فتحى إمبابى
للمرة الثانية خلال أسابيع قليلة وقف إيزاك إدوارد شنيتزر الملقب بمحمد أمين بك، خلف شراع نافذة مبنى حكمدارية مديرية خط الاستواء فى العاصمة (لادو)، يشهد كابوس حياته الثانى، فمنذ لحظات قليلة ألقت الباخرة (تلحوين) مراسيها على المرفأ، وأطلقت صفاراتها معلنة قدوم الصاغ حواش منتصر من دوفلاى، أعقبها ضجة هائلة، ما جعله يغادر مكتبه ليشهد من النافذة اندفاع المئات من أهالى لادو والقرى المجاورة نحو المرفأ وهم يرددون اسمه بوصفه المدافع عن زنوج الاستوائية، تابعه وهو يسير وسط مستقبليه وهو يحييهم بمودة وكبرياء عسكرى، وهم يدقون طبول النصر، ويرقصون أمامه رقصات الحرب، ما أثار غضب الحكمدار أنه رأى مرجان أفندى الدناصورى يسير خلفه وحيدًا ما نبهه إلى أن الأهالى لم يقدموا له شخصيًّا مثل هذا التقدير. أكله شيطان الغيرة وغادر مكتبه غاضبًا، وبدلًا من أن يستقبله على الفور طلب من وكيل قومندان العاصمة محمود العجيمى أن يخبر القائدين بأنه سيلتقيهما مع بقية الضباط على العشاء، بعد أن يأخذا قدرًا من الراحة.
لم يجد الصاغ سبيلًا للراحة كما ظن مضيفه، فقد طرق بابه قومندان لادو اليوزباشى ضياء أفندى محمد، يصحبه اليوزباشى الحسينى عبد الغفار، ومعهما مأمور المخازن اليوزباشى عوض أفندى عبد الله، دعوه للحضور إلى الثكنة العسكرية لقوات لادو، حيث وجد بانتظاره ضباط المديرية وعددًا من مشايخ وزعماء قبائل المديرية الاستوائية يطلبون الجلوس والحديث معه.
أحاديث كثيرة؛ حوارات وجدالات بلا نهاية، والأمور تتبلور حول عديد من الأسئلة، مثل: مَن ذاك الذى ظهر فجأة من حفريات التاريخ ليعرقل التقدم، ونشر الحضارة واستتباب الأمن فى ربوع وادى النيل؟
ولمن ذاك الأسطول الذى ألقى بمراسيه فى بوغاز الإسكندرية، وأطلق مدافعه على المجلس النيابى والدستور الوليد، كى تمنع عن المصريين الحق فى دولة دستورية حديثة؟
لماذا قبل الشعب بمن دمر الإسكندرية فى الحادى عشر من يوليو 1882 واحتل القاهرة فى سبتمبر 1882؟
لماذا قام مازوشى خائن يجلس على رأس البلاد بتسليم مقودها إلى جنرالات منكبين على تحقيق مصالح شيطان أبيض؟ الآن أصبحت القوات المصرية فى خط الاستواء بين المطرقة والسندان... هو الحصار إذن... هو الحصار بين عبودية الغرب وعبودية الأصولية الدينية، أى إشكالية يتعين حلها اليوم.
أفكار كثيرة داهمتهم... ماذا يمكن التوقع من قوة عسكرية، ترتفع أعلامها على وادى النيل من المنابع إلى المصب، ينتمى جنودها، والمستويات الدنيا والوسطى من ضباطها مصريين وسودانيين، عرب وزنوج، إلى الهوية الجامعة لنهر النيل.
... الاختيار بين جيش الإمبراطورية التى لا تغرب عنها الشمس، والذى يحتل الآن القاهرة، وبين ذاك الدرويش القادم من كهف التاريخ، الذى أحكم الحصار على القوات المصرية فى مديرية خط الاستواء، ويحاصر الخرطوم الآن، وينوى بعد فتحها التوجه فى تجريدة من جيش الأنصار لفتح القاهرة.
