مصباح القلب |من المجموعة القصصية الفائزة بجائزة بوكر الدولية لعام 2025

بانو مشتاق
بانو مشتاق


بانو مشتاق 

ترجمة: بسمة ناجى


ما إن أزاحت مِهرون الباب الموارَب، ودخلت على والدها، الذى كان مستلقيًا على تختِه فى صالة بيتهم، وشقيقها الأكبر، الذى كان يُناقشه بصوتٍ خافت، حتى أوقفا الحديث وتطلعا نحوها وبمجرد اندفاع ابنة أخيها ربيعة راكضةً من الداخل مُعلنةً: "جاءت عمَّتى مِهرون.. جاءت عمَّتى مِهرون"، حتى خرج أمان، ثانى أكبر أخويها، ووالد ربيعة، من غرفته، ورغوة صابون الحلاقة تغطى ذقنه، والفرشاة لا تزال فى يده، ووقف فى الصالة ينظر إليها كأنه لا يُصدق عينيه. أما شقيقها الأكبر، أثيغى، الذى كان يُعلّم الأطفال القرآن الكريم بالترتيل، فقد خرج إلى الصالة أيضًا ليُحدّق فيها، غافلًا عن السِراجو، طرف ساريها المُنسدل على رأسها. وقفت والدتها، ممسكةً المسبحة بيديها النحيلتين، مصدومةً، وكأنها تسأل: "هل هذا حقيقى؟ هل هذا حقيقى؟" اختلست شقيقتاها الصُغرَيان، ريحانة وصبيحة، النظر من خلف باب المطبخ، غير منتبهتين لاحتراق أرغفة خبز الشباتى التى تعدانها فى المطبخ على التاوا. لحسن الحظ، لم يكن شقيقها الأصغر عاطف فى المنزل.

تجمد المنزل بأكمله للحظةٍ بدت لها غريبة لم تنادِها والدتها التى حملتها فى بطنها تسعة أشهر وربتها: «ها قد وصلتِ! ادخلى يا عزيزتى»، ولم يبتسم والدها ابتسامة ترحيب خفيفة، وهو الذى كان يسعد بابنته الصغيرة التى تقفز على صدره العريض؛ لم يُرحّب بها شقيقها الأكبر، الذى كان يُناديها بفخر «يا ملاكى»، ولا أمان، الذى أصرّ على إرسالها إلى الكلية حدقت بها زوجاتهم كأنها هبطت عليهم من كوكب آخر.

انفطر قلب مِهرون. لم يُفِق الجميع من ذهولهم إلا عندما أطلقت الرضيعة ذات التسعة أشهر بين ذراعيها صرخة حادة. سألها أخوها الأكبر: «أين عِنايت؟»

خفضت رأسها كأنها ارتكبت جريمة، وأجابت: «إنه ليس فى المدينة».

«مع من أتيتِ إذًا؟»

«جئتُ وحدى».

«وحدك؟» تصاعدت جوقة الأصوات من حولها وهى تقف عند العتبة.

«فاروق، أدخِلها إلى هنا» ما إن صدرت تعليمات أخيها الأكبر، حتى دخلت مِهرون، خطواتها ثقيلة ومتذبذبة كأنها تلِجُ قاعة محكمة بدأت طفلتها بالصراخ، ودون أن تخلع البرقع الذى يغطى جسدها بالكامل، رفعت نقابها، وجلست على طرف تخت والدها، وألقمت ثديها لفم الطفلة لم تكن قد غسلت وجهها بدأت تشعر بحرقة فى معدتها بينما كانت الطفلة تواصل الرضاعة. لم تأكل منذ الليلة السابقة. باستثناء والدتها، لم يُسمَح لأية امرأة بحضور هذا الاجتماع.

« مِهير، هل أخبرتِ أحدًا فى البيت قبل مجيئكِ؟»

«لا.»

«لماذا؟ لماذا لم تخبريهم قبل المغادرة؟ قررتِ أن تفضحينا؟»

«ومن سأخبِر؟ من هناك؟ مَر أسبوع منذ عودته الأخيرة إلى المنزل - لم يخبرنى حتى إلى أين هو ذاهب. كتبتُ إليكم جميعًا، لكنكم لم تردوا، لم تهتموا إن كنتُ ميتة أم حية».


