ناجي أبو مغنم يكتب: طحين «مصــر» بلا ضجيج

ناجي أبو مغنم
ناجي أبو مغنم


تابعت بفخرٍ، خلال الساعات الماضية، دخول مساعدات إنسانية - بعدما غابت لشهور- إلى قطاع غزة؛ دعمًا لأجسادٍ أنهكها الجوع، وتمكَّن منها المرض الناتج عن نقص الأغذية حتى خارت قواها، وباتت هياكل عظمية تكسوها جلودٌ تُخرج أنفاسًا متلعثمة تفصلها عن الموت.

 

جاءت لنا الصور الموجعة من قلب غزة الأبية كاشفةً عن مظلمةٍ كبرى تعرَّض لها شعبٌ أعزل يُحب السلام ويطلبه، لا يأمل شيئًا من دنياه إلا عيشة هنية على أرضه التي وُلد فيها وعاش عليها آباؤه وأجداده، وهذا حقٌ أصيل يُفترض ألا ينازعه فيه أحد.

 

ولكن حلَّت عليه الفئة الباغية الطاغية من الشتات الأوروبي والأمريكي؛ طامعةً في وطنٍ من العدم، شَرعوا في خطتهم بكل بجاحةٍ قبل قرنٍ من الزمان أو يزيد، كانوا هؤلاء لصوصًا في بلدانهم مجرمين متهورين كبربرٍ لا يُحبون الوئام، فتخلَّصت منهم أوروبا بأن وعدتهم بإقامة دولة لهم في الشرق الأوسط؛ لتستريح من شرورهم، حتى إن هتلر، الزعيم الألماني، لم يصبر عليهم فأحرقهم في الأفران النازية.

 

ومنذ ذلك الحين وهم يعيثون في فلسطين الحبيبة فسادًا، تلك الدولة الغالية على كل عربي ومسلم وقبطي حول العالم، فقد دنَّسوا في غير مرة مقدساتها، وارتكبوا الموبقات في حق أهلها، وفجَّروا وهم يتفنَّنون في تعذيبهم؛ لإكراههم على الخروج من بيوتهم.

 

ولكنهم، -الفلسطينيين- أبوا وأصروا على أن تكون حياتهم ثمنًا لتمسكهم بوطنهم ما أغرتهم العروض الخيالية للهجرة الطوعية، لم تُرهبهم آلة الحرب الإسرائيلية في الهجرة القسرية، وأبدوا جسارةً في التشبث بحقهم حتى تعجَّب لأمرهم أهل الدنيا شرقها وغربها.

 

وللحق أقول والتاريخ سيذكر هذا من بعدنا، بأنه لولا مصر التي سخَّرها الله سبحانه وتعالى وقوَّى شوكتها، لضعف الجسد الفلسطيني بعدما أصابه الوهن، حتى كاد يموت ويرضخ بغير حولٍ منه ولا قوة، لما يُكال ضده من إجرامٍ لم تشهد البشرية مثله من قبل، وآثر سلامة الهروب عن البقاء في أرض الموت والدفن ببيته.

 

ففي وقت ظن فيه بنو صهيون ومن يقف خلفهم أن هدفهم وحلمهم بات قريبًا بتهجير أهل غزة لتخلو كما يحلو لهم، بعدما حاصروا شعبها ومنعوا عنهم كل سُبل الحياة، حتى الهواء لوَّثوه، لتخرج مصر في ذلك الوقت العصيب وتقول نحن ها هنا قاعدون لكم بالمرصاد، فقضية فلسطين في رقابنا إلى يوم الدين وهي عصية على التصفية مهما امتلك الأعادي كل سُبل القوة والنفوذ، وراحت أم الدنيا تُجدِّف وحدها في وجه تل أبيب ومن موَّلها ودعمها.

 

أدخلت القاهرة مقومات الحياة من دقيقٍ ودواءٍ إلى أهلها لإنقاذهم، دون صخبٍ أو دعايةٍ تُتاجر بجهدٍ إنساني خالص لوجه الله ولأمة مقهورة مغلوبة على أمرها، لم تنتظر مصر من جرَّاء ذلك جزاءً أو شكورًا.

 

وصلت مئات الشاحنات إلى القطاع مُرسلةً من المصريين، فرح بها المكلمون وهلَّلوا لها، دون أن يرى المتربصون بمصر ذلك، بل تمادوا في الترويج للرواية للعبرية التي تدَّعي كذبًا وذورًا وبهتانًا أن مصر تُحاصر غزة بغلق معبر رفح؛ ليصرفوا الأنظار عن المحتل وما يفعل ليل نهار، عجبي أن يخرج عبر الشاشات التي تُبث من دول غربية، من ترعرع على أرض مصر ليكون لسان حال عدوها، يكيل الاتهامات لها وهو يعلم يقينًا مخالفته للحقائق على أرض الواقع، ولكنها الدولارات التي أعمت البصائر والقلوب.

 

وختامًا، الحمد لله على نعمة مصر رمانة ميزان العالم، المذكورة في قرآنه والمنصورة بوعده ومدده، نسأله سبحانه أن يديم نصره لها؛ لتظل حصنًا منيعًا في وجه الغرب، الذي ظن أنه لا يُعجزه شيء في هذه الدنيا التي يراها قطعة صلصال يُشكِّلها كيفما شاء.