هاروكى موراكامى
ترجمة عن الفرنسية:
د. ياسين سليمانى
أنتِ من حدثتنى عن «المدينة»
فى ذلك المساء الصيفى، ونحن نتنشق عبق العشب الطرى، مشينا صوب منبع النهر عبرنا سلسلة من المصاطب التى تكوّن شلالات صغيرة، وتوقفنا بين الحين والآخر لنتأمل أسماكا فضية رفيعة كالخيوط، تسبح فى برك المياه كنا نحن الاثنين حافيى القدمين منذ مدة المياه الصافية تغسل كواحلنا وتنعشها، ورمل النهر الناعم يُغلف أقدامنا كسحابة رقيقة فى حلم. كنتُ فى السابعة عشرة، أما أنتِ فكنتِ تصغريننى بسنة.
كنتِ قد حشرتِ بإهمال صندلك الأحمر ذا الكعوب المنخفضة فى حقيبتكِ الصفراء من الجلد الصناعى، وواصلتِ السير بضع خطوات أمامى، تقفزين من رصيف رمليّ إلى آخر علقت بساقيك الرطبين ذرّات من عشب مبتلّ، كأنها نقاط خضراء جميلة على بشرتك أما أنا فكنت أمسك حذائى الرياضى الأبيض البالى بكلتا يدي.
جلستِ فى عشب الصيف، لا شكّ أنك تعبت من كثرة المشى، ثم حدّقتِ فى السماء صامتة عبرَ الفضاء عصفوران صغيران، أحدهما إلى جانب الآخر، وأطلقا صيحات حادة فى الصمت الذى أعقب ذلك، بدأَ غبشٌ أزرقٌ شاحبٌ يلفّنا أنا وإياكِ عندما جلست بجوارك، انتابنى إحساس غريب كان كأن آلاف الخيوط الخفية تربط جسمك بلطف بقلبي. حتى أقلّ طرفة عين منك أو ارتعاشة خفيفة تُرسم على شفتيك، كانت تهزُّ قلبى بعنف.
فى تلك اللحظة، لم يكن لأيّ منا اسم. فى ذلك المساء الصيفى -لكِ ذات الستة عشر ربيعا، ولى ذى السبعة عشر- كانت تلك المشاعر الجيَّاشة التى انتابتنا على ضفاف النهر هى كل ما كان. قريبا، ستشعل النجوم فى كبد السماء ومضاتها واحدة تلو الأخرى، لكن حتى هذه النجوم لن تحمل أسماء. نحن الاثنان بلا أسماء، جالسين فى العشب على حافة النهر، فى عالم بلا اسم.

شرعتِ تُوضحين لي : «المدينة مُحاطةٌ بأسوارٍ عاليةٍ». كلماتٍ تخرج من أعماق الصمت، كصيّادةٍ تغوص فى البحر لالتقاط اللآلئ.
«ليست كبيرة جدا، لكنها ليست صغيرة لدرجة أن يُدركها المرءُ بكُلِّية».
هذه هى المرة الثانية التى تتحدثين فيها عن المدينة. لذا بدأت أتخيلها مُحاطة بجدران شاهقة.
بناء على شرحكِ، حاولت تصور هذه المدينة التى يعبرها نهر جميل تعلوه ثلاثة جسور حجرية: جسر الشرق، الجسر القديم، جسر الغرب. تدريجيا، أدركت أنها تضم مكتبة، أبراج مراقبة، مسبكا مهجورا، ومجمعات سكنية متواضعة. فى الضوء الخافت المخيم على نهاية الصيف نتأمل المدينة جنبا إلى جنب.
أحيانا أغمض عينى قليلا فأشعر كأننى على قمة تلة بعيدة أطل على المدينة من علٍ. وأحيانا أخرى تظهر لى عن قرب، وكأننى أستطيع لمسها بيدي.
قلت: الأنا الحقيقية.. الذات الحية التى بداخلي.. تقبع فى المدينة ذات الأسوار العالية.