«كتبتِ أن زوجكِ سافر مع ممرضة. وتريدين أن نصدق ذلك؟»

«إذا لم تصدقونى، كان عليكم أن تأتوا إلى للسؤال. أعرف أشخاصًا رأوهم معًا».

«وماذا نفعل بعد أن نأتى ونراه؟ لنفترض أننا أمسكنا به وسألناه عن الأمر، فقال: نعم، هذا صحيح؛ ماذا سنفعل حينها؟ هل نرفع دعوى إلى المسجد؟ سيقول: لقد أخطأتُ، سأجعلها تعتنق الإسلام ثم أتزوجها. حينها ستكون ضرَّتك. ولنقُل أننا وبخناه أكثر. ماذا سنفعل إذا قال: لا أريد مِهرون، سأطلقها؟»

حينها، انفلت بكاء مِهرون. نقلت طفلتها إلى الثدى الآخر وواصلت إرضاعها، ثم سحبت السِراجو من تحت برقعها ومسحت عينيها وأنفها. عمَّ صمتٌ لحظى.

«هذا يعنى أنكم جميعًا لستم على استعداد لفعل أى شىء، أليس كذلك؟» لم يتكلم أحد تابعَت «لقد ركعتُ عند أقدامكم، قائلةً إنى لا أريد الزواج. هل استمعتم؟ قلتُ: سأرتدى البرقع وألتحق بالجامعة. توسلت إليكم ألا تُجبرونى على التوقف عن الدراسة لم يستمع إلىَّ أحد منكم. العديد من زميلاتى فى الدراسة غير متزوجات، وأصبحتُ أنا امرأةً عجوزًا. أحمل عبء خمسة أطفال. يدور أباهم على هواه، ولا حياة لى. عندما يرتكب رجلٌ هذه الكبائر، ألا يستطيع أحدٌ منكم أن يسأله لماذا يفعل هذا؟



«كفى يا مِهير، كفى». أغمضت والدتها عينيها وهزت رأسها.

«أجل يا أمى. أنا أيضًا اكتفيتُ. فى البداية كان الناس يتهامسون، ثم أتى من رآهما معًا فى المسرح والفنادق وأخبرونى مباشرةً. ثم تجرأ وبدأ بالذهاب إلى منزلها. وبعد أن وبخه الجميع، ذهب إلى بنغالورو، وأنفق آلاف الروبيات، ونقلها إلى هناك. والآن يعيشان معًا منذ ثمانية أيام. إلى متى سأتحمّل هذا؟ كيف أعيش؟».

«اصبرى يا ابنتى. حاولى استعادته بالحب».

«أمى، أليس لدىَّ قلب؟ أليس لى مشاعر؟ ما عاد فى القلب موضع لاحترامه، بعدما اختار الرحيل هكذا». يمتلئ جسدى بالاشمئزاز حين أراه. حبه فكرة بعيدة المنال. الأمر لا يتعلق بتطليقه لى – سأطلب منه الطلاق على أية حال. لن أعود إلى ذلك البيت».

«مِهير، ماذا تقولين؟ هذا أكثر من أن يُحتمل إنه رجل، وقد خاض فى بعض الوحل، لكنه سيغسله حين يجد الماء ثم يعود. لن يعلق به أى دنس».

قبل أن تتمكن من الرد، قاطعها أمان قائلًا: «انظروا كيف تتصرف أمامنا. لا بد أنها تحدثت إليه بنفس الطريقة. ولهذا غضب وغادر». توقف قليلًا وخفف من حدة نبرته. «لا بد أن تتعلم زوجات أبناء هذا المنزل هذه الطريقة، أليس كذلك؟» تحول حزن مِهرون سريعًا إلى غضب ثم إلى خيبة.