يتجاهل الصاغ حواش منتصر كل تلك المعضلات الفلسفية والإشكاليات العويصة حيث ثمة خيار ثالث هو المستحيل بعينه؛ أن تشرع فى مقاومة كليهما، المطرقة والسندان... هنا يجب النظر فى وجوب اعتماد المديرية على نفسها دون غيرها، وتنظيم دفاعاتها، السعى إلى استمالة قلوب الجنود، الاهتمام بزراعة الغلة والقطن حتى تتمكن المديرية من توفير كسوتهم.
تناولوا القهوة وأكواب الشربات وأقداح الجعة، بعد قليل دعاهم الحكمدار لتناول العشاء، فانتقلوا جميعًا، وجلس كل منهم فى مكانه طبقًا لرتبته، ثمة مقعد شاغر، ولم يكن ليجرؤ على بدء العشاء دون حضوره.
تشاغل أمين بك بالحديث مع فيتا حسان الذى سيتجاهل غياب الصاغ منتصر وانتظار الحكمدار مجبرًا له، وهو ما سوف يرحمه من الضغوط التى يضعها كازاتى على كاهله، وهو ما فعله بالفعل، إذ صرخ على الخدم لإحضار الطعام فهو جائع، ولأول مرة امتلك أمين بك الشجاعة كى يخبره أن باستطاعته الذهاب إلى المطبخ ليطفئ جوعه.
خلال ذاك الوقت انتحى الملازم أول العجيمى فى مكتبه بمن حضر من زملائه من الضباط العرابيين، سرد الأحداث التى جرت فى الأيام الماضية منذ وصول رسل المهدية وقال إنه منذ شاع فى أرجاء الاستوائية خبر إذعان أمين بك وخضوعه بتسليم المديرية للمهدية، حتى انقلبت الأوضاع رأسًا على عقب، وترتب على الضعف الظاهر على الحكمدار انتشار الغضب والتمرد والاستهانة بالسلطات الإدارية بالمديرية؛ الأهالى، القبائل، موظفى المديرية.. حاول الكثير الاستيلاء على أنصبة إضافية من المخازن، حتى كاد الأمر أن يتحول إلى عملية نهب عامة.
هتف ملازم أول أحمد سليمان: حتى الموظفين؟
حتى الموظفين، فمنذ اليوم التالى لإعلان استسلامه طوح موظفو لادو وراء ظهورهم الاحترام الواجب للمدير.. وعندما أرسلت محطة أمادى كمية من الزيت إلى محطة لادو.. طلب كاتب الحاسبات رجب أفندى محمد لنفسه وحدة 40 رطلًا، على حين أن الكمية المخزونة لا تجاوز 300 رطل.. ولما أعلمه بذلك المدير أجابه بوقاحة أمام الموظفين والعاملين: «لقد مضى وانقضى زمانك، وأتى زمان الأمير كرم، وليس لك أن تعطى أوامر هنا بعد اليوم! وعندما عبر المدير عن تعجبه، أجابه سيد أفندى مساعده، ألم تعلن عن استسلامك بدون قيد ولا شرط.
تساءلوا إذا كان من الممكن التعامل مع واقع مثل هذا ولو بقليل من الحزم.. قال العجيمى ولكن هناك تمرد بين ضباط المديرية.. قال محمد فوزى: تقصد الضباط الدناقلة... إبراهيم أفندى جورجورو.
