> أمينة حسن
مشهد 1
أستيقظ متأخرة، أعدت تأجيل رنات المنبه لعدة مرات، لا أعرف كم الساعة الآن؟ أخرج مندفعة من الغرفة للحاق بموعد ذهاب الصغار للمدرسة، علىَّ أن أوقظهم سريعًا، ثم أعد الإفطار، أتأكد أنهم أخذوا طعامهم وارتدوا ملابسهم قبل أن تتصل مشرفة الأتوبيس المدرسى، أتوجه إلى غرفتهم أولًا، لكن الأنوار مضاءة والأطفال مستيقظون، وارتدوا بالفعل معظم ملابسهم، حين أسألهم مَن أيقظهم لا يجيبون، أتوجه إلى المطبخ فأجد وجباتهم جاهزة متروكة على طاولة المطبخ! لا أجد هاتفى، يبدأون فى التحرك للخروج، لا أحد منهم يجيبنى كيف عرفوا بقدوم سيارة المدرسة، ولا حتى يستجيبون لمحاولتى توديعهم.
مشهد 2
ضربات المنبه توقظنى من نوم مزدحم شديد الوطأة، أحاول التسويف مرات كثيرة، لكن فى النهاية أضطر للقيام شبه نائمة، أتحرك كزومبى فقد روحه، بآلية كاملة أتوجه إلى حجرة الأطفال لأوقظهم، لا أكترث إن استجابوا أم لا، أتوجه للمطبخ، أخرج الخبز المجمد، ألقيه فى فم الميكروويف ربما يستطيع أن يوقظه من تجمده، أحشوه بأنواع الأجبان المعتادة، أغلف لكل منهم حصته، وأتركها هناك على الطاولة، أجرجر إفطاره مثقلة، وأضعه على الكومود بجوار فراشه، إتماما لفروض الولاء، أتحرك ثانية إلى غرفتهم أتاكد من تمام استيقاظهم، أذكرهم بأخذ طعامهم، ثم أعدو أخيرًا لغرفتى، أستسلم لنوم آخر ثقيل.
مشهد 3
ليلة باردة، أسمع صوت الرياح يصفر فى أذنى، أنظر للأسفل، المسافة حتى الأرض بعيدة جدًا، أجلس فوق حافة السور الحجرية، معلقة بين الوقوع وبين النجاة، أفكر فى النزول إلى سطح المبنى الآمن من خلفى، لكننى أتشبث تمامًا بالسور، خوفًا من أى حركة غير محسوبة قد تؤدى إلى اختلال توازنى وسقوطى بسرعة للأسفل، لدىَّ رهاب حاد من الأماكن المرتفعة، مع جُملة من أنواع أخرى من الرهاب لا تعنينى الآن.
مشهد 4
أنفاس لاهثة، صوت أذان الظهر، ضوضاء الباعة والسيارات فى الشارع، توقظنى من حلم ثقيل لا أذكره تمامًا، أحاول التقاط أنفاسى، يجب أن أستيقظ لأنهى بعض الأعمال المنزلية الضرورية، حين يعود الجميع، يجب أن يجدوا البيت مرتبًا إلى حد ما، ويتناولن وجبة دافئة، أشعر بثقل جسدى الملقى على الفراش، وكأننى أزن جبلًا من الحجارة، هل النوم لبضع دقائق أخرى سيحسن الأمر قليلًا، لا يبدو أننى أستطيع النهوض.
مشهد 5
لا بد أن الوقت قد تجاوز الظهيرة بكثير، أحاول القيام، أنظر إلى جسدى الممدد على الفراش فلا أجد شيئًا، لا أجد هاتفى أيضًا، لا أعرف كم الساعة الآن، أتحرك من الغرفة أسمع صوتًا فى المطبخ، أجدها هناك تعد الطعام، أنظر إلى طاولة المطبخ أجد أكياسًا كثيرة من المعلبات والمخبوزات وزجاجة كبيرة من المياه الغازية، لا أذكر أنى تناولت أى طعام اليوم، فقط أشعر ببطء شديد فى نبضات القلب أعود للفراش ثانية.