«تُجيدَ الجدال يا آنا حفظك الله صحيح: أنا المُذنبة لقد عرفتُ سوء طبعى لم أخرج بدون برقع. طلب ​​منى خلعه، وأن أرتدى السارى تحت سرتى، وأتبختر ممسكةً بيده.
لكنك غطيتنى بالبرقع وربيتنى حتى لا أدع سِراجو السارى ينزلق من رأسى، أليس كذلك؟ أشعر بالعار إذا خلعته الآن. لقد ملأتنى خوفًا من الله لم أرضَ بما أراده، فوجد لنفسه أخرى تسايره فى كل ما يشتهى. والآن أنتم جميعًا تخشون أن أصبح عبئًا عليكم إذا تركنى - ولهذا تطلبون منى أن أتحمل لكن هذا صار مستحيلًا. لن أحترق فى ذلك الجحيم، سآخذ أطفالى وأصيرُ عاملة نظافة فى أى مكان. لن أكون عبئًا عليكم، لن أكون عبئًا على الإطلاق».

«ومتى أثقلت الفاكهة نبتتها يا مِيهر؟ لا تقولى كلامًا فارغاً»، احتجت والدتها.

«أمى، خذيها إلى الداخل وأطعميها»، قالها أخوها الأكبر بجدية. «سنغادر إلى تشيكماغالور خلال عشر دقائق. إن وُجدت حافلة، سنستقلها. وإن لم نجد، سنستقل سيارة أجرة. لا يمكننا مجاراتها فى هذا».

«لن أشرب قطرة ماء فى هذا المنزل. ولن أذهب إلى تشيكماغالور. إن أخذتمونى إلى هناك بالقوة، أعدكم بأن أحرق نفسى».

«هذا لا يُطاق يا مِيهر من يُريد الموت لا يتجول ويتحدث عنه لو كنتِ تحرصين على شرف هذه العائلة، لفعلتِ ذلك بدلًا من المجىء إلى هنا. البيت الذى تذهبين إليه بزفة عرسك هو البيت الذى تخرج منه جنازتك هذه حياة المرأة الفاضلة. ابنتك فى المدرسة الثانوية؛ وأُختَيكِ الأصغر فى سن الزواج خطأ واحد منك يدمر مستقبلهن تطلبين منا الاستماع إلى كلماتكِ الطفولية، وأن نذهب للتشاجر مع زوجكِ! لدينا زوجاتٍ وأطفال لذا ادخلى وتناولى شيئًا» ثم التفتَ سريعًا نحو أخيه، ثم عاد ليواجهها بنظراته.

«أمان، اركض واطلب سيارة. وأنتِ يا ميهر، إذا سألكِ أبنائكِ أو الجيران، أخبريهم أنكِ أخذتِ الطفلة إلى المستشفى، أو ما شابه. متى غادرتِ للمجىء إلى هنا؟» لم تتكلم.

قال أمان: «الساعة الآن التاسعة والنصف وصلَت فى التاسعة. والرحلة تستغرق ثلاث ساعات. لا بد أنها غادرت فى السادسة صباحًا. إذا غادرنا الآن، سنصل بحلول الثانية عشرة والنصف».



لم تتحرك مِهرون من مكانها تناوبت والدتها وأخوَاتها الصغيرات على التوسل إليها لتناول الطعام، لكنها لم تضع كسرة طعام أو قطرة ماء فى فمها عندما وصلت سيارة الأجرة، لم تتحدث إلى أحد خرجت، وهى تضم الطفلة بشدة إلى صدرها وإخوتها الأكبر بجانبها، لم تُودّع أحدًا منهم. فقط عندما نزلت الدرجات الأخيرة، نظرت إلى الوراء لتتأمل المنزل الذى وُلِدت ونشأت فيه امتلأت عيناها بالدموع كان والدها يمسك صدره ويسعل، ووالدتها تبكى بينما تلتفت إلى ابنتها، ثم إلى زوجها، وهى تحمله على الاستلقاء، وتحرّك الهواء فوقه بالمروحة، وترُش عليه الماء، وتهمهم: «يا رب، إن كنتُ قد أحسنتُ فى شىء، أية ذرة فضل أو بِر فعلته طوال حياتى، فأصلح بال ابنتى، ويسر أمرها».

فتح أمان باب السيارة، وهو يومئ لمِهير بعينيه أن تدخل مُتمتِمًا فى سره. كانت تتباهى أحيانًا وتفخر بإخوتها الأكبر. عندما كانت تغضب من زوجها عنايت، كانت تقول: «إخوتى يقفون كالأسُود، وإن واصلت التصرف على هذا النحو، سيقطعونك إربًا ويقذفون بك على الطريق يومًا ما. سترى!». تلاشى هذا الفخر تمامًا.