نظر البقية نحو العجيمى مستفسرين عن الأمر؛ فقال إنه فى الثانى من شهر يونيو بينما الدخان لا يزال يتصاعد من أكواخ لادو جاء خطاب من سليمان أفندى عبد الرحيم ضابط حامية مكراكا منبئًا أن إبراهيم أفندى جورجورو رئيس حامية مكراكا ترك المحطة وسار إلى بحر الغزال هو وجميع الخطرية الذين يكونون القسم الأكبر من جنود الحامية وأخذوا معهم الأسلحة والذخيرة لينضموا إلى الأمير كرم الله كرغساوى، الخطرى الوحيد الذى رفض الهرب معهم هو كاتب المركز إبراهيم أفندى ترباس، ونال لقاء ذلك عقابًا بالجلد بلغ خمسين جلدة، وأفاد سليمان أفندى فى كتابه أنه لا يتوفر لديه إلا زهاء 12 جنديًّا سودانيًّا، وطلب بإلحاح إرسال إمداد على وجه السرعة.. خشية عودة الخطرية أو قيام أهالى المركز بالثورة لأنهم لا يبقون على الولاء إلا فى وجود حامية قوية، فالموقف شديد الخطورة.. قال الملازم أول محمد فوزى مقطب الجبين إن إبادة الجيش المصرى فى شيكان نشر الذعر والفزع.. والجميع لديه مخاوف من الموت على يد المهدية.
قال سالم خلاف معلقًا: إنه من الطبيعى أن يكون لدى الناس رعب من الموت، لكن الموت لا يخيف الضباط والجنود، الموت فى سبيل الواجب هو ما قدر لنا، لكن المشكلة الحقيقية أن المهدى أطلق فتوى أعلن فيها أن كل من يقاومه ولا ينتظم تحت راياته هو كافر. اعترضه فوزى وقال بسخرية وما هى المشكلة، ليفتى النبى الكذاب بما يريد، فما يؤتى من باطل هو باطل.
عقب خلاف لو أن الأمر يقتصر علينا، نحن جنود نتحمل الموت، إنما هذا المجنون الذى يزعم أنه مهدى آخر الزمان وقد أصبح أكبر وأقوى تاجر رقيق فى وقتنا الحاضر، هذا النبى المزعوم قد نجم عن فتواه سبى نساء وأطفال وعائلات الضباط فى بارا وطيارة وقدير وﺍﻷُﺑَﻴِّﺾ وشيكان، وكل معركة خاضها وانتصر فيها، جعل نساء الضباط والجنود والموظفين والقبائل المشايعة للحكم المصرى سبايا فى فراشه، وفراش أتباعه، ولديه منهن ولدى أمرائه المئات، والفائض وزعهن غنائم على محاربيه من الرعاة، وبسبب فتواه سيباع أطفالنا وزوجاتنا فى أسواق النخاسة. هتف الفولى: معقول؟ نظر محمود العجيمى إلى وجه زميله وهو يكاد ينفجر من الغضب، وقال: وهذا ما حدث بالفعل؛ ففى الخامس من يونيو علمنا من أحد الجنود الذين ينتمون إلى قبائل البارى أنه تعلق بذيل الفرار هو وآخرون من رفاقه عندما رأى المهديين يحرقون دفاتر الحكومة ويجمعون أهالى الجنود من النساء والأطفال ويعرضونهم علنًا فى السوق للبيع.. وقد شاهد زوجات الضباط وبناتهم عرايا فى السوق، وهن يبكين دماء، وتجار الرقيق يضحكون ويعبثون بهن وبالمناطق الحسَّاسة من أجسادهن.
ساد الذهول على وجه الضباط، وسرح كل منهم بأفكاره نحو المصير الذى ينتظر عائلاتهم... لا يذكر التاريخ أن المصريين عانوا من الرق التقليدى الذى كان شائعًا بين القبائل الرعوية، والحروب بين الجماعات البشرية والإمبراطوريات والأمم التى جرت على مسرح التاريخ، ربما قدر لهم ما هو أسوأ وهو أن يصبحوا منذ الحكم الرومانى (أمة من العبيد)، مرتبتهم فى الطبقة الرابعة بعد المواطن الرومانى السيد الحر، ثم اليونانيين الذين قاموا بمهمة الخولى لسادتهم الرومان، ثم جاء العبيد المعتوقون فى المرتبة الثالثة، وفى المرتبة الرابعة والأخيرة جاء الفلاحون المصريون؛ حياتهم بلا شرائع، وعيشهم أسوأ من حياة البهائم، حقًّا كانوا لا يباعون ولا يشترون، ولكن النظم السياسية والاقتصادية جعلت منهم عبيد للأرض التى يزرعون ويعملون فوقها، لصالح الأباطرة والخلفاء والملوك والسلاطين.