دفعنى كلامك إلى سؤالك :أتعنين أنك أنت التى أمامى الآن لست الحقيقية؟
- لا، أنا التى أمامك الآن لست الحقيقية. لست سوى دوبليرة. شيء أشبه بظل متحرك.
تأملت كلامك. شيء أشبه بظل متحرك؟ لكننى أحتفظ برأيى الآن.
قلت: وأنت الحقيقية، ماذا تفعلين فى تلك المدينة؟
أجبتِ بصوت هادئ: أعمل فى المكتبة. أبدأ حوالى الخامسة مساء وأنتهى فى العاشرة تقريبا.
تقريبا؟
- الوقت هناك تقريبي. فى الساحة المركزية برج عال به ساعة، لكنها بلا عقارب.
حاولت تخيل ساعة عالية بلا عقارب.
قلت: وهل يُسمح لأى شخص بدخول المكتبة؟
- لا. ليس لأى أحد. ثمة قدرات خاصة مطلوبة للدخول. لكنك أنت ستستطيع. لأنك تمتلكها.
قلت: وما هى هذه القدرات؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة لكنك لم تجيبي.
قلت: إذا دخلت، فهل سأقابلك أنت الحقيقية؟
- بشرط أن تجد المدينة أولا. وإذا.
توقفت فجأة، واحمرّ وجهك قليلا. مع ذلك فهمت الكلمات التى لم تُنطق.
إذا رغبتَ حقا، بإخلاص، فى مقابلة ذاتى الحقيقية. كانت هذه الكلمات التى لم تتلفظى بها.
مررتُ ذراعى بلطف حول كتفيك كنت ترتدين فستانا أخضر بلا أكمام. استند خدك إلى كتفي. لكننى فى هذا المساء الصيفى لم أكن أضم ذاتك الحقيقية. كما أوضحت لى، لم يكن سوى ظلك، دوبليرتك.
ذاتك الحقيقية تقبع فى المدينة المحاطة بالأسوارهناك، فى وسط النهر، ثمة جزيرة جميلة مغطاة بأشجار الصفصاف، وتلال صغيرة متعددة، وثيران ودِيعة تنتشر فى كل مكان يعيش الناس فى مساكن جماعية قديمة، يعيشون حياة بسيطة لكنها مريحة. ترعى الثيران الوديعة أوراق الأشجار وجوزها فى المدينة، لكن رغم ذلك، تموت كثير منها جوعا وبردا خلال الشتاء الثلجى الطويل.
يا لهول شوقى لدخول هذه المدينة! هناك، أتوق بلهفة لمقابلة ذاتك الحقيقية.
قلت: المدينة محاطة بأسوار عالية، والدخول إليها صعب جدا. لكن الخروج منها أصعب.
- كيف يمكننى دخولها إذن؟
- يكفى أن ترغب بذلك لكن التوق بشغف ليس سهلا. قد يأخذ منك وقتا. ستكون رحلة طويلة تتخلى فيها عن أشياء كثيرة. أشياء ثمينة لديك. لكن لا تيأس، فالمدينة لن تختفى أبدا.
تخيلت لقاء ذاتك الحقيقية هناك. تذكرت بستان التفاح الوارف خارج الأسوار، الجسور الحجرية الثلاثة الممتدة فوق النهر، وحدقت فى ظلام الليل أبحث عن صوت عندليب خفي. ثم رأيت ذاتك الحقيقية تعمل فى مكتبة صغيرة عتيقة.
قلتِ: ستجد مكانا لكَ هناك.
-مكانا لي؟
- نعم. فى المدينة وظيفة واحدة شاغرة. ستكون لك.
وما هى هذه الوظيفة؟
همست كمن يفشى سرا خطيرا: ستكون قارئ الأحلام.
لم أستطع كتم ضحكة.
قلتُ: أنا الذى لا أتذكر حتى أحلامي! كيف سأصير قارئ أحلام؟!
وظيفة الشاهد
ليست مجرد محاكاة للماضى: كتابة رواية تاريخية بأسلوب جديد
راهب بيت لحم