رنّت كلمات إخوتها فى أذنيها: «لو كنتِ تحرصين على شرف هذه العائلة، لأشعلتِ النار فى نفسكِ ومِتِ، بدلًا من المجىء إلى هنا».

لم تلتفت نحو البيت وهى تركب السيارة، ولا إلى والدتها التى كانت ستراها تتلصص من النافذة، ولا إلى أخواتها اللواتى يطلُلن من وراء الستار، ولا إلى زوجات إخوتها المنشغلات فى الداخل بأعمالهن المنزلية أيًا كانت. إلا أن الدموع انهمرت على وجهها من تحت نقابها. جلست تعض شفتيها وتبتلع شهقاتها.

كانت السيارة تسير بسرعة لم يتكلم أحد. جلس أمان فى المقعد الأمامى، بجانب السائق. هل يُمكن لأحد مناقشة أسرار العائلة أمامه؟ استمرت رحلتهما فى صمت. لستة عشر عامًا، لم تكن سوى نردٍ يُقذف فى ألعاب الحب والشهوة التى مارسها عنايت وبعد ستة عشر عامًا، أهان أنوثتها. «كأنكِ جثة. ما المتعة التى جنيتها معك؟» سخر منها «ما الذى لم أقدمه لكِ من الملابس والطعام؟ من سيمنعنى؟ أنا الآن مع امرأة تُسعدنى».

لم تُلاحظ الأشجار أو المشهد على جانبى الطريق. فقط حين توقفت السيارة فجأةً نظرت إلى الخارج بلا مبالاة، رأت المنزل الذى قالوا إنه بيتها. ركضت فتاة صغيرة، بوجهٍ عابس، مندفعة من الباب الأمامى نحو السيارة قائلةً: «أمى! عدتِ أخيرًا. قلقتُ عليكِ». حملت الفتاة أختها من بين ذراعى أمها، ثم ضمّتها إلى صدرها، وركضت عائدةً إلى الداخل.

دخلت مِهرون بخطوات بطيئة. بدا المنزل خاويًا كان بقية الصغار قد ذهبوا إلى المدرسة، وابنتها الكبرى سلمى، ذات الستة عشر عامًا، والتى عانت من ألم أمها، فى المنزل ذلك اليوم أرسلت سلمى إخوتها إلى مدارسهم، تنتظر بفارغ الصبر عودة أمها عندما رأت أخوالها مع والدتها، تنهدت بارتياح كانت متحمسة لرؤية أخوالها. فكرت: «سيجرون تلك المرأة الأخرى من شعرها ويطردونها». ركضت كالغزال، تحمل بعض المُقبلات لأخوالها، وتغلى الشاى.

ذهبت مِهرون لتستلقى فى غرفتها. دخلت سلمى، مسحت الدموع عن وجه أمها، وأطعمتها بعض لقيمات، وعند عودتها بصحن بقايا الطعام، سمعت صوتًا مألوفًا.

ركضت عائدة إلى غرفة النوم. «أمى، أمى، لقد جاء أبى». تظاهرت مِهرون بأنها لم تسمعها، وغاصت أكثر فى البطانية التى غطت نفسها بها. كانت أعصابها تنبض بشدة بينما خرجت سلمى إلى صالة البيت. كان أخوالها قد عادوا، وسمعت سلمى الرجال يتحدثون. سمعت أحاديث وضحك وسلامات.

«أهلًا، إخوتى! متى أتيتم؟» سأل عنايت.


«جئنا للتو. كيف حالك؟».


«أنا بخير، الحمد لله. وأسألك دعواتك».

ثم ارتفع صوت أمان: «أين كنتَ، أخى عنايت؟»

«هنا. بعض شؤون العمل، هذا وذاك - تعرف كيف تجرى الأمور. لا يمكننا البقاء فى المنزل بعد الاستيقاظ. سلمى،» نادى. «سلمى، أين أمك؟ انظرى من جاء. قولى لأمك تأتى إلى هنا».

لم يصدر أى صوت من داخل المنزل. قال عنايت: «أين هى؟ لا بد أنها فى الداخل مع الصغيرة. سأناديها، انتظروا». دخل فرأى سلمى، وسألها بصوت خافت: «متى جاء هؤلاء؟ أين أمك؟» بدأ خيط من الشك يتسلل إلى قلبه.