بعد فترة سأل الملازم أول محمد فوزى السلحدار الذى كان أكثرهم تماسكًا، إذا ما كان لديه أخبار أخرى؟
قال العجيمى، إنه منذ انتشار الأنباء عن إبادة الجيش المصرى فى موقعة شيكان فإن كل يوم تشرق شمسه يأتى بخبر تمرد جديد.. فالماديون فى لابوريه بقيادة كبيرهم (ماتوا الصغير) أبدوا روح العصيان، وتمرد الشوليون بدوفيلاى، وجاءت أخبار مكدرة أن دنكاويى إقليم الرول تمردوا مرة أخرى، وأن مأمور القسم محمد أفندى الصياد يطلب إمدادًا.. ومن (بور) أرسل اليوزباشى عبد الوهاب أفندى طلعت يخبرنا أنه عندما وصل إلى بور وجد معظم حاميتها المؤلفة من 92 رجلًا وقائدها عبد الله أفندى نمير قد أبادهم محاربو قبائل البورين إبادة تامة.. ولم يبق بالمحطة سوى 30 جنديًّا وأن المحطة الآن محاصرة بقوة تفوق كثيرًا حصارها من قبل، وأن مجموع الجنود الذين تحت يده لا يزيد على 42 جنديًّا منهم 30 وجدهم هناك و12 كانوا بمعيته. قال أحمد سليمان إن الأوضاع لم تكن على هذا الحال من السوء.. عقب العجيمى بأن انتشار تمرد الزنوج جاء على أثر انتصارات المهدية المتوالية واتساع نطاقها.
- ومحمد بك أمين؟
قال العجيمى وقع فى (حيص بيص)، وافق على السفر للقاء الأمام المهدى ثم اعتذر وشكَّل وفدًا من المشايخ المشايعين للمهدية للسفر بدلًا منه للقاء أميرهم كرم الله كرغساوى، غادروا لادو فى الثالث من يونيو، وبعد أن اطمأن لسفرهم قام باستدعاء أهم ضابطين فى المديرية، الصاغ حواش أفندى منتصر ومرجان أفندى الديناصورى اللذين كانا قد طردهما من الخدمة بناء على وشايات كابتن رودولفو كازاتى، بهدف النظر فى الحال، وتقرير الموقف من طلب المهدى لقوات المديرية بالاستسلام، وها نحن هنا الآن.
بعد قرابة الساعة دخل الصاغ حواش منتصر القاعة وعلى محياه علامات الغضب الشديد، وخلفه قومندان لاد واليوزباشى الحسينى عبد الغفار، ومأمور المخازن وجلس دون اعتذار، لم ينظر الحكمدار ناحيته وطلب من الخدم إحضار الطعام.
ساد السكون فى القاعة وعندما شرع الخدم فى وضع آنية الطعام أمامه أزاحها جانبًا، وتوجه إلى الحكمدار يسأله إذا ما كان لديه أوامر بالتسليم.. أجابه بأن موضوع التسليم كان مجرد توفير وقت كافٍ للتشاور، وهو يرى أن عليهم الانسحاب نحو الجنوب.
قاطعه غاضبًا هل حدث وقلت لموظفى وضباط المديرية إن فى استطاعتك أن تحافظ عليهم وتسير بهم عن طريق أوغندا، وإنك سوف تأخذ على عاتقك أن تصل بهم إلى القاهرة.. هذا إذا ما أولوك الطاعة.. وأن بمقدورك قيادة الكتيبة والضباط وتسلك بهم طريق أورينيور ثم أوغندا الشرقى؟ أجاب الحكمدار أنه فعل وأضاف ومن أوغندا إلى زنزبار.. وتساءل عن العيب فيما قاله.
