حـضور

«العمارة» فى حماية «الأغنية»

طارق الطاهر
طارق الطاهر


طارق الطاهر

منذ أن تعرفت عليه أدركت أننى أمام معمارى ينظر للعمارة بشكل مختلف وعميق، باعتبارها كائنا حيا، يشتبك مع «مفردات الحياة»، ومن ثم تستطيع من خلال قراءتها التعرف على مكونات الثقافة والفن والفكر وتطور المجتمعات فى أى فترة زمنية.
هذه الرؤية تحكم عالم المعمارى سالم حسين، وينتج عنها أفكار مبتكرة، من ذلك ندوته التى احتضنها مساء أمس متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ، بعنوان «نغم.. العمارة والمكان فى ذاكرة الأغنية المصرية»، حيث أعد مع فريق عمله: ندى يحيى، فرح أحمد، ورهف محمد، رؤية مبتكرة لقراءة تاريخ الأغنية المصرية، باعتبارها توثيقا لشكل وملامح العمران خلال أكثر من مائة عام، وبذلك حوَّل «الأغنية» لتكون وثيقة عمرانية حفظت تاريخ المدن والشوارع والحدائق، فضلا عن أنها سجلت شكل الحياة اليومية وتحولات المكان عبر الزمن.
فمن خلال استعراضه لمجموعة من الأغنيات، باعتبارها «شاهدا» على فكرته الأساسية، عاد بنا الزمن وهو يعرض نماذج من هذه الأغنيات، لنرى حدائق القاهرة -على سبيل المثال- فى أغنية «حاجة غريبة» لـ: عبد الحليم حافظ وشادية التى تعود لعام 1967، فى حين شاهدنا شكل «البلاج» فى الستينيات، عبر أغنية «قاضى البلاج» لعبد الحليم حافظ 1969، بينما توقف عند معبد «حتشبسوت» وما به من روعة عمرانية، أبرزتها الأغنية التى تحمل ذات الاسم، وامتزج فيها غناء محمد العزبى بفرقة رضا 1967، وكذلك رؤيتنا لمعبد الكرنك وتفاصيله ورمزيته فى «غرام فى الكرنك» غناء العزبى مع فرقة رضا 1967.
وفى رحلته لتوثيق «الأغنية معماريا»، وثق -أيضا- لتاريخ تطور صناعة السينما، أو على حد تعبيره «أن المحاضرة لا تركز فقط على تاريخ الأغنية، لكنها تميل لتقسيم طريقة حضور المكان نفسه من مكان متخيل لمكان مصور.. إلى أن أصبحت المدينة بطلة الأغنية».
بالفعل استطاع سالم حسين فى هذه الندوة التى لاقت حضورا كبيرا، أن يكتب تاريخا جديدا لقراءة الأغنية، ربطا بالعمارة وكذلك بتطور صناعة «السينما المصرية»، التى سيطر عليها فى مرحلة ما قبل الخمسينيات، البقاء فى الاستديو وبناء المكان المتخيل، بينما من الخمسينيات حتى أواخر الثمانينيات، خرجت الأغنية إلى المدينة واستتبع ذلك ظهور الحدائق والشوارع والمعالم الحقيقية كجزء من المشهد الغنائى، بينما فى أواخر الثمانينيات وحتى الآن، تحولت الأغنية إلى وسيط يوثق المدن الجديدة والمصايف والواجهات الساحلية والمدن السياحية.
إن هذا النوع «المبتكر» من التوثيق يستحق التحية، لأنه يهدف بشكل أو بآخر لـ «حفظ الذاكرة الوطنية»، وتقديمها للأجيال المختلفة بشكل جذاب، وهو ما لاحظته من تنوع تخصصات واهتمامات الحضور، الذى لم يكن من المعماريين فقط، بل انضمت إليهم تخصصات معرفية شتى.