أجابت سلمى بذكاء: «لقد جاء أخوالى للتو. أمى لا تزال نائمة».


تنهد عنايت بارتياح.

«لم تستيقظ بعد؟ ماذا حدث لها؟» وصل إلى باب غرفة النوم. أثار منظر مِهرون وهى ملتفة ونائمة اشمئزازه. كان كل ما يهمه هو أنها أم أبنائه. وبرغم رغبته فى الدخول، إلا أن ساقيه لم تحملاه إلى الداخل.


تخيلته واقفًا عند الباب. ملابسه، رائحة سجائره النتنة، رائحة عرقه، جسده العجوز، عيناه الواسعتان.


صار الرجل الذى ترك بصمته على كل عصب فى جسدها غريبًا عنها.


بقيت وأحكمت لف البطانية من حولها، وهى تسمع صوته.

«سلمى، تعالى إلى هنا. قولى لها أن تكف عن كل هذه الدراما إذا اتصلت بإخوتها لينصحونى، فإنها تلُف حبل المشنقة حول رقبتها. فى نَفَسٍ واحد - مرة، مرتين، ثلاث - سأقولها وأنهى كل هذا. أخبريها أنه بعد طلاقها، لنرى إن استطاعت تزويج أخواتها الصغيرات وبناتها. أخبريها بأنها تدمر شرف العائلة أمام الضيوف أخبرى، أمك.

فلتخرج وتسلم على إخوتها - واسأليها أتريد دجاجًا أم لحم ضأن، فالوقت يقترب من الظهر، اطلبى منها أن تسرع بتحضير الغداء». 


لم تكن سلمى موجودة، لكنه نطق بكل ما كان لديه ليقوله، كأنها موجودة.

تحدث عنايت وأصهاره وكأن شيئًا لم يكن. تحدثوا عن أسعار القهوة، وعن الانتخابات فى كشمير، وعن التحقيق فى مقتل زوجين مسنين فى الحى، وعن الفتاة المسلمة من المدينة التى تزوجت شابًا هندوسيًا فى حفل مدنى، وعن هذا وذاك استمر الحديث بينما انطلقت صافرة طنجرة الضغط، وأزيز الخلاط، وتصاعدت رائحة البهارات القوية، وأُحضر الدجاج، وأصبح الطعام جاهزًا لأن مِهرون قد أعدته، وركضت سلمى لتقدم لهم الغداء.

خرجت مِهرون من المطبخ مرة واحدة فقط، للحظات.

بعد وجبة دسمة، وأفواههم مليئة بالتمبولا، استعد إخوة مِهرون للمغادرة. قبل أن يذهبوا، جاء أمان ووقف قرب باب المطبخ قال: «تحلى بقليل من الذكاء وتعاملى مع كل هذا. سآتى لزيارتك الأسبوع المقبل سيتصرف على هذا النحو لبضعة أيام ثم يعود من تلقاء نفسه. يجب أن تكونى مسؤولة ما المشاكل التى تواجهها بعض النساء - أزواج سكارى، وحموات يضربنهن الحمد لله أن وضعك أفضل إنه غير مسؤول بعض الشىء، هذا كل ما فى الأمر. أنتِ من يجب أن توازنى كل هذا». غادر إخوتها، وبمجرد أن اختفى صوت السيارة، طار عنايت من المنزل أيضًا.

التفتت سلمى لتنظر إلى أمها لم يُعَزِها أخوالها أو يساعدوها. بدأ قلبها ينبض بحزن أمها امتلأت عيناها بالدموع عندما غادر والدها. غرق المنزل فى ظلامٍ دامس، وعندما عاد إخوتها من المدرسة، لم يتمكنوا من زحزحته كان لكلٍّ منهم واجباته، ولكلٍّ منهم عبئه.

ومع انسحاب نور المساء، أُضيئت المصابيح فى أرجاء المنزل. لكن المصباح فى قلب مِهرون قد انطفأ منذ زمن. لمن تعيش؟ وما الهدف؟ الجدران، والسقف، والأطباق، والأوعية، والموقد، والسرير، والأوانى، ونبات الورد فى الفناء الأمامى - لم يكن لدى أى منها إجابة على أسئلتها. لم تُدرك وجود عينين مغمومتبن تطوفان من حولها، وتحرسانها. أرادت سلمى أن تندس بين كتبها؛ كان من المفترض أن تُجهّز لامتحانات الثانوية العامة المُقبلة. لكنَّ قلقًا عظيمًا لا يُوصف أبقى والدتها أمام عينيها.