سأل الصاغ منتصر والشرر يطق من عينيه.. إذا ما كان قد قال إنه بالنسبة للجنود السود فأنت لا تظن أن كباريجا ملك الأونيورو لن يسمح لهم بالمرور من أرضه والخديو ليس فى حاجة إلى حفنة من جنود سودانية وبضع بنادق ريمنجتون، والأفضل أن يظل الزنوج فى بلدهم.. وأنك إذا اقتضت الضرورة فسوف تهب جميع العساكر السود لكباريجا كى تحصل على ترخيص بالمرور من أرضه؟
سرت رعشة فى وجه الحكمدار، قال إن كلامه فهم أو فسر خطأ، وأضاف بعنجهية وإذا حدث فما الضير فى ذلك، طالما سينجو الضباط والموظفون المصريون وعائلاتهم؟
تدخل الحسينى عبد الغفار موضحًا أن مثل هذا القول أثار الرعب ليس فقط لدى جنود الجيش المصرى من التراجمة الزنوج، ولكن لدى جميع قبائل وأهالى المديرية. تدخل كابتن رودولفو كازاتى قائلًا: يوزباشى عبد الغفار عليك أن تختار بين إنقاذ بنى جلدتك وعائلاتهم، أو الدفاع عن الجنود الزنوج وأهالى القبائل.
- وهل لدى القوات حق الاختيار؟
- طبعًا لدينا اختيار واضح.
- وما هو اختيار حضرتكم كازاتى أفندى؟
- الانسحاب إلى جنوب بحيرة فيكتوريا والعودة إلى مصر.
- والأهالى، من سيدافع عنهم ضد أكبر عملية لصيد البشر وبيعهم فى أسواق النخاسة؟
- حياة قومك أم حياتهم؟
أضاف كازاتى بسخرية أنه لا يوجد لدينا سوى بضع مئات من الجنود النظاميين، وقد أباد جيش الأنصار أكثر من أربعة أضعافهم فى شيكان، تم ذبحهم فى ثلث ساعة.
هز الصاغ منتصر رأسه مشوحًا ناحية كازاتى باحتقار وقال: «ثلث ساعة، لا ينبغى لضابط متخصص برتبة نقيب أن ينساق وراء إشاعات مدمرة للروح المعنوية للقوات... لو أنهم غنم ما تمكن الجزارون من ذبحهم فى ثلث ساعة... لا تردد الأساطير كابتن كازاتى، وأضاف أن القوات المصرية فى مديرية خط الاستواء تضم أكثر من ثلاثة آلاف عسكرى جهادى من الجنود النظاميين، جميعهم مسلح ببنادق ريمنجتون ومدافع جبلية، ويقودهم ضباط أَكْفاء قضوا زمنًا طويلًا فى العسكرية، وخاضوا معارك فى حروب عالمية، على الحدود التركية الروسية، أو فى المكسيك. قال كازاتى: وإذا، ففى كل الأحوال أبيد ثلاثة عشر ألف جندى نظامى، فكيف بثلاثة آلاف أن يفعلوا. عقب منتصر، إن الفارق يتعلق بالقيادة... فى شيكان ثلاثة عشر ألف جندى لا يؤمنون بزعيمهم، وهنا ثلاثة آلاف جندى يثقون ثقة عمياء فى قادتهم.
هتف الضباط العرابيون... نعم... نعم... وصفق بعضهم وزام الآخرون تأكيدًا على قول منتصر.. الذى أضاف أن المديرية تملك من الزاد والذخيرة والمدافع والأسلحة الكميات الكافية للقتال، وأنها تستطيع وضع ثلاثة آلاف جندى نظامى على قدم الاستعداد، وسوف تكون هذه القوات فى القلب، وسوف يساندنا محاربو قبائل مديرية خط الاستواء، بالنسبة لنا هى معركة حياة أو موت، مستر كازاتى بالنسبة للأهالى هى حرب بين الحرية أو العبودية.. وبهذه القوة يكون فى الاستطاعة مقاومة المغيرين.
- سوف تقاتل إذن؟ قال خلاف سوف ندافع حتى الموت عن نسائنا وأطفالنا، لن نسلم أنفسنا عبيدًا ولا نساءنا سبايا للمهدية، وإذا استلزم الأمر سوف نقتل نساءنا وأطفالنا بأيدينا.
