أرواح مشردة

أرواح مشردة
أرواح مشردة


هيثم همامون 

ثابت فى مجلسه لا يريم، وثارت فى نفسه عاطفة ضئيلة، ولكنها حازمة يداعب البلل أطراف حذائه الرخيص، ويجيل طرفه هنا وهناك، يطيل النظر إلى بعض ما فى الزورق، وماذا يسمع فى الصمت الجاثم الرياح تتناوح لها فحيح قوى، يسمع اصطفاق الأمواج الهادئة كأنها صوت ثوب حرير يتحسّس جدارًا أملس ترك عينيه ممدودتين إليه كما ترك هو عينيه مدفوعتين إليه بخوف وما أكثر ما قال بعينيه للبحر! يمنى ألاّ ينحسر عن البحر العطف والحنان كما تنحسر يد الأم عن الرضيع والزورق ينساب فى بحر ضيق بسرعة الجوّ لا يحتمل بارد لا يُطاق، وإذا قلبه يخفق فى صدره ثقيلًا لسماع شدة صراخ رضيع يُصوّرهم بين المتفائل، والساخط، والباكى لكن لا يراهم فى ظلمة الليل كأنهم أرواح مشرّدة، حتى وجه القمر امتقع وأسبغ عليهم شحوبًا يشيع فى نفسه شيئًا من الحزن، يبرق من بعيد وأوشك أن ينطفئ. كان يراقبهم فى ضعف بعدما وضع معطفًا قاتمًا يحمل رائحة تلك الأرض على ركبه، فالبرد يمشى مشية الموت فى عروقه الباردة. وينظر إلى الوراء فيرى أنه ترك جنتين عن جنوبه ثم يخلو إلى نفسه فيشقيه قلق المستقبل، ويخلو مرة أخرى إلى هدير المحرك فيسعده المستقبل.

أطبقت الظلمة والبحر على كل شىء إلا من صوت ضئيل يعرفه، يقول: ماذا يجد هناك؟ إلى أين يصير؟ ثم ينقطع هذا الصوت المألوف عنه، لينتقل بين الخوف والأمل فى سرعة ذلك الزمن الذى لا يستنكف ثانية واحدة عن اختراق الزمن والعبور إلى باب المجهول.

ولبث على فى مكانه جامدًا زمنًا كأنه بناء منهار. يوازن بين ما ينتظر فى الضفة الأخرى وبين الزورق المنكمش على حافة العالم. ولا يزال يسأل عن المجهول حتى يجيبه ضميره فى شهقة ضئيلة: ما كان ينبغى أن نُغامر ويشقى الأهل، آه لو...تلك (لو) غريبة داخل جسده، ترتقى به فى الجو إلى أبعد مدى فتهوى به بشدة حتى يختنق وينحسر عنه الهواء، فيقطع صراخ الطفل اختناقه، ليستعيد شهقتين بينه وبين نفسه كمثل ضوء ضئيل ينفذ من الأفق كأنه رمية سهم.

الزورق سهم لا ينطق بحرف، محتمل لأثقالهم، ثابت بين أمواجه العالية، والقوم يرشفون من الماء قليلًا يسكّن ما بهم من دُوار وجوع. أخرج ربان الزورق من جيبه علبة بيضاء صغيرة رشها على ظهر يده فى أناة، رفع ظهر يده إلى أنفه الصغير، واستنشق استنشاقًا عميقًا، ثم ردّ العلبة إلى جيبه وواجه البحر وكأنّما ينتظر شيئًا. وتساءلت أين وَحدته الآن من وَحدة الزورق داخل البحر؟ بين يد تكفكف دموعه وتحنو عليه، وبين أجنحة البحر المنكسرة.

أطرقوا جميعًا كأنّ على رءوسهم الطير، وجعل الزورق يمضى بهم مخترقًا الأثير، لا يلتفت إلى الأرض، لا يقول شيئًا، حتى إذا انعطف بهم، مالوا إلى جهة دون جهة فى ارتياب. يوازى الواحد منهم بين البؤبؤ والبؤبؤ، وبين الكتف والكتف، وبين الظهر والظهر، والأصوات فاترة أشبه بالأنين. وعلى يخطف نظرات بين حين وحين، يراقب فى ضعف يمسك بمخالبه ضلوع الزورق، فيشتدّ اضطرابه ويسمع اصطفاق الأمواج الهائجة تداعب الزورق تتمزق أمواجه تمزّقًا كأنما هبّ من سبات عميق فاستقبل يقظته بصراخ وأدعية وبلغت أذنيه أصوات كقطع سحاب تصطدم وتمتزج وسواد الليل فجأة الزورق أضحى ورقة مبلّلة شدّت إلى قاع البحر بسلاسل ثقال، امتدت فروعها تشبه غصون الزيتون وتلاشى هدير المحرّك فى عرض البحر وكأن الحياة أدارت وجهها فى لحظة خاطفة.

سرعان ما خرجت من أفواههم أصوات منحسرة، لا تبلغ الجو، لا تبلغ الأرض إنما اختلطت بالبكاء والأنين أراد على أن يسأل لكن لسانه انعقد وانزلقت قطرة على خده حاملة معها قصة حلم.

يستحضر ماضيه البعيد والقريب فى لمح البصر، وكان يمدّ يدًا فى الفراغ تحت الماء كأنه يريد أن يهوى إليها فى السراب، وهذه يد ضئيلة توشك أن تتلقفه من بين أسنان الموج، فإذا من جديد دمعتان تترقرقان فى عينيه ثم لا تلبثان أن تنحدرا على خديه لتضيعا فى البحر. فلا يبقى منها إلا ذكرى ملوحة بحر. وكانت ليالٍ مظلمة لا يهتدى الضوء فيها إلى سبيل إلا من ركام زورق راكد فى الأعماق حاملًا معه رميم الأرواح.