فى هدوء الليل، حدّقت مِهرون فى الظلام. كان الظلام حالكًا كظلام حياتها. كان الصغار نيامًا. سلمى وحدها ظلَّت مستيقظة، تدرس فى صالة البيت، وعيناها مثبتتان على غرفة والدتها.

طار النوم من عينَى مِهرون. تساءلت: هل كانت معاركها فى منزل عائلتها أسهل؟ تحدد زواجها من عنايت قبل شهر من امتحانات السنة الثانية فى بكالوريوس التجارة.

بكت، وتوسلت أن يُسمح لها بأداء الامتحانات، لكن لم يصغِ أحد لتوسلاتها بعد أسبوع تقريبًا من الزفاف، تحدثت مع زوجها عن الأمر بتردد ضحك، ونادى عليها «حبيبتى»، «عزيزتى»، «قلبى» قال: «إن لم تكونى هنا، ألن تتوقف أنفاسى؟» ظنت مِهرون أنه إن لم تكن معه، فربما يموت. كانت سعيدة. استجابت لكل رغباته، وكانت بمثابة المصباح الذى أضاء قلبه.

لم تحظَ مِهرون بزوجها لنفسها إلا بعد وفاة والديه قبل عام انتقلت أخوات زوجها إلى منازل أزواجهن، وشق كلٌ من إخوته طريقه. تحقق حلمها القديم بامتلاك بيت خاص بها. لكن بعد أن تحقق، تجعد وجهها، وبرزت عروق يديها، وظهرت هالة خفيفة تحت عينيها، وتشقق كعباها، وتراكمت الأوساخ بشكل دائم تحت أظافرها المتشققة وغير المتساوية، وخف شعرها - ولم تلاحظ شيئًا من هذا ربما لم يكن عنايت ليلاحظ ذلك أيضًا، لولا خضوعه لعملية استئصال الزائدة الدودية، وتلك الممرضة، التى تعمل بجهد كبير مقابل أجر زهيد فى مستشفى خاص، وفى عينيها ألف حلم، والتى تمشى، أو ربما تطفو فى الهواء - لا أحد يستطيع الجزم - ببشرتها المتوهجة وعينيها العسليتين اللتين تجذبان المرء كدوامة، والتى كانت فى الثلاثينيات من عمرها، ومستعدة لفعل أى شىء، أى شىء، لتأمين مستقبلها وتحقيق أحلامها.

لم يُخاطب عنايت الممرضة بـ»الأخت». منذ اليوم الأول من كل تلك الأيام التى قضاها فى المستشفى، كان يناديها باسمها.

ثم أهان الرحم الذى أنجب منه أطفاله الكُثر. انتقد مِهرون لبطنها المترهّل، وثدييها المتدليين اللذين أشبعا جوع أطفالهما جعلها تشعر بأن روحها عارية قال لها ذات يوم: «أنتِ علىَّ كظهر أمى»، وبهذه الكلمات دفعها إلى الجحيم. فى الأشهر القليلة التى انقضت منذ نطق هذه الكلمات، شعرت بكل لقمة أكلتها فى ذلك المنزل وكأنها خطيئة. أزعجها شعور الغربة فى بيتها، وأحرقتها نار الإهانات، فلجأت إلى أهلها طلبًا للمساعدة.