قال كازاتى يستفزهم: أو أنت تحب المهدى الحسينى أفندى.
قال الحسينى بدهشة: ما علاقة حماية أطفالنا من الرق بحب المهدى؟ قال كازاتى بسخرية: ولمَ لا الرجل يدعو لصحيح الدين؟ ألست مسلمًا الحسينى أفندى؟
قال الحسينى وقد أخرجه كازاتى عن شعوره: صحيح الدين... صحيح الدين! هذه أكبر عملية إنتاج للعبيد فى السودان، والمهدية الآن يتهيؤون للانقضاض على أكبر منجم لإنتاجه. قال كازاتى ساخرا: وما هو هذا المنجم مستر حسينى؟
- المديرية الاستوائية مستر كازاتى. تدخل محمد أمين بك: لكن الحكومة المصرية قررت التخلى عن السودان يوزباشى الحسينى.
- تحت ضغط الحكومة البريطانية.
- بغض النظر... ينبغى إطاعة أوامر الحكومة. تساءل الصاغ منتصر، إذا ما كان لدى الحكمدار، أوامر بالانسحاب؟
- استقالة محمد شريف باشا ناظر النظار كانت استجابة لتعليمات الحكومة البريطانية لإخلاء السودان.
تدخل الحسينى بسخط: وأين قرار مجلس العموم البريطانى بإلغاء الرق عام 1833؟ ضحك كازاتى وقال وما شأننا بقرار البرلمان البريطانى بإلغاء الرق.
قال الحسينى موجها حديثه إلى سعادة الحكمدار إن الحكومة البريطانية تتصرف طبقًا لمصالحها العليا، لديها برلمان ودستور، ولكن ليس من حق مصر أن يكون لها برلمان ودستور، وإذا أرادت مصر أن تفعل، تولى الأسطول البريطانى تدمير الإسكندرية، من حقها أن تلغى الرق، لكن إذا واجه الجيش المصرى تجارة الرقيق صدر قرار بإخلاء السودان منه حتى تترك السودان لأكبر عملية للإتجار فى الرقيق فى القرن التاسع عشر.
قال الحكمدار: حسينى أفندى... لدينا استقالة شريف باشا من الوزارة وقبول نوبار باشا بالمطالب البريطانية، علام السخط والجدال؟ تدخل منتصر باستياء: فى الخارج يجلس مشايخ وزعماء القبائل فى ثورة وهياج، وأنت سعادة الحكمدار لا تجيب على سؤالى، هل هناك تعليمات بالانسحاب؟ اعترف مضطرًّا وتحت الضغط أنه ليس لديه تعليمات بالانسحاب.
طرق الصاغ منتصر طاولة الطعام منهيًا الحديث وهو يقول: تمام سعادة الحكمدار وحتى تجىء التعليمات سيتم الدفاع عن المديرية الاستوائية حتى آخر جندى.. وأشار إلى الضباط بيده يدعوهم إلى تناول الطعام. تدخل كازاتى وهو يكتم غضبه: وكيف حضرة الصاغ، ومنذ أسبوعين أفاد قومندان لادو ومأمور المخازن بعدم توفر الميرة ولا الذخيرة؟ أجابه منتصر وهو يلتهم الطعام إنه سوف يعقد اجتماعًا عسكريًّا عقب تناول العشاء بين الضباط لبحث الأمر.. والآن دعنا من ثرثرتك الفارغة كازاتى أفندى.
منذ حل الصاغ حواش منتصر فى لادو عاد الهدوء للأهالى والانتظام لدى الموظفين، وخلال الأيام التالية زعم الحكمدار أن المرام من إعلانه القبول بالتسليم هو مداراة المهدية، وتحاشى الاصطدام بهم إلى أن يتم الاستعداد لمواجهتهم بعد جمع الجنود والميرة والتخلص من العناصر غير الموثوق فى إخلاصها.. ولذلك كان قبوله السفر إلى أم درمان من باب السياسة فقط، ولو فعل عكس ذلك لجاءت القوات المهدية بجمعهم وبطشوا بنا مع عدم توفر قوات بالعاصمة.
