صبر سعيد

أخبار الأدب
أخبار الأدب


ظنت أننى تركتها.. كنت قد أطفأت الأنوار وأغلقت الباب معاندا وابتعدت كثيرا حتى وصلت لحواف البلاد الأخرى.. جريت.. شممت الهواء الزفير ورائحة الصحراء وأطلقت لقدمى العنان.

قابلت أخريات يلعبن ويرقصن كالملائكة وكالشياطين، لكننى كنت ضعيفا للغاية، فلم أرقص معهن واكتفيت بالنظر، فالجرى قلص متعتى وملأنى بالتعب.

عند نهاية العالم يفترق الأحباء ويموت مَن مات من جديد، وهناك شخص أو جماعة أو فكرة تنتصر.. أنا سأكون بالقطع من المهزومين، سأكون الذى آلمته الظنون وأثقلته حمول الأفكار حتى نسى إلى أين يريد أن يصل ثم خسر كل شىء.. إن لعبة النرد التى راهنت عليها تقود إلى مصيرين.. إما كافر أو عدم.

كنت أستمتع بإعداد الشاى لكِ، وفيما تتعجلين وتصرخين (أين الشاى؟).. يأخذنى الوقت بصبر سعيد، وأقوم بعد مرات تقليب حبيبات الشاى بقوالب السكر بالماء الساخن واحد اثنان ثلاثة أربعة..... أقل من 80 مرة لن يكون الشاى ممتعا.. تملين منى أم من وجهى المرح.

يحتوى الدولاب الذى يجمعنا على ركن واحد لى، وتسعة أركان لكِ.. لم أعترض. كنت سعيدا بسيطرتك المتناهية وكنت أدعى الخوف أو اللامبالاة فقط لأبهجك.

جميع الصور على هاتفى أخذتها بنفسى لنفسى.. لقد اكتشفت أنه لا أحد يهتم بالتقاط الصور لى.. لا أحد يدعس الهاتف ليضع العدسة فى وجهى.. لذا حين أموت لن أكون فقط الشخص البغيض، اللامبالى، السعيد دائما، المزعج، ثقيل المحيا، بل سينسانى الجميع، وحين يحاول أحدهم أن يتذكرنى لن يجد أى صورة لى.. الفناء التام يحدث حين ينتهى ذكرك بعد خمسة أجيال من موتك بالكثير.

الأبناء قد يتذكرونك لكن الأحفاد لن يفعلوا ذلك إلا قليلا.. ثم حين يتقدم بهم العمر سيمحونك تماما من لسانهم وعقلهم وقلبهم.. لن تجد حتى نقطة دم واحدة فى شرايين إنسان على كوكب الأرض حتى ولو كان دمه من دمك يعرفك... فى كل حالات الذكرى يعود الناس لصورك المحفوظة أو المعلقة على حائطهم.. أما أنا.. بما أنه لا توجد صور، فسوف أفنى بعد جيل واحد، عشر سنوات فقط ثم أصبح نسيا منسيا تماما، وبالطبع لن أتحول إلى فراشة لأرعى أحد.. فى الواقع أسطورة الفراشة تفترض أن أحدا يحبك وسيتذكرك لدرجة أنك تتحول لفراشة لرعايته «نقطة ومن أول السطر».

كانت تفرك يدها لنفسها وتنام تحت الشجرة لذاتها.. وتستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية لمزاجها، فيما كنت أحطم القواعد وإشارات المرور وأصنع الفن يوميا، لكنها لم تبالِ.

من سيطلب الغفران لى وأنا فوق الجبل فيما يمحق الفيضان أركان العالم؟ من سيعتنى بقلبى بعد هذه الجراحة العميقة التى تقتلنى كل يوم؟

ظننت أننى تركتها.. لكننى أعود دائما.