كان الليل يزداد ظلامًا، فيشتد القلق فى قلب مِهرون. لم تشعر بمثل هذه الوحدة من قبل لم تكن لديها رغبات جلست على السرير. لم يكن هناك من يسأل عنها لم يكن هناك من يداعبها، يعانقها، يقبّلها من فعل كل ذلك معها صار الآن لامرأة أخرى بدا أن هذه الحياة لا نهاية لها حتى الضجيج العالى من الخلف لم يُحركها عرفت أن صورة مؤطرة قد سقطت، وأن الزجاج تحطم، والإطار تحطم، والصورة سقطت، لكنَّ قلقًا ما سكنها، ولم تعد لديها رغبة فى ترتيب الفوضى نهضت من السرير ببطء حدقت فى طفلتها طويلًا، ثم خرجت من الغرفة كان أطفالها الصغار نائمين بسلام عندما خرجت إلى الصالة بهدوء، رأت سلمى، التى كانت تدرس، قد غلبها النوم، ورأسها على الطاولة وقفت هناك، بجانب ابنتها النائمة، وبدأت ترتجف ظنت أن مشاعرها قد ماتت، لكن الانفعال الذى اجتاحها وهى تتأمل سلمى جعلها ترتجف. كتمت رغبة قوية فى لمس ابنتها، ورددت فى قرارة نفسها: «لا بد أن تبقَى. أنت أم هؤلاء الصغار يا عزيزتى».

بدأت قدماها تدفعانها ببطء إلى الأمام. فتحت الباب وخرجت إلى الفناء الأمامى بدت النباتات القليلة التى اعتنت بها وكأنها تبكى كأنها تومئ برأسها موافقة على القرار الذى اتخذته عادت إلى الداخل، وأغلقت الباب من خلفها، وذهبت إلى المطبخ، والتقطت عبوة الكيروسين، وجابت المنزل، عاجزة عن تحديد البقعة التى يجب أن تكون فيها حين تسكبه على نفسها توقفت لتنظر إلى أطفالها النائمين مرة أخرى قبل أن تعود إلى الصالة.

لم تنظر إلى سلمى.

سارت مسرعة إلى المطبخ، والتقطت علبة الكبريت، وأمسكتها بيدها اليمنى بإحكام، ثم فتحت مزلاج الباب الأمامى بهدوء، وخرجت للفناء مرةً أخرى. حدقت فى الظلام، وبينما تسكب الكيروسين على نفسها، فكرت فى وحدتها، لا أحد معها، ولا أحد يريدها كانت تحت تأثير قبضة قوية خارجة عن سيطرتها. نظرت حولها، فلم يصلها أى صوت، ولم تعد تشعر بأى لمسة، وتلاشت الذكريات، ولم تعد العلاقات قادرة على تطبيبها. كانت خارجة عن وعيها.

لكن كل شىء كان يحدث داخل المنزل، حيث أيقظت صرخات الجوع سلمى مذعورة، ودفعتها إلى ضمّ الطفلة إلى صدرها، وهتفت: «أمى، أمى»، عابرةً الغرفة التى ينام فيها إخوتها، ثم طافت فى أرجاء المنزل باحثةً عن والدتها، قبل أن تلمح الباب المفتوح وتركض إلى الفناء، وبرغم ذلك الظلام الدامس، رأت والدتها وشمّت رائحة الكيروسين.

دون تفكير، اندفعت إلى الأمام، والطفلة بين يديها، وعانقت أمها بشدة. نظرت الأم، وعلبة الكبريت فى يدها، إلى الفتاة التى تعانقها ببرود، كأنها تنتظر شخصًا آخر. وضعت سلمى الطفلة على الأرض وصرخت: «أمى! أمى! لا تتركينا وتذهبى!». وتشبثت بساقى والدتها.

كانت سلمى تبكى، والطفلة الصغيرة تبكى على الأرض.

نظرت إليهم مِهرون، وناضلت للتحرر من القوة الغريبة التى أحاطت بها، فسقطت علبة الكبريت من يدها. كانت سلمى لا تزال ممسكة بساقى أمها. «أمى، لمجرد أنكِ فقدتِ شخصًا واحدًا، ترمينا جميعًا تحت رحمة تلك المرأة؟ أنتِ مستعدة للموت بسبب أبى، ولكن ألا يمكنك أن تعيشى من أجلنا؟ كيف يمكنكِ أن تجعلينا أيتامًا يا أمى؟ نريدكِ» كانت لمسة سلمى هى التى أثّرت فيها، أكثر من كلماتها حملت الطفلة الباكية وضمت سلمى إلى صدرها. شعرت كما لو أن صديقةً تُعزيها وتُلامسها وتتفهمها، ثقلت عينا مِهرون، وكل ما استطاعت قوله هو «سامحينى يا حبيبتي»، بينما يتلاشى ظلام الليل.