أمضى القادة والضباط ليلتهم يناقشون الوضع العسكرى، والمؤن والذخيرة ومراجعة القوات وعدد الجنود بالمحطات المنتشرة على اتساع المديرية، وتسليحها ونوع القوات التى تعمل بها، وتوزيعها على الأقاليم العشرة التابعة للمديرية، وتحديد مصادر الأخطار، وبعد حوار وجدال استقر الأمر على ما يأتى:
أولًا: اعتبار حامية (أمادى)، الواقعة على نهر لادو على بعد مائة وثمانين كيلومترًا شمال غرب لادو خط الدفاع الأول أمام جيش المهدية القادم من مديرية بحر الغزال، وعليه تقرر إخلاء الحاميات الشمالية فى رومبيك وآجاك وبوفى، وككبتو والتجمع مع بقية جنود إقليم الرول، فى أمادى لزيادة قدرتها على المقاومة.
ثانيًا: الدفاع عن مكراكا الواقعة غرب لادو.. حيث إنها لا تقل فى الأهمية عن أمادى، فهى المدخل الغربى لخاصرة المديرية، ويتوفر بها الحبوب، وإذا ما تمكن المهدية من الاستيلاء عليها، فسوف ينتهى الأمر بعزل أمادى والسيطرة عليها، لهذا تقرر أن تظل حامية مكراكا فى موضعها تحت قيادة قائدها فرج أفندى يوسف على أن يتم إخلاء محطات إقليم مومبوتو وضمها إلى حامية مكراكا.
ثالثًا: الاحتفاظ بحامية محطة فاتيكو لأنها تقع فى منطقة خصبة بها الكثير من القمح والدخن ما يجعل منها المورد الأول من المؤن لبقية المحطات الأخرى.
رابعًا: تخصيص خمسمائة بندقية من مركز القوات فى لادو وإرسالها إلى محطة أمادى العسكرية.
خامسًا: توزيع ألف وخمسمائة بندقية أخرى على مختلف الحاميات العسكرية الواقعة على النهر، وكذلك حامية مكراكا.
سادسًا: إقامة تحصينات عسكرية حول كل من أمادى ولادو.. وتقرر أن يباشر هذا العمل الضابط محمود العجيمى.
سابعًا: بناء على ما سبق، اقترح الصاغ منتصر إلغاء تقسيم المديرية القديم وتأليف حكمداريتين واحدة فى الشمال قاعدتها حامية أمادى.. والأخرى فى الجنوب، قاعدتها حامية دوفيلاى، وحشد العساكر فيهما.
أشرق ضوء الصباح وتوجه الضباط إلى مخادعهم وفى صدورهم قدر من الثقة والهدوء والراحة.. فى ظهيرة اليوم التالى دعا الحكمدار إلى اجتماع جرى اطلاعه على ما دار ليلة الأمس، فوافق، وطلب الصاغ حواش منتصر من أمين بك أن يتولى بنفسه قيادة قوات الشمال، التى ستتولى القتال المباشر مع جيش المهدية، وتعيين مرجان أفندى الديناصورى حكمدارًا على الجنوب التى ستصبح الاحتياطى الاستراتيجى العسكرى لمعارك الدفاع عن المديرية فى الشمال. وعليه صدرت الأوامر إلى عثمان أفندى لطيف وكيل المدير المقيم فى إقليم الرول، بإخلاء الحامية، والتوجه بقواته إلى أمادى لمساندة القوات المدافعة عنها.. كما صدرت الأوامر إلى ريحان أفندى إبراهيم قائد مومبوتو بإخلاء الحامية، والتوجه بقواته لمساندة حامية مكراكا.. ولأسباب مجهولة أو لغرض فى نفس يعقوب، قلب أمين بك الوضع وعين الصاغ حواش أفندى منتصر قائدًا لحكمدارية الجنوب بدفيلاى، والصاغ مرجان الديناصورى قائدًا لحكمدارية الشمال فى أمادى.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