مشهد 6
يجب أن أنهى كل شىء قبل وصولهم، لكننى بالكاد أستطيع الحركة، فى محاولة لإقناع نفسى بقدرتى على إتمامها، أحسب الأعمال الضرورية المطلوب إنهاؤها، أقسمها بشكل منفصل بترتيب الأولوية، وأعيد تقسيم كل منها لمهام جزئية صغيرة، أمنح نفسى بعض الدقائق من الراحة فيما بينها.
مشهد 7
أستيقظ على صوت الهاتف اللاسلكى يرن، أتوجه إليه، لكنها لا تجيب على الاتصال، بل تسارع بإغلاق هاتفها المحمول أيضًا، لا أحد يتصل فى مثل هذا الوقت غير أمى!
مشهد 8
أسمع صوت هاتف المنزل اللاسلكى يرن فلا أجيب. أعرف من يتصل الآن، ربما أجيب لاحقًا، إذا امتلكت بعض من الطاقة بعد أن أنهى كل شىء.
مشهد 9
قبل موعد وصول الصغار تجلس فى غرفتها على الأرض تشغل التلفاز على فيلم أجنبى، النوافذ مغلقة والأنوار كذلك، فقط أشعة الضوء الأزرق الخارج من التلفاز تمكنها من تبين ما يحيطها، تضع ما تبقى من أكياس المقرمشات والمخبوزات وزجاجة المياه الغازية الضخمة، تلوك كل شىء فى صمت، لا أشعر أبدًا بأى طعم لما تصر على تناوله وحدها من أطعمة، رغم أن كلها من المفضلة لدىَّ!
مشهد 10
أشعر بجوع شديد، لا زال هناك بعض الوقت. يمكننى تناول وجبة خفيفة أخرى قبل أن يصلوا.
مشهد 11
نبضات القلب متسارعة جدًا، لا يزال اليوم طويل، على ارتداء القناع بعد قليل، احتاج لجرعة من الكافيين، يمنح وجوده شىء من القوة الزائفة.
مشهد 12
أفتح هاتفى، ستتصل مشرفة الباص قريبًا، حين يصل الصغار يجب أن أرسم ابتسامة ما على وجهى، أحضر لهم الطعام، وأتابع واجباتهم المدرسية، أريد أن ينتهى هذا اليوم سريعًا، أحتاج إلى النوم. أعد كوبًا من القهوة.
مشهد 13
حين يأتى الصغار، يداعبونها فى رفق نبتسم أخيرًا، يمكننى أن أشعر بتلك الأحضان السريعة الدافئة، كما يمكننى أن أرى جسدى يتبعنى أخيرًا حين أتحرك حولهم.
مشهد 14
يمكننى تحمل تذمرهم المستمر من ثقل الواجبات المدرسية، ومساوماتهم الدائمة لمشاهدة بعض الرسوم المتحركة قبل النوم، ابتساماتهم البريئة تعنى لى أكثر مما يظنون.
مشهد 15
تقلب فى الهاتف حتى ساعة متأخرة، تتجنب فتح محادثات الصديقات اللاتى يحاولن الاطمئنان، رغم أنها تشعر بوحدة شديدة، تخشى أن تتطور أى محادثة إلى أسئلة، أو إلى مكالمة هاتفية أو الأسوأ من ذلك كله إلى موعد للقاء. لم تعد لديها طاقة لاختلاق أعذار وهمية قابلة للتصديق تعفيها من الخروج، دون أن قلق الأصدقاء يجب أن تبدو فى حال جيدة فقط مشغولة بشىء ما. لماذا لا أستطيع أن أطفئ ذلك اليوم!
مشهد 16
أتابع محادثاتهم من بعيد، لا قوة بى للتحدث، لن أتحمل أيه أسئلة فليس لدىَّ أية أجابات، أقدر تواجد البعض، لكن فقط ليس الآن. لا ضير من الغياب لبعض الوقت. ينشغل الجميع أليس كذلك! انتهى اليوم أخيرًا، لماذا أجد صعوبة فى النوم!
