها للجامعة، وعلى نفس الغرار؛ لم يتحمل الجد كوّنهما وحدهما فكان يذهب معهما وينتظرهما أمام البوابة، ظلَّ هكذا فى المحاضرات النظرية، والتدريبات العملية، وفى الامتحانات، الأم فى اللجنة تُمتَحَن وكأن بشمالِها غرسًا ترجوه ينمو سويًا، وبيمينها عِلمٌ تودُّ أن تَسقى به الغرسَ!

اجتازت الأم والطفلة المرحلة الجامعية، وكانت على وشك دفع النصف الآخر من الضريبة فى مكان العمل، لكنها نَجَت بطفليِّها وقررت أنَّ تبقى معهما.

مرَّت الأيام، أكلت الطفلة فكبرت، وتآكلت فنَضَجَت، داست على خطوات سيّر أمها وذهبت للجامعة، تزوجت وأنجبت ثُمَّ كَتَبت هذا المقال، بعد أن دخلت فى نفس التجربة مع اختلاف عنصرى الزمان والمكان.

المعاناة شىءٌ، وتجسيدها وخوضها شىءٌ آخر؛ قد تظن أنَّ لبن الأم واحدٌ حتى يكون مصدره أمًا غير الأم، وقد تظنُ أنَّ الهواءَ واحدٌ حتى تتنفسه بعيدًا عن الأم، وقد تظن أنَّ الدمعَ واحدٌ حتى يُذرَف من الداخل فى غير وجود الأم!