مشهد 17
منذ أن فقدت اتصالى بها، اتفقنا دون تصريح أن نتجنب الخروج من البيت، كما نتجنب التواصل مع الآخرين، التعرض لأشعة الشمس والضوضاء.
استيقظ فى الأيام التالية لأجدها تعد الوجبات الصباحية، فأكتفى بانتظارها فى الفراش. حيث سنلتقى لا محالة.
مشهد 18
الاستيقاظ هو أقصى عقاب فى اليوم. يمكننى التظاهر بالابتسام، تلبية الاحتياجات الضرورية، وحتى النزول للشارع للضرورة، لكن يبقى الاستيقاظ هو العقبة الرئيسة فى اليوم.
مشهد 19
يداى مقيدتان من الخلف أسقط فى مياه عميقة، أنزل إلى الأسفل ببطء، ويبتعد الضوء بالتدريج.
يصعب الخروج من ذلك الحلم المزعج، أخاف أن أفتح عينىَّ فأرى تلك المياه تحيط بى من كل جانب، فأغيب فى ظلمتى ثانية.
مشهد 20
أستيقظ دومًا بألم شديد فى الرأس- كأنها تنشق إلى نصفين حرفيًا لا مجازًا- وتسارع فى ضربات القلب، لكنى أقوم مضطرة للحفاظ على القدر الأدنى من الحياة، تجنبًا لأية مشاكل إضافية.
مشهد 21
مخزون الوجبات السرية قارب على النفاذ، أحتاج للنزول لشراء المزيد، أضع على جسدى أسهل ما يمكن ارتداؤه، قبل الخروج أنظر إلى المرآة فى تعجب، من أنا؟ وجه شاحب وجسد ممتلئ، من هذه التى أرى انعكاسها على إنه يمثلنى!
مشهد 22
يمكننى الآن أن أمد يدى فألمس وجهى، أخيرًا تنعكس صورة الأصابع على وجنتى فى المرآة، تنظر هى إلى عينى نظرة ثابتة فأرتعد، أعتقد أنها ترانى! تثبت نظرها علىَّ، وتسألنى مَن أنتِ! وماذا أصبحنا الآن؟ لا أعرف بمَ أجيبها فأنا حتى الآن لا زلت أبحث عن معنى لذلك كله.
لمدة من الوقت خارج إطار الزمن المحسوب، تنظر كل واحدة منا إلى الأخرى، نتبادل أسئلة لا نهائية فى صمت.
كيف يمكننا أن نستمر فى الحياة هكذا!
تكتب هى دومًا عن شعور قاس بالوحدة، أما أنا فلم أعد أشعر بأى شىء تفعله من دونى.
بعد تلك المرة صرنا نتجنب النظر فى المرآة.
مشهد 23
فى الأيام التالية اتخذت قرارًا بعدم جدوى الاستيقاظ، تذهب هى وحدها تمامًا لتفعل ما يجب أن تفعله، ثم تعود لتجدنى كما أنا فى الفراش. تأتينى مستسلمة تمامًا.
مشهد 24
يداى ما زالتا مكبلتين خلف ظهرى، المياه عميقة جدًا وباردة، أنزل بسرعة أكبر هذه المرة، حتى أكاد ألمس قاع البحر، الضوء يبتعد تدريجيًا، وكل ما حولى يزداد إظلاما
مشهد 25
تمر أيام أخرى.
تجيد هى الابتسام الزائف للتهرب من الآخرين، لم يلحظ أحد أى شىء! حتى أمى، وصديقتى المقربة التى تحب الحكى.
مشهد 26
اليوم يرتطم جسدى بشىء صلب وحاد، أنظر حولى، لقد ارتطمت بالقاع، ضوء الشمس ينسحب راحلًا، ليتركنى فى ظلمة باردة، أغمض عينىَّ فى استسلام كامل للغرق، لا أعرف كم بقيت هنا.
ألم شديد فى عينى يجبرنى على أن أفتحهما قليلًا، أجد شعاع الشمس قد عاد ليوقظنى، أفتحهما عن آخرهما، أجد القيد مازال يحاصر يدى، فأحاول أن أحررها.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







